أصبح من الضروري أن نعى حقيقتين ونحن نطمح في السعي لتأسيس نموذجنا الحضاري الذي سنتعامل به مع الحضارات الأخرى في العالم، طالما أن المعلم الأساسي الذي تتفاعل به هذه الحضارات تراجع فيه الحوار وأضحى خاضعاً للتنافس في معظم الأحيان وللصراع في أحيان، أخرى باعتبار أن هذا الصراع، بأبعاده الثقافية والقيمية، هو الوجه الآخر للصراع الإستراتيجي بين الأمم على مستوى النظام العالمي.
الحقيقة الأولى أن البيئة الدولية، وحتى الإقليمية، التي نعيش فيها والتي سنؤسس خلالها نموذجنا الحضاري، بيئة غير مواتية، تفرض علينا الحذر في التعامل مع المنتج الثقافي والقيمي والفكري للحضارات الأخرى التي لا يتورع بعضها عن القيام بغزو ثقافي- قيمي للحضارات الأخرى للانحراف بهويتها، وفرض التبعية عليها، وبوضوح أكثر لـ "نمذجتها"، أي جعلها شبيهة بالنموذج الذي يمارس الهيمنة الحضارية وهو في وضعنا الراهن النموذج الحضاري الغربي، وما وثيقة "اتفاقية سيدار" إلا مجرد أحد هذه الغزوات الثقافية والاجتماعية. ما نلمح إليه لا يعنى التقوقع أو الانعزال عن التفاعل مع الحضارات الأخرى بأي مبرر حتى لو كان مبرر "الخصوصية"، بل يعنى تنقية أو فلنقل "فلترة" ما يصلنا والقبول بما يتفق مع المكون الحضاري للأمة وهو دينها وثقافتها ومنظوماتها القومية التي اكتسبتها على مدى عصور تاريخها، ورفض ما يتعارض مع هذا كله. بتلخيص شديد أن نكون على وعى بأن العملية التي نحن بصددها لتأسيس وإعادة تشكيل نموذجنا الحضاري هي "عملية كفاحية" أولاً وقبل كل شيء.
أما الحقيقة الثانية فهي الوعي بأن هذه العملية "الكفاحية" التي يجب أن يؤسس تبعاً لها، نموذجنا الحضاري، يجب أن تبدأ بإعادة مراجعة هوية هذا النموذج الحضاري الذي نأمله. وهنا يفرض سؤالان نفسيهما علينا قبل أن نبدأ: الأول، عن معنى الهوية، أو تعريف الهوية، والثاني، سؤال يقول هل الهوية موروثة أم مكتسبة؟ بمعنى هل هي مكون تاريخي جامد، متقوقع على خصوصيته، أم هي مكون مرن غير جامد قابل للتحديث والتطوير مع تطور وعى وثقافة الأمم؟ وهي هنا تكون شبيهة بـ "ذات الإنسان" أو "الكائن الحى" في مجمله قابلة إما للنهوض والتقدم وإما للانكسار والانزواء الذى قد يقود إلى "الاضمحلال".
دون الدخول في تفاصيل مفهوم "الهوية" والتمييز بينها، لغوياً وموضوعياً، وبين "الماهية" فإن هوية الشيء تعنى "عينيته وتشخصه وخصوصيته ووجوده المتفرد الذي يميزه عن الآخر"، هي "الصورة الكونية" للشخص وللأمة، أي لـ "هو" ولـ "هُم" من يكون ومن يكونوا، مرتبطين بالوجود المكاني بما يحمله من تمايزات وما يواجهه من تحديات، ومن ثم فإن هوية الأمة هي امتزاج خصوصيات الفرد بالجماعة بالمكان الذي يعيشون فيه وبتجاربه التاريخية. بهذا المعنى تكون هوية، أي أمة مميزة عن هوية، أي أمة أخرى بما يحمله هذا الامتزاج للفرد بالجماعة وبالمكان الذي يعيشون فيه، أي الوطن والتاريخ الذي عاشوه معاً، وتكون محددة بـ "منظومة القيم والمعالم (الاجتماعية والثقافية والسياسية والدينية) التي تشكل معتقدات الفرد وتحدد تمايزاته وانتماءاته وميوله في دوائرها المختلفة (الأسرة، الجماعة الاجتماعية، الوطن، الأمة)".
