Menu

حريّةٌ للعرب

عبد النور الهنداوي

نشر هذا المقال في العدد 41 من مجلة الهدف الإلكترونية

نحن العربُ القبيلةُ الوحيدةُ التي تحمل دمَها على ظهرها. نحن العرب، نلمّ الملحَ من العالم، ونحقنُ به عيوننا؛ كي يظلَّ أنبياءُ اليهود الجدد تحت جلودنا، لاستقبال الدم الذي ينزّ من أفواههم. الآن ماذا لو أعدنا عظام الأنبياء اليهود الجدد: جون فوستر دالاس وسايروس فانس، وروبرت مكنمارا، وهنري كيسنجر، ومادلين البرايت، وتعرّفنا على منطق التوراة الجديد الذي يعيد لنا الصياغة الأيديولوجيّة لوجوهنا، وتعرفنا على الحاكم العربيّ وهو يحاولُ أنّ يمدّ يده ليتعرّفَ على الذي يخصّه وحده.

مرّةً قالت كوندا ليزا رايس: عندما كنتُ أذهبُ إلى بلاد العرب للقاءِ حاكمٍ عربيٍّ يخصُّ الشرق الأوسط أو فلسطين... كنتُ أضعُ حذائي على الطاولة ليتحدثَ معه - انتهى الاقتباس -

الآن... هل حان الوقتُ كي نعيد تشكيل العربيّ فلسفيًّا، دون الرجوع إلى عصر الظلمات، وفرض مراقبةٍ صارمةٍ على وجوهنا لإشادة أمكنةٍ لإيواء الأزمنة القاحلة؟ وهل الحكام العرب مقتنعون تمامًا أنّ إدارة شعوبهم تبدأ من مؤخّراتهم؟

لذلك تركنا دمنا اليابس يتدلّى من أصابعنا ليقرأ في جدليّة الغبار، لأنّنا نكتب وتغنّي ونمارس الجنس في الفراغ وأمام الأشياء التي من دون معنى.

أمام غزّة... أُرغمنا على الاتّكاء على كلّ ما نملك وننفخ في كلّ شيءٍ يذكرنا بأصابعنا الفذّة لنطيل الوقوف أمام العربيّ النائم وهو يودّع عتمته الضئيلة، ويجدّد الضوء الذي في اللانهاية لكي يكون أو في أحسن الأحوال لكي يظل!

كل ما يملكه العربي اليوم، وردة جاّفة تشبه أي شيء داخل الحائط، وبعض إغفاءة قاسية، ربما يعود إلى بيته الفارغ كراقصة عارية في عربة فارغة... وعندما كان العربي أسرع من الضوء، نكّس رايته بالقرب من الخناجر الباردة، ولم يكن سواه حين اختبأ بين صلاحية الببغاء وصلاحية الضفدعة! هذا إذا أخذنا بمقولة - الحاخام الصهيوني عوفيديا يوسف - عن العرب حين وصفهم.. حيناً بالديدان الشريطية، وحيناً بأولاد الأفاعي.

وإذا كان للعربي لحظة مقدّسة، علينا أن نضع- غزّة - في علب السردين، ونوزعها كمقبلات على موائد الصراع بين العرب والعرب. أنا لا أعرف ماذا يمضغ الحكام العرب وأكثرهم كائنات ميتافيزيقية.. بل أطباق من الحصى، ومخازن للحفاة العراة، بل منصات للخطب العصماء ترفرف في أرجائها تعليقات العودة وتحطيم الصرخات المؤدية للمجهول.

أظن أن- غزّة- وأحداثها الأخيرة.. تعرف تماماً أن العربيّ لا يعرف أين يضع خطواته الضائعة، وأن لغته صارت بائدة، لأن أمريكا تنقل العرب متى تشاء من خراب إلى خراب.

