Menu

روسيا: أي تحدّيات؟

د. طنوس شلهوب

نشر هذا المقال في العدد 41 من مجلة الهدف الإلكترونية

المواجهةُ التي تخوضها روسيا في أوكرانيا يمكنُ وصفُها من دون مبالغةٍ بأنّها حربٌ "عالميّة"، بالرغم من أنّ مواصفات الحروب العالميّة (الأولى والثانية) لا تنطبق عليها لناحية الامتداد الجغرافيّ وعدد الجيوش المتورّطة مباشرةً في القتال، إلا أنّ نتائجها سيكون لها تداعيّات على كلّ العلاقات الدوليّة وعلى صورة العالم، تمامًا، كما تغيّر العالم بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. لقد بيّن منظرو الاشتراكيّة أنّ الحروب هي أحد الأشكال التي تلجأ إليها الرأسماليّة من أجل حلّ تناقضاتها، وهذا ما أكّدته وقائع الحياة، وفي سياق الحرب العالميّة الأولى نضجت ظروف الثورات الاشتراكيّة في عددٍ من البلدان الأوروبيّة، إلّا أنّ هذه الثورات لم تنجح إلا في روسيا، التي اعتبرها لينين الحلقة الأضعف في النظام الرأسمالي العالمي، وبنتيجة انتصار الاتّحاد السوفياتي على ألمانيا النازيّة في الحرب العالميّة الثانية، تشكّل المعسكر الاشتراكي، وتداعى النظام الكولونيالي وسادت في العالم الثنائيّة القطبيّة.

إنّ الانقلابَ على المشروع الاشتراكي في الاتّحاد السوفياتي من قبل النخب الحزبيّة والحكوميّة في التسعينات، بدل جذريًّا، ليس فقط من الواقع السوفياتي والأوروبي، إنّما تعدّاه إلى كلّ أصقاع الكرة الأرضيّة. لقد فُكّكت منظومة البلدان الاشتراكيّة، وتلا ذلك تفكيك الاتحاد إلى جمهوريات، ترأسها المسؤولون الحزبيون الكبار، الذين تحولوا من شيوعيين إلى "ديمقراطيين"، أي إلى رأسماليين من خلال الاستحواذ على الثروات التي راكمتها الأجيال السوفياتية المتعاقبة على امتداد سبعين عامًا. وخلال فترةٍ زمنيّةٍ قياسيّةٍ تشكّلت طبقةٌ رأسماليّةٌ تعاونت مع الثالوث الإمبرياليّ وتولّت تدمير الصناعة والزراعة المحليتين وتحوّلت إلى شريكٍ للشركات العابرة للقارات في نهب الثروات الطبيعية الهائلة، وفي تحويل الأموال إلى الخارج واستثمارها في العقارات والمصارف والشركات الغربيّة، وتشكّلت طبقة من الأوليغارشيين الذين صاروا مضربَ مثَلٍ عن نمط الحياة الفاحشة الذي يعيشونه. وفي ظلّ هذا النمط الرأسمالي الكومبرادوري تفاقمت المشاكل الاجتماعية التي لم يعرفها الناس من قبل، وانتشرت الجريمة والمخدرات والدعارة، وفرغت القرى الريفية من سكانها، وتراجعت خدمات الضمانات الاجتماعية من سكن وتعليم وعمل وصحة، وتولى إدارة الاقتصاد مجموعة من المعادين للاشتراكية والمبهورين بالرأسمالية، وشهدت البلاد أكبر عملية غسل دماغ إعلامي شاركت فيها أجهزة الاستخبارات الغربية التي تغلغلت عبر النخب الثقافية المنبهرة بالرأسمالية، والمروجة لجنتها الموعودة تحت يافطة حرية الرأي وحقوق الإنسان، وشهدت فترة ما بعد التسعينات أكبر عملية تشويه وإساءة للتجربة الاشتراكية.

