Menu

السودان... أزمةُ هدمٍ عميقٍ في ساس الديمقراطيّة

درة قمبو

لربّما تبدو المشكلةُ الظاهرةُ للعالم الآنَ عن السودان هي الانقلابُ العسكريّ الذي نفّذه قائد الجيش ضدَّ المجموعة المدنيّة التي ارتضت مشاركته في الحكم إلى حين انقضاء أجل الوثيقة الدستوريّة والانتقال للانتخابات العامّة، ثمّ خروج الجيش بشكلٍ كاملٍ من الحياة السياسيّة بعد اثنين وخمسين عامًا حكم فيها البلاد من جملة سنوات استقلال السودان الثمانية وستين، آخرها ثلاثون عامًا متّصلةً هي مدّةُ حكم الرئيس المخلوع عمر البشير، المرتبط بتنظيم الحركة الإسلاميّة السودانيّة.

تلك الثلاثون عامًا بالذات تمثّل مشكلة البلاد حاليًّا، وليس الانقلاب الإسلاموي الجديد المتلفّح بمحاولات ومزاعم إنهاء هيمنة قوى حزبية على الحكم منفردة دون مشاركة رفاقها، لكنه في الحقيقة ما هو إلا امتداد لنظام البشير المخلوع، بتولي اللجنة الأمنية لسلطة دفة الحكم بتنفيذها انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي، وحتى ادعاءات انفراد قوى حزبية معينة بالقرار، تفسدها أن الانقلاب استعان بقوى أخرى، ثم عاد للاستقواء بوجوه معروفة من النظام القديم الذي خرب الحياة السياسية بقصدية تامة في العقود الثلاثة الأخيرة، ففي حكم التنظيم الإسلامي للسودان؛ انقسمت جميع القوى السياسية الرئيسية في السودان، لدرجة وصول أجنحة أكبر الأحزاب مثل الأمة القومي إلى خمس نسخ، والاتحادي الديمقراطي إلى سبعة أحزاب بنفس الاسم، والشيوعي لفصيلين جدد على الأقل والبعث لثلاث وجوه!

وليس خفياً على أي شخص يتابع الشأن السياسي في أي بلد خطورة وتأثيرات تجريف الحياة السياسية في بلد مثل السودان؛ قامت فيه الحركة الوطنية الحديثة على نسق ثورات التحرر الإفريقي وعلى وهج مشاريع الوحدة العربية، معاً باعتباره بلداً إفريقياً وعضواً بالجامعة العربية، وصمدت فيه البنية السياسية رغم الأحداث الجسام التي مرت به، منذ انقلاب الرئيس العسكري جعفر النميري وما صاخبها من تقلبات ومجازر طالت أغلب القوى السياسية في البلاد على مدى ستة عشر عاماً حكم فيها، وابتدر بها عنف الدولة الدامي على أساس الموقف الفكري والسياسي، لكن ثلاثينية حكم الإسلاميين كما يصفها السودانيون التي بدأت بمسمار في رأس الطبيب الشيوعي علي فضل في معتقلات السلطة وانتهت بخازوق في دبر المُعلِم الإسلامي الشهيد أحمد الخير في ذات المعتقلات، كان بين أولها وآخرها الكثير المثير من سحق العمل السياسي الحزبي، لدرجة أوصلت الأحزاب السياسية لحصاد الثورة منهكة خائرة القوى، لا تستطيع تدبر شؤون الدولة؛ بسبب غياب الخبرة في إدارة العمل الرسمي.

طيلة سنوات حكم الرئيس المخلوع عمر البشير، لم يدخل الخدمة المدنية مستقلون سياسياً أو حزبيون ما لم يكن لهم حظ من القربى أو صلات أخرى قوية مع أفراد التنظيم الحاكم الوحيد، أو حلفاءه المتأخرين والمضطرين للتنازل قبل التسويات معه، بسبب ضغوط مختلفة منها الشخصي أو التقديرات السياسية التي تقع في ظروف غريبة؛ الأساس فيها هي تلك الضغوط. أما على صعيد المؤسسات العسكرية كالجيش الرسمي والمدنية المعسكرة مثل الشرطة وجهاز الأمن؛ حافظت السلطة الإسلامية لأكثر من عقد ونصف على احتكارها لمنتسبي التنظيم السياسي، ثم عدلت بعد ضغوطات ذاتية، ثم داخلية وخارجية، لتوسيع دائرة الانضمام لتلك الأجهزة، لكنها غلبت فيها شرط المناطقية المتحيزة أو الثقة الشخصية؛ عبر المعارف والأقارب من الحركة الإسلامية أو الحلفاء السياسيين الجدد، وهو  ما اتضح لاحقاً نجاحه في خلق خلخلة داخل النظام في سنواته الأخيرة خصوصاً، رغم أن غياب التسييس المعارض في الملتحقين الجدد كانت له ميزة تخفيف بطش وقمع النظام كما ظهر في ثورة ديسمبر عما كان عليه الوضع في هبة سبتمبر 2013 والتي سالت فيها كثير من الدماء العزيزة.

