Menu

في تحية الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

كلمات عن "الغد" والمستقبل

الامين العام المؤسس للجبهة الشعبية جورج حبش

عبد العال الباقوري*

تحية الجبهة الشعبية في ذكرى قيامها لا تكون بالمديح والثناء وبالتمجيد والإشادة فقط، بل قد  يكون من الأفضل التنبيه إلى ما فات، من ناحية، والدعوة إلى الاهتمام بما هو آتً من واجبات ومسؤوليات في مراحل نضال لاتزال طويلة وممتدة، ولا يريد المرء أن يبيع الماء في حارة السقائين، فيسترجع مسيرة مجيدة مضت، فمن المؤكد أن الجبهة بقياداتها وكوادرها وأعضائها أقدر من يتحدث عن هذا، بالإضافة إلى ما سبق أن كتبوه ونشروه وناقشوه من قبل في مستوياتهم الحزبية المختلفة، إذن ندع "العيش لخبازيه " ونحاول طرق باب آخر لعله يفتح طريق الحديث عما هو آتً أو عما يجب أن يكون، و الاعتماد في ذلك على كتابات "الحكيم" الدكتور جورج حبش مؤسس الجبهة وقائدها التاريخي.

"1"

في منتصف سبعينات القرن الماضي ذهب "العبد لله" في دورة تدريبية صحفية في ألمانيا الديمقراطية تضمنت الدورة- إلى جانب الدراسة النظرية - تدريباً عملياً لمدة أسبوعين في إحدى الصحف، كان من نصيبي التدريب في صحيفة الحزب "الشيوعي" في مدينة درسدن الشهيرة استرعى اهمتمامي في هذه الصحيفة وجود منصب جديد بالنسبة لي في العمل الصحفي، وهو نائب رئيس التحرير لشئون التخطيط! بدا لي المنصب غريباً!

هل يحتاج هذا التخطيط إلى منصب وإلى رجل له ويكون الثاني بعد رئيس التحرير مباشرة؟ لذلك طلبت أن أتدرب في هذا القسم بشكل خاص، بعد دورة سريعة على جميع أقسام الصحيفة، كان المدربون كرماء، واستجابوا لطلبي، واستغرقتني التجربة، وحاولت أن ألم بكل صغيرة وكبيرة متاحة فيها، وعرفت أن هناك "خطة بعيدة المدى لعدة سنوات، ثم "خطة" تفصيلية لسنة كاملة، ثم "خطة" لكل شهر من شهور السنة، وصولاً إلى "خطة" أسبوعية، ثم "برنامج" عمل لليوم التالي منذئذ ركبني عفريت اسمه التخطيط، وكلما تحدثت أو تناولت أي موضوع، أبدأ بالتساؤل: هل له خطة؟ وما هي؟ ومن وضعها؟ وفي أي ظروف؟ وطالما ألحت على هذه التساؤلات وأنا أتابع صراعنا ضد العدو الصهيوني، ومراحل النضال الوطني الفلسطيني، خاصة وانه استقر في يقيني أن المشروع الصهيوني هو عبارة عن " مشروع له خطة".

"2"

في كتاب "الثوريون لا يموتون أبداً" وهو أشبه بمذكرات لقائد الجبهة الشعبية ومؤسسها، هناك دروس عديدة عن الماضي وتجاربه وأخطائه وإنجازاته، وهنا _ومن أجل الإيجاز _ لا بد من الاختيار ، وأنسب جملة تغني عن كتاب أو كتب. ولعل هذه الجملة في هذا الكتاب هي قول الحكيم: "لو كانت قوى اليسار قد نظرت إلى علاقاتها بطريقة سليمة لما كانت الثورة حيث هي الآن".

في ظني أن، في أدبيات الجبهة الشعبية وأعمالها وكتاباتها، وربما على لسان وبقلم المؤسس القائد نفسه، ما يثرى هذه الجملة ويغنيها.. ومنذ قراتها  صحت وجدتها، وآليت على نفسي منذ سنوات أن أدعو وأعمل من أجل "علاقات سليمة" بين قوى اليسار الفلسطيني، حيث لا حديث عن وحدة أو اندماج، بل يكفي وحدة العمل التي يمكن أن تقود، وبالتأكيد ستقود، بعد ذلك إلى خطوات أخرى.

