أوّلُ ما يُوجبُ بخصوص بحثنا في إمكانيّة فَهم الحال القائمة؛ هو إعادةُ تقييم المفاهيم الاعتياديّة الأوليّة الخاصة بالقضيّة الفلسطينيّة وصياغتها، وهو ما يفتح أبوابَ أسئلةٍ تبدو صعبةً من حيث صياغتها، لكنّها واضحةٌ تمامًا إنْ نحن نظرنا بهدوءٍ وعدم تحيّزٍ في عناوين وتفاصيل ووقائع التاريخ والتجربة، كما أنه يجب الانتباه إلى نقطةٍ مهمّةٍ جدًّا، وهي أنّ القضيّة الفلسطينيّة وعلى الرغم من مدلولاتها الإنسانيّة والأمميّة والأخلاقيّة إلّا أنّها لا تشبه أيّةَ قضيّةٍ سياسيّةٍ أخرى، ومن ثَمَّ فمن الطبيعي ألاَّ تتلاقى مع أية منظومةٍ فكريّةٍ أو دينيّةٍ أو سياسيّةٍ إلا في هوامشها، لا في كُلِّيتها أو جَوهريَّتها.
إنّ أخطرَ ما في قراءة القضيّة الفلسطينيّة ليس تَحديد أحداثِها ومفاعيلِ موازينِ القوى أو التحالفات، بل يكمُن ذلك بدايةً في ماهيَّة القضية ذاتها- أصولِها لا يومياتِها، وهنا يمكن القول بأن الهزيمة بحدِّ ذاتها لم تأتِ قادمةً من الفراغ، بل وجدت مكمنها الأساسي في عمق التكْوينة الثقافية والدينية والاجتماعية والاقتصادية في مجتمعات المنطقة، وبناءً على هذا بدا التخلُّصُ من العثماني في حقيقته سَيْراً نحو استبدالِ احتلالٍ ذي مقولة دينية باحتلالٍ استعماري رأسمالي عنوان وجوده بريطاني وفرنسي، وجوهره عالمي وإمبريالي...
صحيح أن الفلسطينيين والعرب طرحوا ما يكفي حولَ فلسطين، لكن التقييم كان ينطلق من مربع واحد منفصلاً عن المربعات الأخرى، فهذا يراها قومياً وذاك إسلامياً وآخر تاريخياً وذاك إيديولوجياً..، بمعنى لم يكن هناك بحثٌ جدَّي وشجاع في ماهية أصل ومعنى القضية وبالتالي مستقبل فلسطين، هذا المستقبل الذي لا يمكن رؤيته بمعزل عن التاريخ والواقع طبعاً، لكن الأهم، وهو ما يتناساه الفلسطينيون، اليوم المتمثل بالانطلاق من نقطة إعادة تعريف فلسطين ذاتها.
أسئلةٌ كثيرة تَحُومُ حول الخوض في التعريف، سؤال العروبة، سؤال الإسلام، المسيحية، سؤال التاريخ، الثقافة، الحضارة الأصل، الموضع الإنساني، الواقع الجغرافي والاقتصادي والسياحي والروحاني وهكذا.
إن فهم فلسطين لا يمكن تحقيقه من خلال اجتزاء المعنى ذاته، كأن نقول بأن فلسطين أرض عربية أو إسلامية أو مسيحية أو ملتقى للجميع أو منفصلة عما حولها، وضَعْ ما شئتَ هنا من تحديدات وأُسُس...، كما أن إدراك وفهم حقيقة هذا البلد الصغيرِ الأرض كبيرِ المعنى لا يمكن إلا من خلال كل ذلك في آن معاً، وهو ما يتطلبه الخوض في نقطة البدء التاريخي ذاتها مروراً بما جرى خلال آلاف السنين، وصدى ومِحوريَّة ذلك عالمياً.
هذا لا يُشير ُلفكرةِ التدويل، فهي أصلاً فكرة استعمارية غربية ومعادية للواقع قبل التاريخ، والهدف منها كان وما زال تحقيق الهيمنة الصهيونية، عبر طرق التفافية سِيَّما فيما يخص الأماكن المقدسة للديانتين المسيحية والإسلامية.
