انطلقت دراسة الصديق والرفيق الاستاذ غازي الصوراني حول "المنظور الماركسي لمفهوم التحرر الوطني وسبل خروج الحركات التقدمية العربية من أزماتها الراهنة"، من أهمية الاسترشاد بالمنهج العلمي الجدلي وتطبيقه الخلاق على واقع بلادنا، لاستنباط برنامج وطني تحرري ديمقراطي... لمواجهة التحديات.. تحديات الصراع مع العدو الصهيوني وتحديات العولمة الإمبريالية.. تحديات التبعية والتخلف الاجتماعي والأصولي.. تحديات الواقع الفلسطيني والعربي المفكك والمهزوم... تحديات الاقتصاد والتنمية المستقلة والأمن الغذائي والمياه.. تحديات البطالة والفقر... تحديات المستقبل الذي تسوده الحرية والعدالة الاجتماعية والاشتراكية والوحدة.
مع اتفاقي التام مع الرفيق ابو جمال؛ انطلاقا من أن المنهج العلمي الجدلي الماركسي؛ أداة تحليل مستمد من القوانين الموضوعية، الذي يتناول الظاهرة الاجتماعية ويحللها ويحدد اتجاه حركتها. كما يهدف المنهج الماركسي تطوير النظرية، وهذا ما قصده "كارل ماركس" بقوله " إنني لم أضع إلا حجر الزاوية في هذا العلم".
سأحاول تسليط الضوء على خصائص البنى الاجتماعية الخاضعة للتبعية الأجنبية وأثرها على مسيرة التحرر الوطني، التي وصفها مهدي عامل بعلاقة الإنتاج الكولونيالي.
نشأت الرأسمالية المحلية في ظل التبعـية للاسـتعمار، وليس من أحشاء الإقطاع، كما هي الحال في البلدان الرأسمالية المتطورة، وأضفى عليها الاستعمار طابعاً خاصّاً، بحكم علاقتها بالرأسمالية الامبريالية، فالكولونيالية ليست صفة إنتاجية، بل هي علاقة سيطرة وتبعية. وقد اصاب الاستاذ غازي الصوراني كبد الحقيقة حين اكد على أن السير على طريق التحرر الوطني والديمقراطي والتنموي وفق المنظور الماركسي لا يمكن تحققه إلا من خلال صراعات وتحولات اجتماعية عميقة، لإزاحة الطبقات المسؤولة عن الأزمة.
يمكن القول إن الاستعمار عمل على توجيه اقتصادات البلدان المتخلفة نحو تعزيز مواقع الفئات الطُّفيليّة التي تعتبر صاحبة المصلحة الأولى في إبقاء البلاد تحت السيطرة الأجنبية، حيث تصدّت السياسات الاستعمارية للتوجهات الوطنية التي حاولت ترسيخ الاستقلال الوطني والتحرر من التبعية الاقتصادية، وإزالة التشوّهات الهيكلية للاقتصاد، وتطوير القطاعات الإنتاجية.
فمن السمات العامة للرأسمالية المحلية أنها طُفيلية، وأن نشاطها الاقتصادي يتمحور في التداول والتوزيع بعيداً عن الإنتاج. ومن أهم وظائفها تسويق منتجات الاحتكارات الرأسمالية، ومن خواصها أنها لا تسهم في تحقيق تراكم رأسمالي في بلدانها، بل تسهم في التراكم الرأسمالي في البلدان الرأسمالية، فهي تُستخدم أداة لتوسيع السوق الرأسمالي. وإن الثراء الذي تحقّقه يسهم في ترسيخ النمط الاستهلاكي في المجتمع المحلي، ومنافسة المنتجات المحلية.
فمن أهم المؤشرات لتحديد طبيعة نظام الحكم في دولة ما، ملكية وسائل الإنتاج، ومستوى تطور القوى المنتجة، فمن المعروف أن ملكية وسائل الإنتاج في الأردن على سبيل المثال خاصّة وليست عامّة، لكن قطاعي الصناعة والزراعة يتسمان بالضعف الشديد، وقد تضرّرت الصناعة والزراعة من السياسات النيوليبرالية التي نُفّذت خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ما زاد من ضعفها.