بهذا المعنى نستطيع الإجابة على السؤال الثاني الذي يسأل عن: هل الهوية موروثة أم مكتسبة؟ بأن الهوية موروثة ومكتسبة، وهذا ما يمكن التعبير عنه بـ "الخصوصية المرنة"، هذه الإجابة مع أهميتها محفوفة بالمخاطر، لأنها تجعل الهوية قابلة للغزو والتأثير الخارجي، وهذا ما حذر منه مالك بن نبي وعلى شريعتي في انتقادهما لما أسماه مالك بن نبى بـ "القابلية للاستعمار" وما أطلق عليه على شريعتي بـ "القابلية للاستحمار"، لكن هل توجد أمم بذاتها، ولتكن أمتنا العربية الإسلامية التي كانت مركز اهتمام المفكرين الكبيرين ـ لديها، دون غيرها تلك القابلية للاستعمار أو للاستغفال أو حتى للاستحمار، أم أن لهذه القابلية أسبابها وشروطها، ولها أيضاً مخارج التخلص منها؟
أنا شخصياً أميل إلى الإجابة بنفي وصم أمتنا بأنها، دون غيرها، لديها قابلية للاستعمار ، فكثير من الأمم جرى استعمارها بل واستغفالها واستحمارها، لكن الفارق، هنا يتركز في المعنى الغائب عن أمتنا الآن وهو "ضعف القابلية للنهوض" وبتحديد أكثر غياب العزيمة على النهوض، وامتلاك الهمة والنباهة للتحرر من كل قيود الاستغفال من الأمم الأخرى بدلاً من التقاعس وهجر "الكفاحية الوطنية"، أي هجر الدفاع عن الذات الوطنية ورخاوة التمسك بالهوية، والغرق في غواية كل مسالك ودروب التبعية والتقليد لـ "الغير" والتشبه به في ما يشبه "هجرة الذات إلى الغير".
تاريخنا الحضاري مفعم بعشرات وربما المئات من محاولات النهوض ونفض غبار التخلف السياسي والثقافي والدفاع عن الذات أو الهوية الحضارية الوطنية والقومية لكن مشكلتنا الآن تتركز في عقدتين: العقدة الأولى هي كثافة ضغوط الاختراق الخارجي في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات التي جرى توظيفها لفرض ما يسمى بـ "أيديولوجية العولمة"، أي عولمة القيم والأفكار الغربية المستحدثة، وفى ظل ضراوة الصراع على الشرق الأوسط وبالتحديد على وطننا العربي، خاصة في السنوات التي أعقبت نهاية الحرب الباردة وخروج الولايات المتحدة من هذه الحرب كقوة عالمية أحادية سعت إلى أن تفرض نفسها كقوة إمبراطورية، في هذه الفترة التي بدأت بعام 1991 وصلت أحداثها إلى ذروتها عقب تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن وما أعقبها من قيادة الولايات المتحدة بحرب كونية ضد ما أسمته بـ "الحرب على الإرهاب"، حظى عالمنا العربي بأقسى عمليات التدخل الأمريكي ابتداءً من غزو العراق وتدميره واحتلاله عام 2003، وامتداداً إلى الانخراط في فرض ما سمى بمشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذى استهدف إعادة تقسيم وطننا العربي والقضاء على نظامنا العربي، وإعادة تفتيت الدول العربية على أسس عرقية وطائفية ومن ثم إصابة الهوية القومية للأمة والهوية الوطنية للدول إصابات تدميرية، ثم الحرب على لبنان عام 2006، والعمل على فرض نظام إقليمي آخر بديل حمل اسم "الشرق الأوسط الجديد" استهدف فرض تحولات هيكلية وقيمية بنظامنا العربي، من خلال فرض منظومة تحالفات وصراعات إقليمية جديدة مختلفة باستبدال الصراع العربي- الإسرائيلي بصراع عربي – إيراني، وفرض إسرائيل كحليف وفرض إيران كعدو، والهدف هو تصفية القضية الفلسطينية وتطبيع العلاقات العربية- الإسرائيلية والانتصار لمشروع "الدولة اليهودية الكبرى"، بكل ما يعنيه ذلك من تدمير للمشروع العربي وللهوية القومية الحضارية.
أما العقدة الثانية فهي خفوت دور مؤسسات التنشئة في عالمنا العربي، إبتداءً من الأسرة التي أخذ دورها في التنشئة يتراجع بكثافة لأسباب كثيرة واجبة الدراسة والتحليل وامتداداً إلى المدرسة ثم الجامعة إلى جانب غياب المؤسسات الشبابية وتراجع دور الثقافة والإعلام أحياناً، ولعبها في كثير من الأحيان أدواراً محورية في تمييع قيم مهمة مثل الولاء الوطني وتغليب "الذات" على الـ "نحن"، ناهيك عن تراجع أدوار المؤسسات الدينية وغلبة الصراع السياسي بين الجماعات المتطرفة والمؤسسة الوطنية على حساب دورها في التربية والتعليم والتنشئة.
كل هذه الأمور كثفت من اكتساب الهوية الحضارية للأمة قيماً وثقافات وافدة، بعد أن تحولت منظمات التنشئة إلى مؤسسات رخوة أكثر تعرضاً للاختراق وأكثر انصياعاً للتحديات والضغوط الخارجية. يبقى أن نسأل: كيف لنا أن تستعيد هذه المؤسسات دورها الكفاحي في الدفاع عن الهوية الحضارية من ناحية والنهوض بها من ناحية أخرى لتكون أكثر قدرة على التفاعل الإيجابي مع الحضارات الأخرى؟