يمكن ملاحظة أن فلسطين بِحدِّ ذاتها وقبل أن تكون مُعرَّفةً بوصفها بلداً مَوئلاً ثقافياً ودينياً، نَستَبْين بأن حضورها الطاغي على مسرح التاريخ كان مُنطلِقاً من سِياقها التاريخي، وليس من الصبغة الدينية أو السياحية وحدهما، كما ليست الثروة من يصنع أهميتها، ولا الاقتصاد سواءً نما أم خبا، ولا جمال الطبيعة، فهي بالضبط تُمثِّلُ نقطة التلاقي بين الثقافات والحضارات، وهي النقطة التي كانت عبر التاريخ ذات خصوصية إنسانية اجتماعية قبل عناوينها السياسية أو الدينية، فكانت بذلك موطناً للإنسانية كلها، وكمثل تقريبي فإن شواهد تعدد أوابد وأبنية كل كنائس العالم في عاصمتها لا يعني مَسيحيَّتَها، وفي الوقت عينه تبرز خطورة أسلمة القضية، أو البحث في وجود اليهود أو عدمه، أو الارتكاز إلى الخُرافات والأساطير التلمودية والتوراتية وكتب الشعوذة...
أولُ خطأ ارتكبه الفلسطينيون والعرب هو اعتبار قضية فلسطين قضية سياسية، ثم وبفعل فاعل صارت قضية إسلامية، واليوم تحاول القوى المهيمنة الداعمة للكيان فرض فكرة تحول القضية إلى اقتصادية ومعيشية يومية!
ما يجبُ إدراكُه هو أن القضية الفلسطينية قضيةٌ أخلاقية إنسانية وقانونية وثقافية أولاً، قبل أن تكون سياسيةً تُمثِّلُ نزاعاً بين طرفين.
من نقطة الإدراك هذه يمكن توسيع حدقة الرؤيا مجدداً، أي إعادة فهم معنى وفحوى فلسطين، هنا يمكن إدراك السؤال الخطير: لماذا تم استهداف هذا البلد الصغير؟
حينها فقط سيكون هناك فهم جديد لما جرى، وإدراك عميق لما يجري، مما يُنتج بالتالي تخطيطاً لما هو قادم، فإذا كانت الرموز الوطنية والمفكرون والمثقفون والأحزاب والفصائل والمنظمة كلها تعترف بالخطيئة- خطيئة الرؤية فما هو المانع من الاعتراف بالفشل، الذي سيفضي إلى استقراء الحال القائمة، وإن أول ما يُستوجَب استقراؤه وحسمه هو إعادة تعريف فلسطين، وهو ما سيُفضي إلى تحديد الهوية المتماسكة فعلياً وتلقائياً على أرض الواقع.
ينبغي القول بشجاعة أن التركيبة الثورية للقوى الفلسطينية المناضلة قد انهارت أمام تقدم التاريخ على مفرداتها وأدواتها، وكذا الأمر بالنسبة للنضال السياسي الذي تحاول قيادة المنظمة سدَّ ثغرته باعتراف هيئة هنا ومنظمة هناك- لا يعني ذلك عدم أهمية ذلك بقدر عدم كفايته- والفصائل تقدم الشهيد تلو الآخر ويعاني المناضلون من الأسر والتنكيل والملاحقات، كل ذلك سيبقى بلا ثمرات حتى ندرك أن تحقيق انتصار حقيقي ما، لا يمكن مروره إلا من بوابة واحدة، وهذه البوابة هي خَلْقُ استراتيجية حضارية شاملة تُلِمُّ وتناقش قضايانا بمعزل عن لغة الخطاب التي أودت بنا إلى دَرْكِ مستنقع السطحية والتَّكلُّس؛ ذلك يتطلب خطوات عملية:
أولاً: تأسيس هيئة أو مجلس نخبة فكرية ثقافية واقتصادية وسياسية وعسكرية، يُعنى بتقييم الواقع وفهم المجتمعي والاقتصادي والثقافي والسياسي، وتحليل الواقع القائم ودَفْعِ القادم، مما يشترط الكفَّ عن تكرار الشعارات ومنجزاتنا الفصائلية.
ثانياً: الاستقلالية في النظرة والجهد بمعزل عن أية أيديولوجيا أو أية تحالفات إقليمية سواء علمانية أو دينية أو حتى قومية، وهذا لا يطال مفردات ومرتكزات الاستقراء والتحليل.
ثالثاً: فتح حوار واسع شامل بين مكونات المجتمع الفلسطيني، ودراسة وإدراك الواقع المكاني المختلِف للتجمعات، سواء لاعتبارات التوجه أو الجغرافيا، فلا يمكننا مثلا تطبيق رغبة أو خطة ما على مختلف مناطق فلسطين أو تجمعات الشتات، فإن ما يبدو ممكناً في غزة مثلاً يبدو مستحيلاً في المناطق المحتلة عام النكبة والعكس صحيح.
