قبل عاممن تم التوقيع على اتفاقيتي التطبيع بين الإمارات والبحرين، و"إسرائيل"، في 15 سبتمبر/ أيلول 2020 في الولايات المتحدة، وأطلق عليها ”اتفاقات إبراهيم” ولاحقا، انضم السودان والمغرب لقطار التطبيع، الذي ما لبث أن توقف..!
حول مفهوم الإبراهيمية: وضعها الإرهابي المصري سيد نصير عام 1991 لتكون مخرجا له من السجون الأمريكية؛ فبعد اتهامه بقتل الإرهابي الحاخام مئير كهانا الإسرائيلي، برأه القضاء الأمريكي، ولكن اللوبي الصهيوني تدخل ليستمر في محبسه إلى الآن (د. هبة جمال الدين).
ورغبة منه في الخروج؛ سلم الإدارة الأمريكية مشروعا اسمه الاتحاد الإبراهيمي الفيدرالي، كحل يخدم الأمن القومي الأمريكي، يقدم حلا للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، عبر إقامة دولة إبراهيمية، تتلاشي خلالها الحدود ويعيش الفلسطينيين مع الإسرائيليين بجواز إبراهيمي.
وأخذت الإدارة الأمريكية الفكرة وبدأت في اختبار المفهوم عام 2000 في المنطقة،
وتم استخدام الإبراهيمية وفقا لجامعة هارفارد، لتكون مدخلا لقبول التطبيع الذي فشلت فيه "اسرائيل" منذ إعلان وجودها عام 1948.
تعتبر الإبراهيمية مدخلا للدبلوماسية الروحية، التي تقوم على الجمع بين رجال الدين والدبلوماسيين والساسة للتفاوض من الكتب المقدسة، والوصول إلى المشترك الديني لوضعه على الخريطة السياسية. وبدأ العمل بها منذ عام 2013 محاولة لتطبيقها على الأرض بدعم من اللوبيات اليهودية ومعها متنفذين في الولايات المتحدة الأمريكية خصصوا إدارة خاصة في وزارة الخارجية لذلك (د. هبة جمال الدين).
وإذا أردنا تتبع المسار العقائدي لمشروع الولايات المتحدة الابراهيمية فعلينا مراقبة ما يجرى وسيجرى مستقبلا في القدس وتحديدا في الحرم القدسي.
إن بناء هيكل لليهود داخل الحرم الشريف الى جانب المسجد الأقصى هو تطبيق عملي للديانة الإبراهيمية والمقدسات الإبراهيمية المشتركة، سيتم بدعم من الإنجيليين، خاصة في الولايات المتحدة الامريكية وبعض الدول الأوروبية، ولن تتوقف الهجمات اليومية للمستوطنين، إلا بالوصول إلى هذا المشهد، خاصة أن الحفريات اليومية منذ عام 1967 لم تصل إلى أي دليل على وجود الهيكل في القدس، كما لم يتم العثور على مدينة داود، علما بأن ما يسمى حائط المبكى، هو حائط سور بناه الرومان وبنى فوقه العثمانيون السور الحالي للمدينة، وبالتالي ليس لليهود مقدسات فكيف يستمرون.
إن الصراع بين المشروع العربي النهضوي والمشروع الصهيوني هو صراع تناحري، لم يحسم الصراع لصالحه عسكريا ولا سياسيا... الخ، ولذلك توجهت الامبريالية الإمريكية إلى فكرة الحل الديني لإنهاء الصراع وإقامة "الولايات المتحدة الابراهيمية". ولأن المجتمعات العربية في المنطقة تسودها القناعات الدينية، فإن المسلمين يؤمنون بنبوة "إبراهيم " وكذلك اليهود، ويؤكد معظم المسيحيين على أن أصل الشعب اليهودي يعود إلى إبراهيم، لذلك راهنوا أن نجاحه، قاب قوسين أو أدنى.
إذاً، الفكرة الأساسية هي تطبيق مشروع سياسي يخدم الكيان الصهيوني والمصالح الإمبريالية الأميركية في المنطقة، باستغلال اسم "إبراهيم"، سيرته ومسيرته حسب التوراة التي هي جزء من الديانات الإبراهيمية المبنى عليها المشروع:
ولد إبراهيم في مدينة أور الكلدانية؛ خرج مع افراد من عائلته إلى أرض كنعان؛ أقام في حاران بين النهرين؛ رحل إلى شكيم /نابلس ثم بيت إيل شرقها ونصب خيمته فيها.
بسبب الجوع، ذهب الى مصر، ثم عاد إلى أرض كنعان نقل خيامه وأقام عند بلوطات ممرا في حبرون /الخليل.
ذهب إلى القدس في القرن التاسع عشر ق.م، وخاطبة الرب: جميع الأرض التي ترى لك اعطيها ولنسلك إلى الأبد، أي أن مسار إبراهيم من الفرات إلى النيل حسب التوراة وهو مشروع "إسرائيل الكبرى" والتي سيكون اسمها الجديد "الولايات المتحدة الإبراهيمية".