إن الخطأ المميت الذي ارتكبه غورباتشوف ومجموعته الاقتصادية تمثل بتخلي الدولة عن احتكار التجارة الخارجية، أي عن أحد الركائز الأساسية في المشروع الاشتراكي، والذي منع الرأسمال الخارجي من نهب البلاد، وأتاح الفرصة لمركزة الاقتصاد وإدارة الموارد بما يخدم الاحتياجات الداخلية للتنمية والبناء الاشتراكي، وهذا ما ساعد في المرحلة الستالينية على بناء أكبر قاعدة صناعية في التاريخ في فترة زمنية قياسية لم تتعدى العقدين، في حين احتاجت الرأسمالية لأكثر من مئتي عام لبناء قاعدة مشابهة. وأدى هذا القرار في ظروف ترابط مراكز الإنتاج الاشتراكي داخل الاتحاد السوفياتي فيما بينها، إلى انهيار كل مفاصل الإنتاج، ومع تشريع الخصخصة، بيعت المعامل والمناجم وما تحتويه من تكنولوجيا ومعدات وآلات بأسعار هزيلة مقارنة بقيمتها الحقيقية. وتشير بعض التقديرات إلى أن هذه القاعدة الاقتصادية والتكنولوجية الهائلة قد بيعت في سوق النخاسة، بما لا يتجاوز العشرة مليارات دولار، في حين أن قيمتها الفعلية حسب أسعار تلك الفترة تقارب الألف مليار دولار.

واستلم بوتين السلطة برضى يلتسين على قاعدة عدم اعتراضه على فريق يلتسين الاقتصادي، أي الفريق الأساسي الذي باع البلاد، والذي تولى وبالتنسيق مع المؤسسات المالية والاقتصادية الغربية إعداد الكادر الجديد والذي أنيطت به مهمة الإدارة المالية والاقتصادية للبلاد وفق النظريات والمبادئ الرأسمالية النيوليبرالية. وفي الوقت الذي اعتبرت فيه بلدان الثالوث الإمبريالي نفسها منتصرة كان حلفاؤهم الروس في السلطة يروجون لأوهام تقاسم المصالح مع الغرب، حتى وصل الأمر بمسؤول المخابرات السوفياتية (ك.ج.ب.) إعطاء الأميركيين مخطط توزيع أجهزة التنصت على مبنى السفارة الجديد في موسكو ليتم تعطيلها وإزالتها.

فلاديمير بوتين، الآتي إلى السلطة من جهاز الاستخبارات، قال مرة إن من لا يأسف على الاتحاد السوفياتي يكون من دون قلب، ومن يعتقد أن الاتحاد السوفياتي سيعود يكون من دون عقل. وفي هذه الجملة تنعكس رؤيته لموقع روسيا ودورها كوريث لدولة عظمى، تم تحقيرها وهي التي كانت رائدة في العديد من المجالات، وهنا يبرز التزاوج في رؤية بوتين لروسيا كدولة رأسمالية قوية وموحدة وفاعلة على الصعيد الدولي، وهذا ما لم يقبل به الثالوث الإمبريالي الطامح، ليس فقط لنهب الثروات الهائلة داخل روسيا، إنما لإبقائها دولة هامشية ملحقة بالاقتصاد العالمي يتم نهب ثرواتها وجني الأرباح عبر تسويق التكنولوجيا الغربية، هذا الدور لم يكن لينجح الغرب في فرضه من دون سلطة النيوليبرال داخل روسيا.

إن روسيا اليوم مثلاً، غير قادرة على إنتاج الطائرات المدنية، وهي التي كانت دولة رائدة في هذا المجال. مع تشكل السلطة الجديدة التي كانت تروج لمساوئ الإنتاج الاشتراكي السوفياتي، اتخذ قرار إجرامي بتدمير الأسطول الجوي المدني السوفياتي التابع لشركة ايروفلوت الحكومية، المؤلف من أكثر من ألف طائرة، بذريعة الأداء متدني الكفاءة لمحركات هذه الطائرات مقارنة مع طائرات البوينغ والإيرباص، بالرغم من أن العمر التقني لهذا الأسطول لم يكن تعدى الخمسين بالمئة من موارده، وتم شراء ماكينة ضخمة من الولايات المتحدة الأميركية، تولت تدمير هذا الأسطول وتحويله إلى خردة بيعت في أسواق النخاسة. هكذا ازدهرت أحوال البرجوازية الروسية الكومبرادورية على حساب تدمير أسس الاقتصاد الصناعي، وبناء أي صناعة ليس أمراً بسيطاً وسهلاً، وهذا يتطلب الموارد المادية والكفاءات البشرية، والتي تتراكم خبراتها مع الزمن، ولإنتاج الطائرات مثلاً، كما أي منتج صناعي آخر، يتوجب توفر البنية التحتية والآلات والمعدات والتكنولوجيا، والأهم الخبرات البشرية. ومع تفكيك أي قطاع صناعي، فإن الخسارة لا تكون فقط آنية ومرتبطة بالآلات والتكنولوجيا، إنما الأخطر هو فقدان العنصر البشري المؤهل والذي تشكل على امتداد أجيال، عبر مراكمة الخبرات ونقلها من جيل المخضرمين إلى الشباب الوافدين إلى القطاع.

