Menu

القلعة تنهار من الداخل

الأسير منذر خلف مفلح

تكثر المقالات والآراء والجدالات والنقاشات، فيما يخص "دولة" الكيان من حيث قوتها وتأثيرها، واستقرارها في المنطقة، وهو ما يجعل عدداً من الأطراف والدول والمنظمات تبني مواقفها وتحالفاتها وسياساتها بناءً على اجتهاداتها حول هذه الظاهرة – الكيان.

من يواجه هذا الكيان ويعتبره أساساً لأزمات المنطقة وهو مشروع موجه نحو الأمة العربية، هو مجرد أداةً وظيفيةً بيد الاستعمار، ولهذه يجب مواجهته، وبين من يعتبره دولةً مستقرةً قويةً اقتصادياً وعسكرياً، وبوابة نحو الغرب وتحديداً واشنطن، ولهذا يجب مهادنتها والتطبيع معها، وبناء المستقبل معها وربما حولها أو اعتبارها جزءاً طبيعياً من المنطقة، لذا يمكن عقد التحالفات والمساومات معها ودمجها في المنطقة وصراعاتها، والاستفادة من قوتها، وضخامة تأثيرها عسكرياً وسياسياً وأمنياً واقتصادياً.

في البداية، يجب أن ننظر لهذا الكيان باعتباره كياناً استعمارياً استيطانياً مصطنعاً، قام على أنقاض فلسطين وشعبها، وعلى أنقاض آمال وأحلام ومستقبل الأمة العربية والمنطقة. ولكن بعيداً عن التفكير أو الرأي المسبق بهذا الكيان الذي يُعتبر قلعة حصينة عسكرياً واقتصادياً، إلا أن هذه القلعة تنهار من الداخل، وقد أشرنا لذلك في أحد المقالات السابقة، وهو ما أكد عليه في الأيام السابقة، أحد أهم أركان المنظومة الأمنية الصهيونية "رئيس جهاز المخابرات الصهيوني – الشاباك" (رونين بار) في معرض استعراضه للوضع الأمني والسياسي والاجتماعي في "دولة الكيان" في مؤتمر (مركز سياسات الإرهاب في جامعة رايخمان)، مشيراً إلى أن "الدولة" الصهيونية، منقسمة داخلياً، وغير مستقرة سياسياً، ومتصدعة اجتماعياً، وغير آمنة أمنياً، مشيراً إلى أن منظومته الأمنية " الشاباك"، لا يمكنها حماية "دولة الكيان".

فالقلعة التي يتهافت بعض الأنظمة العربية، لشراء ذمتها، وقوتها في مواجهة محور المقاومة، أو في معرض النزاع مع إيران، وتهافت الغرب على شراء قوتها الأمنية. هي "دولة" تترنح بلغة متحفظة أمام ما قصده (رونين بار)، "المنظمات الإرهابية" قاصداً قوى المقاومة، ودور "محور الشر"، قاصداً وقوى بلدان تدعم وترعى المقاومة و"ضربات المقاومين المنفردين"، قاصداً مقاومة الشعب.

إن فجاجة ووقاحة رئيس الشاباك الصهيوني "المخابرات" تجلت، رغم عوامل الضعف التي يشير إليها، بأنه يؤكد على بعض النقاط التي جعلنا نقف أمام رؤية الكيان للقوى الفلسطينية، والسلطة الفلسطينية، معتبراً أن السلطة هي وأجهزتها الأمنية، جزءاً من استراتيجية الكيان الأمنية لإدارة الوضع الفلسطيني ونجاح سياسته الأمنية تجاه الشعب الفلسطيني ومقاومته، مشيراً لضرورة دعم رئيس السلطة في جهود تدعيم الأجهزة الأمنية الفلسطينية، ودعم قبضتها على الأرض وتوحيد حركة فتح، والعمل على بعض الإصلاحات المدنية، وهو ما يعتقد بغياب من يقوم بهذه المهام أو من لديه النية والرغبة والإرادة لذلك.

وبناءً عليه، تفجر الأوضاع، وتتصاعد المقاومة، بما يعنيه ذلك إيعاز سبب المقاومة لأسباب داخلية، وليس باعتبار أن هذه المقاومة هي الرد الطبيعي على وجود الاحتلال، بل ووجود "دولة الكيان" بحد ذاتها، متهماً قوى المقاومة، "باستغلال المقاومة الفردية" للشباب الصغير من أجل فرض أجندتها دون دفع الثمن.

في الناحية الأخيرة يشير لغزة، ووضع المقاومة فيها، ملخصاً إياها بشخص السنوار، باعتباره "زعيم" غزة، مقابل "زعيم" الضفة أبو مازن، مغذياً الاتجاه السائد اليوم بتحويل السيد السنوار إلى مدير للأوضاع في غزة، "ليحافظ على مصالحه ومصالح السكان هناك". وأن المزاوجة ما بين التهديد والتصعيد، والبحث عن المصالح وتحسين الأوضاع المعيشية في غزة لا يتفقان، وأن الشعب في غزة قد "أدرك أن مصلحته أن يعيش برخاء، وعليه أن يضغط على السنوار من أجل إعمار غزة" على حد زعمه.

يستمر الكيان وقيادته الأمنية، باعتبار أن قوة الشعب الفلسطيني – فاعليته- هي جزء من استراتيجية "تجميد الشعب الفلسطيني، وتعزيز انقسامه، وارتباطه المصلحي" بالهدوء والأمن والاستقرار والمصالح الاقتصادية للطرفين، بما يعنيه ملخصاً "السلام الاقتصادي" أو "تقليص الصراع"، فاتحاً المجال لما أسماه (ديان) عام 1967 "إدارة محلية فلسطينية داخلية دون تدخل مباشر"؛ في حين أن المطلوب هو عكس واقع الحال، لتفعيل الضربات على رأس هذا الكيان الذي بدأ يتشقق من داخله.