بين تلك الدماء في سبتمبر وثورة ديسمبر بعد خمس سنوات وقبلهما، تاريخ طويل من نضال القوى السياسية السودانية ومعها الشارع غير المنتمي حزبياً؛ مسيرة تراكمية بدأت من سنة الانقلاب المشئوم في يونيو 1989، بما فيه الكفاح المسلح، لكن تلك الأطراف السياسية وصلت ساعة النصر وواجهت معها ساعة الحقيقة؛ إذ بسبب تسييس الخدمة العامة والعسكرية وكل مجالات العمل العام الرسمي وتجييرها لصالح الحركة الإسلامية، خلا جراب قوى الثورة التي عارضت النظام السابق من أي خبرات مهنية على أرض الواقع السوداني تقريباً؛ فالغالبية من السياسيين الذين وصلت أحزابهم للسلطة إما كانوا مهاجرين أو يعملون في القطاع الخاص أو المنظمات الدولية أو منظمات المجتمع المدني، ووقعت البلاد في فخ كيفية إنجاز مهمة استعادة الدولة من اختطاف الحركة الإسلامية، وإعادة مؤسساتها لطبيعتها بواسطة خبراء مهنيين وملمين بالسياسة، ويعرفون طبيعة التحولات والتغيرات السياسية الاجتماعية وقريبين من الحياة العامة للسودانيين، بحكم معايشتهم للشعب عن قرب، وهنا نتج صراع "نحن الأعرف" بين قوى الثورة السياسية المشاركة في السلطة كحاضنة سياسية للحكومة الانتقالية التي انفردت باختيارها مع بعض القوى المدنية التي تتمتع تلك الأحزاب بنفوذ واسع داخلها  في الأساس.

وعلى الرغم من أن كل الدلائل كانت تشير لنوايا العسكر إعادة الانقضاض على الحكم، إلا أن تلك الاشكالات البينة في إدارة الدولة وفي التعامل بين الحلفاء السياسيين المدنيين معها؛ مهد الأجواء بشكل واضح للانقلاب العسكري الحالي، ولا يمكن تفسير تلك الخلافات بأقل من المظهر المشترك لكل أداء المجموعات السياسية الثورية وهو قلة الخبرة، بل وانعدامها في أحيان كثيرة بما أعاق امكانية تجاوز عقبات كثيرة، ليس أولها الخلاف على هياكل وشخوص المشروع الأكبر للسلطة الجديدة وهو كيفية تفكيك النظام السابق عبر لجنة سياسية؛ اتفقت عليها أطراف السلطة من المدنيين العسكريين معاً، لكن تناوشتها سهام النقد أولاً من الأحزاب الرئيسية في الثورة، وأعاق العسكريون إكمال هياكلها القانونية المطلوب والممثلة في لجنة الاستئنافات وتغييب المحكمة الدستورية لإكمال درجات التقاضي عبرها.

قضية تشكيل المحكمة الدستورية كان من ضمن عوائقها هو الجدل حول تسييس القضاء طيلة سنوات حكم البشير بمثلما وقع على كل الأجهزة بما فيها العدلية، ليس تشكيكاً بالمطلق في جميع القضاة من زاوية الانتماء السياسي، بل من حقيقة أن القوانين صممت لخدمة مشروع الحركة الإسلامية في تحويل البلد لملكية خاصة، وكذلك طريقة التعيين لهم التي خضعت لذات معايير المؤسسات لعسكرية والمدنية المعسكرة، باعتبارها أجهزة مفصلية في الدولة.

الآن يعيد الانقلاب العسكري المحظي بدعم النظام السابق بشكل واضح، القوى السياسية لنفس محطة النضال من الشارع، مع قليل من الخبرة الجديدة  التي اكتسبتها من فترة حكمها القصيرة الفعلية التي لم تتعدَ العام ونصف؛ منذ تسمية الحكومة الثانية والتي جاءت حزبية، بسبب قناعة الحاضنة السياسية بالحاجة لوزراء حزبيين لإنجاز مهمة تفكيك النظام البائد، لكن في انتظار سقوط الانقلاب ما زالت المخاوف من تكرار أزمة الخبرة في إدارة الدولة تلاحق المحتجين في الشارع من قواعد القوى السياسية، والثوريين غير الحزبيين، خصوصاً مع تعالي صوت الشارع ولجان المقاومة برفض تكرار ضعف الأداء في عمر الحكومة الانتقالية القصير، دون مؤشرات واضحة على حدوث ترميم لتجريف الأحزاب وإغراقها في أزمة البناء الداخلي المتزامن مع بناء الدولة.