إن الوهم الذي كان عند بوتين حول قبول الغرب لروسيا كشريك على مستوى الند في النظام الرأسمالي العالمي، بدأ بالتدريج يتلاشى مع بداية القرن الحالي، وهذا ما دفعه للعمل، ليس فقط على منع تفكيك روسيا إلى دويلات متصارعة (الشيشان)، إنما لتقوية القدرات التسليحية للجيش، بما يؤهله مواجهة أي تهديد خارجي، خصوصاً بعد التشدد الأميركي في قضايا التسلح النووي، في وقت كانت قيادة غورباتشوف قد تخلت طوعاً عن منظومات تسلح نووي متوسطة وبعيدة المدى وقامت بتفكيكها من دون أي خطوة مقابلة من الأميركيين.

ولم يطل الأمر طويلاً لتجد القيادة الروسية نفسها أمام وقائع استراتيجية خطيرة عندما حاولت جورجيا في العام 2008، المدعومة من الأميركيين والغرب وإسرائيل، انتزاع مناطق روسية جنوبية في ظل كلام عن نيتها الدخول إلى الناتو، وجاءت هذه الأحداث لترسخ وجهة نظر بوتين (الذي تداول السلطة مع مدفيديف - الممثل الأكثر وضوحاً للنيوليبرال الروس)، بأن الخطة الأميركية لن تتوقف عند محاصرة روسيا، إنما تتعدى ذلك عبر العمل لتفتيتها من الداخل بواسطة  تحالف النيوليبرال مع النخب الثقافية والإعلامية والعمل لتنفيذ انقلاب بصيغة الثورات الملونة، يطيح بموقع التيارات الوطنية الروسية في السلطة والتي تعبر جزئياً عن مصالح الجيش والصناعة العسكرية.

إن معركة روسيا اليوم في أوكرانيا هي ليست معركة الروس ضد الأوكران، كما يصور الإعلام المعادي لروسيا، بل هي معركة وجود بالنسبة لروسيا، ليس كجغرافيا، إنما كدور، وانتصارها هو حاجة دولية في عملية تشكل عالم متعدد القطبية، بالرغم من أن روسيا هي ليست الاتحاد السوفياتي ولا تمثل نموذجاً بديلاً عن الرأسمالية. وفي هذه المعركة تواجه روسيا سلسلة من التحديات، منها:

  • ما هو المشروع الأيديولوجي الذي تحمله السلطة الروسية، إذ لا يكفي الاستعانة بتجربة الحرب الوطنية العظمى التي انتصر فيها السوفيات على النازية لمواجهة النازية الجديدة في أوكرانيا. آنذاك قاتل السوفيات النازية، ليس فقط دفاعا عن روسيا الوطن (وهذه مسألة مهمة بالنسبة للروس)، إنما أيضا دفاعاً عن الاشتراكية، بصفتها إنجازاً وطنياً يستحق أن يموت الناس دفاعا عنه. وهنا، يمكن تفهم التخوف عند بعض الأوساط الاشتراكية الروسية من أن توظف تضحيات الجيش الروسي اليوم لخدمة الخيارات الاقتصادية النيوليبرالية ذاتها، التي أفقرت الناس وأذلتهم في وطنهم.
  • هل يمكن لروسيا أن تنتصر في هذه الحرب "العالمية"، والتي يخطط الأميركيون لإطالة أمدها والعمل على رفع وتيرة توترها باضطراد، من دون إدخال تعديلات على السياسات الاقتصادية والمالية، ومن دون استعادة الدولة للموارد الطبيعية الهائلة (التأميم) واحتكارها للتجارة الخارجية (على الأقل للمواد الاستراتيجية) وبما يضمن توجيه الاستثمارات لبناء صناعات وطنية تعيد للاقتصاد الروسي استقلاله وتفك تبعيته بالثالوث الإمبريالي؟