على الرغم من تخلي الدولة عن جزء هام من مؤسسات القطاع العام لصالح القطاع الخاص، إلا أن هذا الإجراء لم يُسهم في تعزيز مكانة الرأسمالية المحلية، إذ استولت الاحتكارات الرأسمالية الأجنبية على مؤسسات الدولة. وقد أسهمت الإجراءات الواسعة التي طبّقتها الدولة باسم "التصحيح الاقتصادي"، والتي جاءت ضمن سياسات التكيف وإعادة الهيكلة، وبإيعاز وتوجيه من صندوق النقد والبنك الدوليين، واستهدفت تحرير التجارة الداخلية والخارجية وإزالة الحواجز أمام انسياب السلع الأجنبية، ورفع الحماية عن المنتجات المحلية، وتحرير أسواق المال، والخضوع لشروط منظمة التجارة العالمية... أسهمت في إحداث تحولات عميقة في بنية الدولة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية لصالح الفئات الطفيليّة، عدا عن الآثار الاقتصادية والاجتماعية؛ وقد بلغت نسبة المستوردات الأجنبية نحو 47% من الناتج المحلي الإجمالي، منها 58% موادّ استهلاكية؛ ما يعكس حجم الاعتماد على الخارج في توفير السلع الاستهلاكية.
وقد نشأت خلال العقدين الأخيرين شريحة جديدة من الرأسمالية الطفيلية التي استفادت بشكل واسع من السياسات النيوليبرالية المعولمة، وتبوأت المواقع الأولى في السلطة، واحتلت جزءاً هاما من مواقعها بدعم مباشر من المؤسسات الدولية التي تشكّل الأذرع الاقتصادية للاحتكارات الرأسمالية، وهي: صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية. وجاء هذا الدعم لتمكينها من القيام بالدور الموكل إليها؛ أي إخضاع البلاد لشروط السياسات النيوليبرالية بإصدار الحُزم الاقتصادية التي تمكّن رأس المال الأجنبي من الهيمنة الكاملة على الاقتصاد الوطني.
اما وكلاء الشركات الاجنبية «الكمبرادور» وهي تعدّ إحدى الطبقات المهيمنة في المجتمع، يتمحور عملها بالتجارة. وقد حصدت أهم المكاسب، وأصبحت هذه الشريحة من أهم القوى الاجتماعية التي اعتمدت عليها الليبرالية لفرض سياساتها؛ فهي المستفيد الأول من سياسة تحرير التجارة والانفتاح على السوق العالمي والاندماج فيه. ووقفت ضد تدخل الدولة في الاقتصاد مستفيدة من تعثّر بعض مؤسسات القطاع العام (نتيجة الفساد الإداري والمالي) لتبرير سياسة التخاصّية والدفاع عن اللبرلة. ونجد أن القوانين الاقتصادية السائدة في البلدان الرأسمالية تخضع لمنطق التراكم الرأسمالي الذاتي، بينما القوانين الاقتصادية في الأردن تخضع لمنطق التبعية، أي منطق تراكم رأس المال في المراكز الرأسمالية المتقدمة. ويعتبر الكمبرادور أحد أهم أطراف التحالف المهيمن.
اما "الطغمة المالية" الرأسمالية المصرفية والمالية التي تمكّنت من الصعود إلى قمة الهرم إلى جانب الكمبرادور، والتي استفادت من سياسة الانفتاح وتحرير أسواق المال. وخاصة بعد ان عوم البنك المركزي أسعار الفائدة؛ ما أسهم بتحقيق أرباح عالية؛ فقد بلغت قيمة الودائع في المصارف الأردنية المرخصة 41 مليار دينار، فأسهمت بذلك في إعادة الإنتاج الطُّفيلي: إذ يتحول رأس المال النقدي بصورة ودائع وشهادات ادخار إلى رأس مال مصرفي وائتماني (في صورة قروض) ويتحول بدوره إلى رأس مال طُفيلي وتجاري، وهكذا تستمر عملية التكاثر المالي وإعادة الإنتاج الموسَّع لرأس المال الطفيلي، من خلال الدور المتميز الذي يلعبه القطاع المصرفي بضخ السيولة وفتح خطوط الائتمان، والتمويل المصرفي لتنمية هذه الفئات الرأسمالية الطفيلية.