ولأن إبراهيم له ولدان: اسحق واليهود من نسله وإسماعيل اعتبروا العرب من نسله؛ يرون أن ذلك سيسهل مهمتهم. ولكنهم تناسوا عمدا تاريخ الوجود العربي وحضاراته القديمة، والتي امتدت من الفرات إلى النيل، رغم أن حياة "إبراهيم"، حسب التوراة هي حياة البدو الرحل بين الفرات والنيل، وكان دائم الترحال مع الرعاة والمواشي، بينما كانت القبائل العربية تبني حضارتها على ارض وطنها.
تَعلّم إبراهيم ديانة التوحيد من ملكي صادق في مدينة القدس التي كان ملكها وهو من الكنعانيين الذين استقروا في المنطقة، ولم يسجل التاريخ وجود شعب آخر قبلهم ولذلك سميت ارض كنعان.
يعترف إبراهيم حسب التوراة أن عشيرته ليست في أرض كنعان وهي ليست أرضه:
«وَقَالَ ابْرَاهِيمُ لِعَبْدِهِ كَبِيرِ بَيْتِهِ الْمُسْتَوْلِي عَلَى كُلِّ مَا كَانَ لَهُ: «ضَعْ يَدَكَ تَحْتَ فَخْذِي 3 فَاسْتَحْلِفَكَ بِالرَّبِّ الَهِ السَّمَاءِ وَالَهِ الأرض أن لا تَأخُذَ زَوْجَةً لابْنِي مِنْ بَنَاتِ الْكَنْعَانِيِّينَ الَّذِينَ انَا سَاكِنٌ بَيْنَهُم 4 بَلْ إلى ارْضِي وَالَى عَشِيرَتِي تَذْهَبُ وَتَأخُذُ زَوْجَةً لِابْنِي اسْحَاقَ». ( سفر التكوين 4-3: 24).
هل العرب أبناء إسماعيل؟
إن جد العرب هو قحطان اليمني، هذا ما يسجله التاريخ، وعندما جاء إسماعيل إلى الجزيرة العربية ونزل في مكة، كان يتكلم العبرية، فلما صاهر اليمنية تعلم اللغة العربية، فكيف يكون جد العرب؟ وكيف نكون أبناء عمومة مع اليهود؟ وإذا كانت الديانات الثلاث: اليهودية والمسيحية، والإسلام، سماوية فكيف يطلقون عليها ديانات إبراهيمية؟
إنها خدعه سياسية إمبريالية صهيونية للسيطرة على المنطقة واخضاعها، عبر ما يسمي "الدبلوماسية الروحية" كما أطلقت عليها الدكتورة المصرية هبة جمال الدين.
في التطبيق العملي للإبراهيمية:
انشأت الإمارات بيت العائلة الإبراهيمية، ليضم مسجدا للمسلمين وكنيسة للمسيحيين وكنيس لليهود في مكان واحد، للحوار والعبادة. كما دعت لما سمته صلاة الخميس بمشاركة الأديان الإبراهيمية الثلاث، بدعم اللجنة العليا للأخوة الانسانية في العالم، ثم دعوة اخرى بمشاركة "إسرائيل".
وتكرر المشهد في العراق بدعوة من البابا لجميع الديانات شهدتها مدينة أور الأثرية في محافظة ذي قار، حيث ولد إبراهيم وأقيمت الصلاة باسمه.
ويقول معهد اتفاقيات إبراهيم للسلام في دراسة: بلغت التجارة الثنائية بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة 1.407 مليار دولار في الأشهر السبعة الأولى من عام 2022.
وأضاف: وصل المغرب إلى 3.1 مليون دولار في صفقات تجارية مع إسرائيل في مايو/أيار، مسجلا زيادة بنسبة 94 في المائة عن عام 2021.
وتابع: ارتفعت تجارة إسرائيل مع البحرين من لا شيء إلى 1.2 مليون دولار في غضون عام.
بينما يرى آريئيل كهانا الكاتب في صحيفة "إسرائيل اليوم"، أن "علاقات تل أبيب وأبو ظبي اليوم تبدو مثل زوجين، اكتشفا بعد عامين الفجوة بين الرومانسية والحياة الزوجية".
ولا يخفي الإسرائيليون استياءهم مما يعتبرونه تراجعا إماراتيا عن الوعود التي انهالت عليهم فور توقيع اتفاقيات التطبيع، بأن الأموال الإماراتية ستغرقهم. كما التزم زعماء الدول العربية، التي شاركت في "اتفاقيات أبراهام"، بسياسة الاحتواء التي تبنّوها في أعقاب المواجهة في قطاع غزة - في أيار 2021، كما في الحملة الأخيرة، وفي الضفة الغربية.
بينما فشلت الاتفاقيات بالتمدد في دول الخليج وتوقف التطبيع الرسمي ضمن المحدودية التي تمت قبل سنة، ولم يصل التطبيع العلني السعودية ولا اقترب من أندونيسيا ولا موريتانيا، ولم ينجز تحالف عربي- إسرائيلي ضد إيران. وكان وزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي عيساوي فريج أعلن: إلغاء مؤتمر كان سيعقد في إسرائيل الشهر المقبل احتفالا بمرور عامين على اتفاقيات أبراهام للتطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية.
إن مقاومة المشروع الديني الإبراهيمي، ليست مهمة حركات المقاومة الإسلامية فحسب، بل هي مهمة جميع قوى المقاومة، وكتبة التاريخ حتى لا تحول القضية إلى حرب دينية، بل تبقى حرب سياسية.