الصهيونية تعتبر أنّ خلاص العرب.. هو المرور بالهيكل وكسر القمم الواضحة فيهم والتي أصبحت فقط لترميم دقات القلوب، وإننا ماضون إلى ثقافة الكهوف!

ماذا نقول - لغزّة - وهناك من يترنّح بعقاله وعباءة القصب وربطات العنق، ليحوّل أبناء عشيرته إلى كائنات بائسة لا مكان لها لا في الزمان ولا في المكان، ومع ذلك يطلق استغاثة لإنقاذ غزّة وتهدئة الجفاف الذي تعفّن بين يديه؟

يبدو الدم العربي إن كان في غزّة أو في مكان آخر صار الناطق الرسمي الوحيد باسم شعوب العرب!

يا غزة الحبيبة.. أرجو من هذا الصراخ السحيق، في هذا المكان العربي السحيق ومن أمام الطاولات السحيقة، أن يصل ذات يوم، ذات يوم سحيق إلى الآذان التي من طين لازب بل من سخام. وما دمنا نشاهد الصراخ العربي وفي هذا العراء من أجل ناقة شمّاء تملأ الأمكنة بقهقهاتها أمام سيدها

الممتلئ بالعذاب الذي ملأنا أيضاً بالعذاب وثقافته التي تعادل صرخة الرهان!

في غزّة راح بل مات وقت العرب هباءً، وها نحن نأكل الزمن كما تأكل الحيوانات التبن.. والقبيلة العربية تلعب بعظامها لتظل محافظة على الدفء والتواصل والزهوّ والذوبان في الشاشات الواسعة؛ لأن خيال العربيّ توقف فجأة عند هزّ البطن ولا يعلم أن ثقافته السياسية التي يعيشها هي القيلولة الكبرى واستلقائه على ظهره متخماً بالجثث.

يقول عاموس عوز الروائي الصهيوني: المشكلة لدى اليهودي ليس في أزمة البقاء، بل تعدّت إلى كيفية إعطاء الدور إلى ذلك العربي الذي يحكم بمنطق الذباب وتحطيم أفواه الذين يحاولون تنظيف المرايا الوسخة من العار!

تموت غزة إذًا من أجل حماية هذه الأزمنة القاحلة وانتصاب الهيكل.. وها قد أصبح اللاوعي العربي مأوى الهواء الأصفر والعناكب الطائرة.

(العربي الحي هو نفسه العربي الميت) هو نفسه يتعرّف على الماوراء ليتوهّج مثل وحيد القرن، لأنه ليس ضرورياً أن يكون له جذور، وقد يصير لامعاً لئلا يتوقف ولو قليلاً من أجل وثيقة مكسورة في ردهات الأمم المتحدة، أو متسوّلاً على أرصفة هذه الأمم.

أتساءل: من هو الآن الذي سيبقى على قيد الحياة؟

والصراخ يتدافع حتى قاع الزمن.. والحرائق لا تعرف هل هي أكلت آلامها؟ أم نحن الذين صارت جثثنا أسئلة؟

أصابعنا الخشبية تجرّدت من أمكنتها والتهمت كل ما لديها من الرهان.. والعربي هناكَ.

في غزة كل ليل العرب تحطّم بفعل قارعي الطبول الذين رُتّبت طبولهم أمام الملاحم.. وتحدثت عن دفئها في وضح النهار كي تضع الرغبة في مواجهة المجهول.

أسلاك شائكة على حدود العرب، وضحكات تفوق الخيال، ودماء عربية  لرصد العدم، والتيّه العربي يتثاءب الآن على أرصفة العصر المهجورة؛ التيّه يذهب بنا في كل اتجاه باستثناء اتجاه واحدٍ: المستقيل.

سأتوقف قليلاً عند كلمة دم والتي صارت مثل مرايا المجانين.. هذا الدم وقد تحوّل إلى ما يشبه سوّر المقبرة؛ فلماذا نحن هنا أو هناك؟!

العربي الحي.. هو العربي الميت.