تتوجه أنظارُ العالم، وخصوصًا العواصم الكبرى وفي مقدّمتها واشنطن، إلى أمريكا اللاتينيّة التي يحصد فيها اليسار الجديد انتصاراتٍ متلاحقةً في صناديق الاقتراع، وآخرها انتخابات كولومبيا، الجار الذي أزعج فنزويلا كثيرًا بتحوّلها إلى قاعدةٍ خلفيّةٍ للمعارضة اليمينيّة الفنزويليّة التي أرادت قلب نظام الحكم بدعمٍ أمريكيٍّ سافر، على طريقة ما حصل في بوليفيا. فماذا تشكّل دول أمريكا اللاتينيّة بالنسبة للولايات المتّحدة ودول العالم؟ ولماذا هذا الاهتمام الكبير بالانتخابات البرلمانية والرئاسيّة في هذه الدول؟ وهل تشكّل انتصارات "اليسار" مقدّمةً إضافيّةً لانبلاج عالمٍ متعدّد الأقطاب بدلًا من عالم القطب الواحد؟
تشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لدول أمريكا اللاتينية والكاريبي قد بلغ 5 تريليونات دولار عام 2021، وعدد سكانها 660 مليون نسمة، مقابل ناتج محلي إجمالي لبلدان الوطن العربي يبلغ 2.85 تريليون دولار لنفس العام وعدد سكان دوله أكثر بقليل من 444 مليون نسمة. ووفق دراسة أعدتها مؤخرا غرفة تجارة دبي، تفيد بتربع البرازيل والمكسيك على المركزين الأول والثاني بـ1.6 تريليون دولار و 1.3 تريليون دولار على التوالي في الناتج المحلي الإجمالي، فيما حلت الأرجنتين ثالثا بناتج محلي إجمالي مقداره 455 مليار دولار، تلتها تشيلي 331 مليار دولار، وكولومبيا 301 مليار دولار، والبيرو 226 مليار دولار، بينما يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، في كل من دولة أوروغواي وتشيلي أعلى المستويات في عام 2021 بأكثر من 16000 دولار للفرد الواحد. أما فنزويلا فإن العقوبات الامريكية عليها أدت إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي من 381 مليار دولار إلى نحو 50 مليار دولار في الوقت الراهن، رغم أنها كانت تنتج 3 ملايين برميل وأصبحت 700 ألف برميل يوميا، ومع الحرب الروسية الأوكرانية خففت واشنطن من عقوباتها على النفط، فزاد الإنتاج لقرابة مليون برميل يوميا في بلد يتمتع بأعلى احتياطي نفطي في العالم.
ربما تعيش أمريكا اللاتينية ارهاصات ولادة عالم جديد، فبعد تنصيبه رئيسا رسميا للبلاد في يوليو/تموز 2021، قال رئيس البيرو بيدرو كاستيو في خطاب لمؤيديه: "اليوم تبدأ المعركة الحقيقية لإنهاء عدم المساواة الهائل. لن نكون شعباً مضطهداً أبداً بعد الآن.. فلنقف دائماً على أقدامنا ولا نركع على ركبنا أبداً"! لكن هذا التفاؤل اصطدم بجملة من الصعوبات، حيث تعرضت البيرو لأضرار كبيرة بسبب تفشّي وباء كورونا مما أدى إلى وفاة أكثر من 184 ألف من المواطنين من أصل 32 مليون نسمة يشكلون إجمالي عدد السكان، وبهذا الرقم الكبير تكون البلاد قد سجّلت معدل الوفيات الأعلى المُبلغ عنها في العالم جراء كوفيد19. وضع فرض تحديا كبيرا على الرئيس كاستيو الذي حصل حزبه 37 مقعدا من أصل 130 إجمالي مقاعد الكونغرس، بينما حصد حزب منافسته مرشحة اليمين الشعبوي كيكو فوجيموري، على 24 مقعدا.
