Menu

فوضى إسرائيلَ التي لن تنتهيَ ودلالاتُها...!

أكرم عطا الله

نشر هذا المقال في العدد 41 من مجلة الهدف الإلكترونية

    عادت الفوضى تضربُ في نتائج الاستطلاعات في إسرائيلَ لتتباعدَ أكثرَ فرصُ الاستقرارِ الحكومي، بعد أن تمكّنت أحزابُ يمينٍ ويسارٍ من استيلاد حكومة مشوّهة، لم تستمرَّ أكثرَ من عامٍ لتسقطَ بفعل العوامل الذاتيّة وطبيعة الولادة، بعد أربعِ جولاتٍ انتخابيّةٍ حاولت فيها تركيبَ حكومةٍ مستقرّةٍ خلال ثلاث سنوات، ثلاثٌ منها ترأّسها زعيم الليكود بنيامين نتنياهو، معتمدًا على أقلّيّةٍ يمينيّة، وواحدةٌ هي الأخيرةُ ترأّسها زعيمُ حزب يمينا الإسرائيليّ الصغير نفتالي بينيت، محدثًا سابقةً في النظام السياسيّ لتسقطَ أسرعَ من غيرها.     
       التحوّلاتُ في السياسةِ في إسرائيلَ دائمةٌ وسريعةٌ واستطلاعات الرأي تعكس أرقامًا عادةً ما تقترب من الواقع وتعتمدها دوائر السياسة في العالم، لقراءة اللحظة في تل أبيب التي تمكّنت قبل أكثر من عام وبمساعدة الولايات المتّحدة وآخرين في الإقليم، من إقناع جميع الكتل غير المؤيّدة لنتنياهو من الاصطفاف رغمَ كلّ تناقضاتها الهائلة لكنّها لم تستمرّ.      
      ما زالت نفسُ العواصم وأهمّها واشنطن تدفع تجاهَ عدم تمكين نتنياهو من العودة مرّةً أخرى، فالديمقراطيّون لديهم إرثٌ من العداء معه منذ أن تلاعب أثناء ولاية أوباما إلى الدرجة التي ذهب فيها إلى عقر دارهم في الكونجرس، ليحرّض على الرئيس، وكان نائبه آنذاك الرئيس الحالي هو جو بايدن الذي تجنّد وجنّد بعد الانتخابات السابقة ويتجنّد الآن قبل الانتخابات اللاحقة لمنع نتنياهو.  
      بكلّ الظروف، فإنّ مأزق النظام السياسي في إسرائيل هو مأزقٌ داخليٌّ أوّلًا، تكثّفت معالمه في السنوات الثلاث ونصف الأخيرة، ولم تكن للتدخّلات الخارجيّة كثيرٌ من التأثير في الإطار العام، وإن كانت الحربُ على مقعدٍ أو مقعدين، ربّما أدّت هذه التدخّلات تأثيرًا فيها، وهي مهمّةٌ في ظلّ الصراع الدائر بين الأحزاب السياسيّة الذاهبة للكنيست، والجديد فيها دخول قائد الجيش السابق رئيس الأركان غادي إيزنكوت للحلبة السياسيّة منتصف هذا الشهر إلى جانب رئيسه السابق بني غانتس الذي يتحالف في الانتخابات القادمة مع جدعون ساعر المنشقّ والمنافس الليكوديّ السابق لنتنياهو.     
      كان هناك ظنٌّ لدى المراقبين بأنّ شخصيّةً مثل إيزنكوت ستغيّر كثيرًا في المعادلة لصالح الكتل المناوئة لنتنياهو، لكنّ انضمامه، وإن تمكّن من رفع مقاعد تحالف غانتس ساعر، لكنّه لم يُحدث تغييرًا في معادلة الكتلة التي بقيت تقريبًا كما هي وما زالت كلتا الكتلتين، تجدان صعوبةً في تشكيل حكومةٍ وإن بدا تحالف لابيد، يجد صعوبةً أكثر لم يسعفه فيها الحرب على الجهاد الإسلاميّ وغزّة ولا انضمام إيزنكوت، حيث بقيت الكتلتان تراوحان عند الحدود نفسها، وليس هناك توقّعٌ بأنّ تتغيّر الأرقام وصولًا للانتخابات، بل إنّها تؤشّرُ لاستمرار المأزق الذي دخلته إسرائيل منذ حلّ حكومة نهايات 2018. إنّ السبب في ذلك الاستعصاء الذي دخلته إسرائيل هو الفرزُ الواضحُ الذي أصبح جزءًا من الأزمة في النظام السياسي، حيث تغيب البرامج السياسيّة وغيرها وأبرزها غياب النقاش العام حول التسوية مع الفلسطينيّين، إذ يكاد يكون هناك إجماعٌ على ذلك، باستثناء