وقد جاء التركيز على وحدة العمل بين قوى اليسار الفلسطيني من منطلق الإيمان بأنها الوحدة التي ستكون قاطرة لليسار في أقطار عربية أخرى.. لا أقول هذا قطعاً للطريق على من قد  يأخذ علي ذلك ويدعوني إلى أن أنظر حولي أولاً وأدخر جهدي لليسار المصري فقط، وهذه ملاحظة صائبة، فمع أن هذا هو مسلكي مصرياً، إلاّ أن العمل الفلسطيني هنا قد يكون أيسر نسبياً من ناحية أنه أقل انشقاقاً بسبب وجود قضية رئيسية هناك شبه اتفاق على وسائل وأساليب حالها مرحلياً..

هل يأمل المرء، في هذه المناسبة، وهو يتذكر التجربة الصحفية في ألمانيا، أن تأخذ الجبهة الشعبية هذه المسئولية على عاتقها وتجعلها على رأس "خطة العمل" من اليوم إلى 11 ديسمبر/ كانون الأول 2017، حين تحتفل بمرور نصف قرن على ميلادها؟

"3"

قيام "الجبهة الموّحدة لقوى اليسار الفلسطيني" يمكن أن يكون أداة توقف منظمة التحرير الفلسطينية على قدميها بدلاً من الوقوف على رأسها، وتعيد توحيد الصف الوطني الفلسطيني، وتضع خطة جديدة لمرحلة التحرير والنصر، ولعل كلمات الدكتور جورج حبش مفيدة هنا" "علينا أن نعمل على توحيد الفصائل الفلسطينية من أجل تشكيل ائتلاف وطني يضم القوى كافة من أجل مواجهة تعقيدات الوضع" وهل هناك وضع أكثر تعقيداً من الوضع الفلسطيني وهل هناك أداة لمواجهته خير من ائتلاف وطني شامل؟

"4"

خطوتان... والثالثة ثابتة، وهي الخروج من طوق أوسلو وهذه نقطة " تجمع" لوحدة العمل اليساري الفلسطيني من ناحية، وللائتلاف الوطني الفلسطيني الشامل من ناحية أخرى، وأساس هذا الجمع والتجمع والحشد هو قول مؤسس الجبهة الشعبية وقائدها " إسرائيل لن توافق مطلقا على التفاوض بخصوص القدس وإخلاء المستوطنات وعودة اللاجئين وإقامة الدولة الفلسطينية ذات السيادة" ولا أظن أن هناك فلسطينياً مخلصاً وأميناً لديه ذرة شك في هذا لذلك "علينا أن نضع خلافاتنا لنواجه المشكلة الرئيسية التي تمثلها الإمبريالية الأمريكية والصهيونية".

كنت أنوي أن اخصص هذه الكلمات للحديث في   المناسبة عن التفكير المستقبلي عند الدكتور جورج حبش، ولكن ضيق الوقت ( وهو أحد ثلاثة أعداء للصحفي التقدمي، والآخران هما حاجز اللغة والامبريالية) لم يمكنني من تجميع أدواتي، ومع ذلك، فما لا يدرك كله لا يترك جله (أي أغلبه) حين قرر الدكتور جورج حبش في سنة 2000 الاستقالة من موقع الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، قرر أيضاً تأسيس "مركز دراسات الغد العربي: تقويم للماضي .. استشراف للمستقبل" وقد حدد مهام هذا المركز بصورة واضحة مع خصوصية اهتمام بالصراع العربي الإسرائيلي "على مستوى تقويم الماضي وما وقع فيه.. وذلك من أجل استشراف المستقبل وتهيئة البيئة الصحية للفعل المقاوم على كافة المحاور والمستويات" وفي هذه المناسبة اين هذا المركز وهل له من انتاج؟ إن إحيائه فريضة واجبة فلسطينياً وعربياً، به تستكمل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مسيرتها: منظمة عربية، عزيزة الجانب، موفورة الاحترام . وانها لثورة حتى النصر

*صحفي مصري