Menu

السجن.. ليس وحدة العقوبة

ثائر أبو عياش

لا تتوقف حدود "العقوبة" التي يمارسها الاحتلال على الفلسطيني حد "السجن"، بل تتخطى ذلك، حيث السجن يبدأ من لحظة الاعتقال المختلفة أشكاله حتى لحظة الخروج من السجن، ولكن ما لا يعرفه الكثير أن هناك "عقوبات" يفرضها الاحتلال على السجين الفلسطيني ما بعد السجن، وهنا يبدأ سجن من نوع أخر، وأكثر تبدأ سياسة ما تعرف لدى معظم الأسرى الفلسطينيين المفرج عنهم باسم "النكد".

السجن ليس وحده الذي يسرق من خلاله الاحتلال الوقت، وأكثر يحاول سرقة البوصلة من خلال احتجاز الأسير على كل حاجز يمر عبره، ويستخدم أسلوب التفتيش الاستفزازي، وأيضاً الاحتجاز لأوقات طويلة تحت حجة الفحص الأمني، وبالطبع يحاول الاحتلال من خلال هذه الحواجز ايصال رسالة للأسير أنك مراقب أينما ذهبت، محاولاً تطبيع الحاجز داخل سيكولوجية الأسير.

يمكن القول أن الاحتلال يتفنن في الأساليب التي يستخدمها لإثقال الحياة على الفلسطيني، ونقصد هنا الأسير، حيث يفرض على معظم الأسرى منع السفر خارج فلسطين عبر جسر "اللمبي"، وبالطبع نتحدث هنا عن الأسير الفلسطيني الموجود في الضفة الغربية خصوصاً، وهذا بالطبع يحد من خيارات الأسير، خصوصاً الأسير الذي يبحث عن السفر من أجل استكمال تعلميه، وأيضاً بعض الأسرى الذين يَوَدُّون السفر من أجل العلاج، وأتذكر هنا حالة الأسير "الرفيق غسان الريماوي" من بلدة بيت ريما قضاء رام الله الذي منع من السفر كأسير فلسطيني، وكان هدف السفر من أجل العلاج من مرض "السرطان"، وليستشهد بعد هذا المنع بفترة قصيرة.

في حالة "منع السفر" كثيراً ما يلجأ الاحتلال إلى خيار المساومة مع الأسير الفلسطيني كنظام ترغيب، وغالباً ما يرفض الأسير هذا الخيار، وهذا ما حدث في حالة الأسير "غسان الريماوي"، وأيضاً هذا الخيار يستخدم في عقوبة "الرفض الأمني" التي يفرضها على غالبية الأسرى، خصوصاً أن المساومة تتم في حملات يقوم بها ما يعرف "بالمنسق" تحت عنوان "حملة الرفع الأمني"، وفي حال الرفض يمنعهم من الحصول على "تصاريح" للعمل في الدخل المُحتل، وهذا ما يقلل من فرص الأسير الفلسطيني في ظل قلة فرص العمل أساساً في الضفة الغربية، وأعتقد أن هذه نقطة بحاجة للدراسة بشكل معمق حول البطالة والأسير الفلسطيني.

بالإضافة إلى ذلك إن عقوبة "الرفض الأمني" تحول الأسير إلى زاوية البحث عن مشروعه الخاص، ويبقى الدور الأكبر للعائلة في دعمه ومساندته على هذا الصعيد، وفي بحث له تناول الأكاديمي الفلسطيني "وسام الرفيدي" دور العائلة على صعيد الاهتمام بالأسير من حيث الوضع الاقتصادي، وإعادة الدمج في المجتمع، وخصوصاً أن العقوبات التي يتعرض لها الأسير ما بعد السجن تحد من خياراته مثل: الزواج.

ويضاف إلى ذلك إذا حاول الأسير الدخول إلى المناطق عام 1948 ضمن السياسة المعروفة بسياسة "التهريب" يقوم الاحتلال غالباً باعتقاله وتحويله إلى السجون المدنية، وكثيره هي الحالات في هذا الجانب، وتزداد شدة الاعتقالات في هذه العقوبة، خصوصاً في ظل التوترات الأمنية في الضفة الغربية تحديداً، وأتذكر عند بدء العمليات التي كانت تخرج من نابلس وجنين وتضرب العمق الصهيوني عاد جميع الأسرى العاملين في الداخل المحتل إلى بيوتهم، وجميعهم كان متفقين عن رواية واحدة التي تقول: العمل أصبح خطر جداً، والاعتقال أصبح ممكن لأننا أسرى سابقين.

ترتبط بعض العقوبات ما بعد السجن بالوضع الأمني على الساحة الفلسطينية، كما قلنا سابقاً في عقوبة "الرفض الأمني"، يضاف لها عقوبة الاعتقال الاحترازي، وأيضاً المقابلات الدورية التي يلجأ لها الاحتلال، خصوصاً عند تغيير ما يعرف باسم "ضابط المنطقة"، وهنا يعمل الاحتلال على تحويل جزء من الأسرى إلى الاعتقال الإداري، وهذا ما يجري حالياً ما بعض الأسرى الذين يتم اعتقالهم في ظل الأحداث الأمنية في منطقة شمال الضفة الغربية، حيث تم تحويل جزء كبير من الأسرى السابقين إلى الاعتقال الإداري خوفاً من انفجار الوضع في الضفة تحت سياسة "جز العشب".

يحاول الاحتلال ترسيخ السيطرة على حياة الأسير في كل تفاصيل حياته، وأكثر أنه ملاحق في كل مكان، حتى في أحلامه، وغالباً وكمثال على ذلك: عندما يقتحم جيش الاحتلال قرية فلسطينية أو مخيم أو مدينة، تجد الجزء الأكبر من الأسرى قد نهضوا من النوم، ولا يعودون إلى فراشهم حتى انسحاب الجيش من المنطقة.

يسعى الاحتلال لتشويه حياة الأسير، وأكثر التشويش عليه، بل وتنميط حياته، وكأن الاحتلال يحاول زرع نفسه في حياة الأسير حتى ما بعد الخروج من السجن، مستخدما نظام الترهيب في ظل فشله في نظام الترغيب، وبالطبع يقاوم الأسير في هذه المرحلة، ولكن بطرق مختلفة، خصوصاً إذا كان الأسير من معارضين السلطة الحاكمة في الضفة.

أتذكر في حوار مع أكاديمي جامعي من القدس في ندوة حول "الأسير والحق في التعليم" توجه لي بسؤال، أين ستقوم باستكمال درجة الدكتوراه؟

قلت له مدركاً خياراتي في ظل التعليم البنكي المرهق في فلسطين: "لن أحصل عليها أنا ممنوع من السفر، لأنني أسير سابق، وشقيق شهيد، وهنا قمت بتقديم هدية له، وهي قصيدة للشاعر "أحمد فؤاد نجم" تنطبق على غالبية الأسرى الفلسطينيين: "ممنوع من السفر.. ممنوع من السفر.. ممنوع من الغنا.. ممنوع من الكلام.. ممنوع من الاشتياق.. ممنوع من الاستياء.. ممنوع من الابتسام.. وكل يوم في حبك تزيد الممنوعات.. وكل يوم بحبك.. اكتر من اللي فات..".