حصل أول تحول في مواقف فريق رئيس البيرو عندما أكّد بيدرو فرانك، الذي عينه الرئيس كبير المستشارين وهو الخبير السابق في البنك الدولي، في مقابلة مع وكالة فرانس برس، قال فرانك: "لن نصادر، ولن نؤمم ولن نفرض أي ضوابط عامة على الأسعار (..) لن نفرض قيوداً على عمليات الصرف تحول دون بيع أو شراء الدولارات أو إخراجها من البلاد". قول الخبير الاقتصادي هذا يتعارض مع ما بشر به الرئيس عن الرخاء الاقتصادي والاجتماعي الذي سيسعى له في حال انتخابه، وحتى بعد انتخابه قال كلاما يشبه عناوين حملته، ذلك أن جائحة كورونا تسببت في فقدان ملايين الوظائف وقادت البلاد إلى تراجع في الناتج المحلي الإجمالي بمعدلات متفاوتة حسب التقديرات، تراوحت بين 11 بالمئة و31 بالمئة. إضافة لما قاله الخبير الاقتصادي فرانك، فقد سبق للرئيس أن أكد على وقوفه في منتصف الطريق، قال أمام مناصريه: "لسنا شيوعيين ولم يأتِ أحد لزعزعة استقرار هذه البلاد". وحين كان مترشحا للرئاسة، طالب بطرد اللاجئين الفنزويليين الذين اكتووا بنيران الحصار الأمريكي على بلادهم، وحمّلهم مسؤولية تزايد الجريمة والفقر في البيرو. لكن شعب البيرو يأمل من الرئيس الجديد وضع حد للفساد المستشري الذي يضرب أطنابه في مفاصل الاقتصاد وينعكس سلبا على الناس.
انتصار "اليسار" في البيرو هو جزء من الانتصارات التي حققها "اليسار الجديد" في أمريكا اللاتينية في العقد الثاني من الألفية الثالثة، كما حصل في المكسيك والأرجنتين في 2018 وفي بوليفيا 2020 وهندوراس وتشيلي عام 2021 وكولومبيا العام الجاري، بينما تتجه الأنظار إلى احتمالات فوز اليسار في البرازيل، أكبر بلدان أمريكا اللاتينية، حيث يحصد دي سيلفا الرئيس اليساري الأسبق نقاطا مهمة في استطلاعات الرأي، ويُحضّر لخوض الانتخابات الرئاسية في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.
ربما يختلف هذا "اليسار" عن اليسار المعروف في كوبا وفنزويلا، فهو لا يتماشى مع اليسار في هذين البلدين.. ونيكاراغوا بزعامة أورتيغا. تصف الدول الغربية الدول الثلاث بأنها دول مستبدة وديكتاتورية، لكنها لا تتردد عن دعم الزعماء اللاتينيين الذين أغرقوا بلدانهم في فساد كارثي معتم انكشف أكثر في البرازيل والبيرو مع تفشي جائحة كورونا. ففي دولة مثل البيرو خضع ويخضع سبعة من أصل عشرة من رؤسائها للتحقيق بتهم الفساد، منهم من صدرت بحقه أحكاما قضائية، كما هو الحال مع البرتو فوجيموري الذي حكم بـ25 سنة بتهم الفساد وإصدار أوامر بالتعذيب وقتل المعارضين خارج القانون، بينما قضت ابنته كيكو فوجيموري، التي نافست الرئيس 16 شهرا في السجن بتهمة الفساد وتلقي أموالا من شركة برازيلية عملاقة، لدعم حملتها للانتخابات الرئاسية في 2011 و2016. بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية، طلبت النيابة البيروفية حبس كيكو فوجيموري 30 عاما. فوجيموري الأب وابنته مدعومين من الدول الغربية، التي كانت تقف مع الاثنين ضد اليساري كاستيو المعلم الفقير الذي قاد إضرابا للمعلمين في 2017 واشتهر على إثرها، ورفع شعارات مهمة لمواجهة أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية متأصلة، حيث يضاف 3 ملايين فقيرا كل عام، وتفيد المعلومات أن أكثر من 70 بالمئة من البيروفيين يعملون في وظائف غير رسمية تتطلب عملا يوميا، وأن نحو 50 بالمئة من الأُسر لا يملكون ثلاجات، كنتيجة محتملة للسياسة النيوليبرالية التي سارت عليها البلاد منذ تسعينيات القرن الماضي، والتي تم فيها تسليع الخدمات الرئيسية مثل: التعليم والصحة والإسكان وغيرها من الخدمات الضرورية.
وبالنسبة للانتخابات الرئاسية، فإن الفوز بفارق ضئيل لبيدرو كاستيو بنسبة 50.13 بالمئة في الجولة الثانية على منافسته كيكو فوجيموري، لا يساعد على الاستقرار، بل ربما يضع السلطة التنفيذية تحت رحمة سلطة تشريعية تعاني من انقسام حاد.