وقد لعب هذا القطاع دورا هاما في ضخ السيولة في شريان النشاطات الطُّفيلية عبر استيراد السلع الكمالية والمضاربات العقارية، إذ بلغت قيمة التسهيلات المقدّمة للقطاعين العام والخاص نحو 43 مليار دينار، منها نحو 29 مليار دينار للقطاع الخاص. وقد استحوذت القطاعات التجارية والخدمات بنصيب الأسد. كما أسهمت القروض والسندات المصرفيّة في تمويل النفقات الحكومية، مما عزز دور القطاع المصرفي على الصعيد الرسمي ودعم تأثيره في السياسات المتعلقة بالمجال الاقتصادي، فقد نجح في تخفيض مساهمته في ضريبة الدخل من 50% قبيل تنفيذ السياسات النيوليبرالية إلى 35%، كما تمكن من فرض شروطه على السلطتين التشريعية والتنفيذية من خلال إقرار قانون ضريبة الدخل رقم 38 لسنة 2018، إضافة إلى دوره الرئيس في تمويل القطاعات التجارية والخدمية، لذلك يعتبر هذا القطاع من القطاعات المهيمنة، إلى جانب الكمبرادور.
انطلاقا من طبيعة العلاقة الجدلية بين قضايا التحرر الوطني والقضايا الاجتماعية، تواجه القوى التقدمية مهمات عديدة نوعية وهامة وعاجلة، من ابرزها: التصدي لسياسة التبعية للمراكز الرأسمالية عموما والأمريكية خصوصا، والسياسات التوسعية الصهيونية التي تستهدف الشعبين الشقيقين الأردني والفلسطيني، وحق الشعب الفلسطيني في التحرير والعودة وتقرير المصير، والتصدي لسياسات البنك والصندوق الدوليين، ومن اجل بلورة رؤيتنا الاقتصادية التنموية، التي تعبر عن مصالح وتطلعات جماهير شعبنا، وتكريس مبادئ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، التي تشكل خطوة هامة نحو انجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية.
وفي ضوء الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، المرتبطة بتفاقم شروط التبعية، والسياسات النيوليبرالية، والنتائج الكارثية التي أسفرت عنها، وأدت إلى انسداد الافق، وحالة الاستعصاء التي تعيشها البلاد، عبر سيطرة الطغمة المالية والكمبرادورية المرتبطة بالاحتكارات الرأسمالية، والتي ترافقت مع مصادرة الحريات الديمقراطية العامة والفردية، وأدت الى تهميش دور الجماهير الشعبية والأحزاب السياسية، وخاصة بعد صدور قانون الأحزاب الجديد، ومحاولة اقصاء اتجاهات سياسية والترويج لما يسمى بالأحزاب البرامجية، لإعادة انتاج برلمانات لا تعكس ارادة الشعب خدمة لمصالح الشرائح الطفيلية والاحتكارات الرأسمالية.
وفي ظل المتغيرات التي حدثت في تركيب الطبقة العاملة بفعل الثورة العلمية التقنية واتساع مفهوم الطبقة العاملة نفسه، وأصبح يضم العاملين اليدويين والذهنيين الذين يتعرضون للاستغلال الرأسمالي فإنني اتوجه للقوى التقدمية الأردنية، البدء بحوار معمق، نحو الوصول الى الأسس السياسية والمعرفية والتنظيمية، الكفيلة ببلورة اقامة تجمع سياسي يضم القوى التقدمية في بلادنا، يتوجه للجيل الجديد من الشابات والشباب ويخاطب لغة العصر، ينتمي للمرحلة التي نعيشها في ظل ثورة المعلومات، قادر على التفاعل مع المتغيرات وخاصة مع دخول العالم مرحلة الذكاء الاصطناعي، التي ستسهم باتساع الفجوة الطبقية، كما ستعمق الفجوة بين البلدان الفقيرة والغنية، عن طريق تحويل مزيد من الاستثمارات إلى الاقتصادات المتقدمة التي أصبحت الأتمتة فيها مستقرة، وبالتالي ستسهم باتساع البطالة في البلدان النامية ايضا وفي عدادها الاردن.
إن بناء رافعة سياسية للفقراء والكادحين في بلادنا، تراعي خصائص وظروف مجتمعنا المحلي، هدف مركزي ورئيسي في هذه المرحلة، مستفيدين من تجارب ناجحة في هذا المجال منها تجربة حزب الشعوب الديمقراطية في تركيا . رافعة تعمل على تطوير خطابنا السياسي والثقافي في مواجهة الاستغلال، ومؤهلة للقيام بمهام المرحلة، تتمتع بحضور ملموس في القطاعات، الشبابية والنسائية والنقابية العمالية والمهنية والطلابية، وبين الفلاحين. وهذا المشروع ليس بديلا عن النضال لبناء جبهة شعبية وطنية ديمقراطية من القوى الحية، لاستنهاض الجماهير الشعبية والقوى المتضررة، بتبني المهمات المركزية ومواجهة التحديات، بل يفترض ان يشكل التجمع التقدمي العمود الفقري للجبهة الشعبية الوطنية.