حزبٍ صغيرٍ مثل ميرتس " مهدد بعدم تجاوز نسبة الحسم" وإجماع آخر على الملف الإيراني، ولم يعد هناك سوى خلافٍ واحدٍ قسم السياسة في إسرائيل إلى نصفين من مع نتنياهو ومن ضده، بين كتلتين واحدة يمينية بحتة يرأسها حزب الليكود والأخرى خليط من اليسار والوسط والقومية وجزء من العرب مثلّهم منصور عباس، وتلك الكتلة بلا رأس، لكنّها تتكتّل ضدّ نتنياهو وهي مدعومةٌ أميركيًّا وعربيًّا أيضًا، حيث الولايات المتّحدة تقومُ برسم الخارطة ويعمل الآخرون وفقًا لتلك الأجندة.       
     التغيّراتُ التي تحدثُ للأحزاب وهي قليلة، التي تظهرها نتائج استطلاعات الرأي تؤثّر على الأحزاب، لكنّها لا تؤثّرُ على الكتلة، وهنا الثبات في الاستعصاء، بمعنى أنّ انضمام إيزنكوت لحزب غينتس، سيجعله يأخذ من الكتلة المناوئة لنتنياهو، أي من الكتلة نفسها، واختفاء حزب إيليت شاكيد اليميني يصب في أصوات كتلة نتنياهو وصعود الصهيونيّة الدينيّة، تأخذ من الليكود واليمين. وهكذا، بحيث تبقى الكتل تقف عند حدود 60 مقعدًا أو أقلّ بمقعدٍ واحدٍ لدى نتنياهو، وبالمقابل كتلة منع نتنياهو تقف عند 60 أو أكثر بمقعدٍ بما فيها القائمة المشتركة برئاسة أيمن عودة، وهي كتلةٌ مانعةٌ بالنسبة لزعيم الليكود، لكنّها ليست داعمةً للتكتل المنافس.      
       إنّ أزمة إسرائيل ينبغي قراءتها وفحصها بإمعانٍ أكثر، حيث أكثر من ثلاث سنوات تفشل أحزابها من تحقيق استقرارٍ سياسيّ، صحيحٌ أنّ عنوانها بنيامين نتنياهو، لكن الاصطفافات خلال السنوات الماضية كانت بسبب انتشار الكراهية بين مكوّنات القوى السياسيّة، التي تعكس ازدياد منسوب الكراهية لدى المجتمع الإسرائيليّ، حيث "يتحدّث بن عفير عن سنّ قانون الترانسفير متعهّدًا أنّه سيبدأ باليهوديّ عضو ميرتس عوفر كسيف"، أي أنّ الأمرَ لم يعد فقط مقتصرًا على العرب، بل وصل بين اليهود أنفسهم ونتذكّر أنّ بداية دخول إسرائيل هذا الاضطراب السياسي، كان بسبب أزمةٍ بين مكوّنات الائتلاف عامَ 2019، بين ليبرمان العلمانيّ وحزبيّ يهودت هتوراة وشاس وقوانين التجنيد. وقد تعكس الأزمة بعض الاستنتاجات التي ربّما نحتاجُ إلى قراءةٍ أكثرَ عمقًا وهي:
- تحوّل إسرائيل ومجتمعها وانعكاساته السياسيّة إلى مجتمعٍ إقصائيٍّ ورفضويّ، يسدل الستار على عهد الوحدة بين مكوّناته.       
- زعامة نتنياهو لليكود وللكتلة القوميّة الدينيّة، التي حرمت من فرصة تشكيل الحكومة لحزبٍ كان الأكبر في الانتخابات الماضية، لم تستوقف قادة حزب الليكود ليتحوّلَ الحزب والكتلة الداعمة إلى ما يشبه عبادة الفرد في دول العالم الثالث، إذ يشكّل بنيامين نتنياهو حالة دكتاتوريّة عملت على شطب منافسيها حتى داخل الحزب نفسه.
- زيادة وحضور التيّارات الدينيّة والقوى المتطرّفة داخل إسرائيل التي تقدّم المشروع الدينيّ على قضايا القانون والشفافيّة في الدولة، حيث التمسّك بزعيمٍ فاسد، وكانت تلك تهمةً كفيلةً بالقضاء على المستقبل السياسيّ لأي زعيمٍ قبلها، لكن تلك الكتلة تتنازل عن منظومةٍ كانت جزءًا من قوّة القانون وتماسك الدولة.   
      تلك ملاحظاتٌ عابرةٌ تعكسها حجم الجدل الدائر في إسرائيل وما أفرزته أزمة السنوات الماضية والمرشّحة للاستمرار، صحيحٌ أنّ نتائجها ليست كبيرةً، لكنّها مؤشّرٌ على مسارٍ تذهبُ إليه إسرائيل بقدمها بلا شكّ.