طريقة تفكير "اليسار" الجديد في البيرو ليس استثناء للقاعدة، بل هو تأكيد لها، وربما تتأكد تقديرات صحيفة ليبراسيون الفرنسية ذات الميول اليسارية التي ترى في زعماء يسار أمريكا اللاتينية أنهم "يجسّدون جيلا جديدا وتطلّعات جديدة في تناغم كامل مع الواقع في عالم اليوم". والواقع يضغط أكثر للخروج من الحالة المتردية التي تعانيها هذه الدول من الفقر والبطالة والفساد المستشري والتفرد بالسلطة والدعم الأمريكي اللامحدود لزعماء فاسدين في دول تعتبرها واشنطن حدائقها الخلفية وضمن حزام أمنها القومي. هذا يحتاج إلى رؤية جديدة للخروج من الطوق الأمريكي بعد انجاز التعافي الاقتصادي والاجتماعي، ودون ذلك تصبح العملية دوران في دائرة الأزمات. يؤكد ذلك الرئيس الكولومبي اليساري غوستافو بيترو في خطاباته التي يشدد فيها على أنه لن يتمكن من تغيير الواقع الطبقي المعشعش منذ قرون، داعيا الجماعات المسلحة، الذي كان واحدا منها، إلى التخلي عن السلاح والمشاركة في عملية السلام. وفي حفل تنصيبه لم يدعو الرئيس بيترو زعماء كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا، إنما دعا زعماء إسبانيا وآخرين من دول أمريكا اللاتينية، فهو لا يرى أولوية في مواجهة "الإمبريالية الأمريكية" على الطريقة الكوبية، بل أن الأولويات مختلفة لديه، يتقدمها مسألة القضاء على تجارة المخدرات باعتبارها هّم رئيس عند الرئيس القادم من اليسار الثوري، الذي يرى أولوية أيضا لحماية منطقة الأمازون، رئة الأرض، التي تمتص الغازات المتسببة في الاحتباس الحراري.
في الوقت الحاضر، تتجه الأنظار للبرازيل، التي يتهيأ رئيسها الأسبق لولا دا سيلفا لمنازلة من نوع آخر مع الرئيس الشعبوي الحالي جايير بولسونارو . رفع دا سيلفا في حملته الانتخابية التي تنتظم في أكتوبر المقبل شعار "إعادة بناء" ويتقدم في استطلاعات الرأي على منافسه الرئيس الحالي بنحو 15 نقطة. يطالب جمهور دا سيلفا ومناصريه إعادة التنمية التي تراجعت بعد مغادرته السلطة في 2010 بمنجزات اقتصادية ومعيشية انتشلت أكثر من 30 مليون برازيلي من الفقر، لكن هذا الإنجاز الذي تعزز بالتعليم والحد من التفاوتات الطبقية، قد تم تدميره وتفكيكه على يد الزعماء اليمينيين المدعومين من الإدارات الامريكية المتعاقبة.
بين المكسيك التي لم يتردد رئيسها اليساري أندريس مانويل أوبرادور من تنظيم استفتاء غير مسبوق على شعبيته، وتحويله القصر الرئاسي إلى مزار سياحي بعد رفضه السكن فيه، وبين اليساري البرازيلي دا سيلفا الذي يتهيأ لدخول المنافسة الرئاسية، ثمة يسار يتشكل في أمريكا اللاتينية، ليس كاليسار الكوبي أو اليسار الفنزويلي، إنما هو يسار جديد يتكأ على البراغماتية والواقعية السياسية المحكومة بقواعد إقليمية ودولية، وبالقدر ذاته ربما تتحكم فيها قواعد الفقر والبطالة والفساد المستشري، هذا اليسار لم تتشكل ملامحه الواضحة بعد. لكن، هل كان هذا اليسار مقطوعا عن نضالات تشي جيفارا ورفاقه في بلدان أمريكا اللاتينية؟
عندما زاره والده في هافانا عقب انتصار الثورة الكوبية، سأله عن مشاريعه القادمة، قال جيفارا:
"أنا نفسي لا أعرف في أي أرض سوف أترك ورائي عظامي". لقد تركها في جبال بوليفيا لعقود من الزمن، لتعود مطمئنة منتصرة إلى كوبا.