إنَّ سؤال التعريف يبقى هو الأهم والأخطر: "ما هي فلسطين، شعبها وأوضاعه ومستقبله..."؟ إن أجبنا بأنها دولة إسلامية فقد حققنا رغبة الصهيونية وجهدها الحثيث لفصل الكل عن الكل وتعميم الصراع على أنه ديني، وإن افترضنا دُوليتها تميَّعَ التاريخُ والمستقبل وهيمنت أصابع البنوك والسياسات اليهودية العالمية، وهكذا...
فالانطلاق نحو الفهم الكلي لهذا الوطن يكمن في عمق كل عناصر تَكوُّنِهِ في آن معا، وإن تخصيص جزء لا يقل خطورة عن ابتلاع الكل، ولهذا برزت مقولات مشبوهة في السنوات الأخيرة مثل "في القدس وفلسطين! المواطن الغزي، المواطن الضفاوي" ومثل ذلك العشرات، في حين لم ينتبه العديدون إلى خطورة ذلك، الذي سوف يُفضي إلى تقسيم البلاد، وبالتالي تمكين النازي الصهيوني سياسياً، عِبرَ نشر الإبراهيمية دينياً والانفصالية جغرافياً واجتماعياً، وهو على ما يبدو لن يفلح في مسعاه.
نقطة البدء هنا تكمن في الوصف لا في "لم الشمل"، فهذا الشمل مشتت فقط سياسياً عند بعض القوى والفصائل وصار من الواضح أنه لم ولن يطال المجتمع؛ فَحتى أبسط الأفراد من عامة الشعب يبدو مستعداً للتضحية بأقصى ما يملك وهو في يافا أو القدس أو جنين و الخليل أو الشتات عندما يتعرض العدو لغزة أو القدس أو جنين، والعكس صحيح أيضاً.
إن الانطلاق من إعادة إطلاق التجربة الثورية - ثورة لا مجرد مقاومة- هو الأساس للتقدم مرة أخرى، كما كان الميثاق والمجلس الوطني والمنظمة نقطةً انطلاق تاريخية لإحياء الهوية التي كادت وقتها تندثر وتتلاشى، واليوم هذه الهوية مُهددَةٌ عبر تمييع مفرداتها، اللافتُ هو أن الشعب وحده يكرسها اليوم بالدم، أما المفكرون والمثقفون والساسة فهم غالباً يقفون خارج هذا الجهد، والسبب في ذلك مرة أخرى هو التكلُّس وعدم خلق استراتيجية حضارية شاملة لفلسطين وشعبها، وقد حاول ذلك غسان كنفاني و جورج حبش قبل أكثر من نصف قرن، لكن قعقعة السلاح طغتْ على الاستمرار في ذلك الجهد.
في محصلة ما يمكن قوله هو أن أيَّ نصرٍ لن يتحقق أبداً ما لم نخلق هذه الاستراتيجية، والتي تبدأ بسؤال المصير الذي يجب مناقشته بموضوعية، هل ستكون فلسطين هي الضفة وغزة؟ هل سنكتفي بحدود القدس الشرقية؟ هل نكون تحت مظلة الهوية "الإسرائيلية"؟ هل نلغي حق العودة؟ وكيف ستكون أشكال المقاومة...؟
لو سألت أي مواطن فلسطيني لأجاب بـ لن تكون فلسطين، ولا يجب أن تكون إلا موحدة واحدة تحت سلطة دولة فلسطينية، وهذا تحققه القوة وحدها، كما أن هذا لا يُجرِّم المرحلية المستندة إلى نظرة كلية كجزء من استراتيجية، لا المرحلية المنتظرة التي تتوقف عند حدود ألف وباء، من هنا فإن كل خطاب سطحي، بل وحتى كل نضال غير مدروس هو تكريس لكيان النازية الصهيونية على أرضنا؛ فالغباء والانتهازية وانعدام الكفاءة والمسؤولية هو أول سَنَدٍ للعدو.
عندما دخل الإسلام فلسطينَ بقيادة عمر بن الخطاب، فإن أول ما فعلوه هو تعريفها مع فهم خصوصيتها وفحواها التاريخي الاستثنائي، حتى أن شكل السلطة الدينية-السياسية فيها كان مختلفاً عن كل بقاع الأرض، لهذا استمرت قوية وحضارية لقرون، كانت عبرها كياناً محورياً مهماً في حضرة أوسع الأرضين وأقوى الامبراطوريات... إذاً؛ فالنخبة مطالبة بإعادة صياغة الاستراتيجية الشاملة التي لن يكون هناك فلسطين مستقبلاً بدونها، هكذا تُفضي لنا بتعاليمها كلُّ تجارب التاريخ.

