Menu

في الذكرى الـ (52) لرحيل خالد الذكر: لا زال عبد الناصر حياً في ذاكرة الأمة وشعوب العالم الثالث

عليان عليان

تحضرني في هذه المناسبة ما قاله البرلماني البريطاني السابق " جورج غالوي " في محاضرة له في رابطة الكتاب الأردنيين ": " هنالك حكام ورؤساء دول لا يذكرهم أحد بعد وفاتهم بعد بضعة أيام، وهنالك رؤساء دول يظلوا حاضرين في ذاكرة الأمة وحاضرها ومستقبلها، وعلى رأسهم جمال عبد الناصر، فالجماهير العربية وأوساط جماهيرية عديدة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، تستحضره دائماً في نضالها ضد الاستعمار بأشكاله المتعددة وفي النضال ضد الصهيونية.

ونبني على ما قاله " جورج غالوي" عدة أسئلة على نحو: لماذا هذا الحضور الدائم له في الندوات والمحاضرات والمؤتمرات وفي البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟ ولماذا تهتف الجماهير باسمه وتعلو صوره وشعاراته ومواقفه في مختلف المحطات والمنعطفات السياسية؟ ولماذا هذا الالتفاف الجماهير حول مواقفه السياسية؟

والإجابة على هذه الأسئلة تحتاج إلى دراسة موسعة وندوات متخصصة، لكن في هذه العجالة نشير إلى ما يلي كعناوين للإجابات على نحو:

على الصعيد القومي

أولاً: على الصعيد القومي في فترة قيادته من عام 1952 وحتى عام 1970 يمكن التوقف عند المسائل التالية

 1- البعد القومي التقدمي لطروحاته ومواقفه: فقد بلور عبد الناصر مضموناً تقدمياً للفكر القومي من خلال تبنيه للاشتراكية العلمية بشكل جريء عام 1961 عبر قوانين يوليو الاشتراكية، وقال فور صدور هذه القوانين: "هدفنا أن نزيل التناقض الطبقي، هدفنا أن لا تبقى الملكية في يد فئة قليلة من الناس، ويحرم كل أبناء الشعب، هدفنا أن نجعل الملكية في هذا الحال ملكاً للأمة".

 2- كانت الدائرة العربية على امتداد فترة حكمه هي الأهم، حيث انفتح عبد الناصر على الفكر العربي القومي، بكل معطياته الإيجابية والمستقبلية، وبكل مقدماته النضالية والوحدوية، فلم يكن للقومية العربية حزبها في مصر، عند الثورة وقبلها، فجاء عبد الناصر ليصبح حزبها والمساند لقواها النضالية كلها.

وأصبح المد القومي التقدمي وفق طروحاته وقيادته هو السائد، إن على صعيد شعارات الحرية والاشتراكية والوحدة، والعمل الجاد لنقلها إلى حيز التطبيق، وإن على صعيد إسقاط الأحلاف الاستعمارية وعلى رأسها حلف بغداد والحلف الاسلامي، وعلى صعيد إنجاز أول تجربة عربية وحدوية في التاريخ المعاصر بين مصر وسورية حملت اسم "الجمهورية العربية المتحدة" بين عام 1958-1961، والتي لم تستمر جراء عوامل ذاتية سهلت مهمة الامبريالية والقوى الرجعية في إجهاضها، وكان  موقف عبد الناصر في دعمه للنضال العربي  التحرري ن في أي موقع، موقفاً في إطار تحرر الأمة الكامل من السيطرة الإمبريالية.

 وعبد الناصر بحضوره القومي غير المسبوق، نال ثقة القوى القومية والتقدمية وعلى رأسها " حركة القوميين العرب " بقيادة الدكتور جورج حبش ، التي تماهت مع تجربة وطروحات عبد الناصر لدرجة وصفها البعض " أنها حزب عبد الناصر في الوطن العربي". أما حزب البعث، فقد عبر عن علاقته  مع نهج عبد الناصر القومي،  كل من ميشيل عفلق وصلاح البيطار على النحو التالي:                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                            "إننا وعبد الناصر على لقاء تام  من حيث الفكر القومي، والتوجه الوحدوي  استراتيجية ونضالا"، مشيرين إلى أن عبد الناصر أخذ بطريق الاقتصاد الموجه، وهمه وشاغله الرئيسي يتجه إلى خطط التنمية والتخطيط الاقتصادي ، وأنه منفتح على تجارب التطبيق الاشتراكي، ومتأثر بالفكر الاشتراكي العلمي إلى حد كبير، وبخاصة من خلال صلاته واحتكاكه بقيادة دول عدم الانحياز، والكثير منهم ماركسيون أو من المتأثرين بالفكر الماركسي.

 3- دعم فصائل حركة التحرر العربية: وفي إطار التزامه الجذري بالبعد القومي التقدمي، شكلت مصر "إقليم قاعدة" لحركة التحرر العربية، حيث قدمت مصر دعماً أساسيا لثورة الجزائر ولثورة اليمن الجنوبي، ودعم ثورة اليمن بقيادة المشير عبد الله السلال، ودعم ثورة العراق، ولعبت مصر دوراً مركزياً في محاربة التبعية والتجزئة على الصعيدين الوطني والقومي، وعلى صعيد إبقاء فلسطين قضية مركزية للأمة العربية ودعم المقاومة الفلسطينية.

4- إدارة الصراع: شهدنا في عهد عبد الناصر استراتيجية وتكتيكات فاعلة في إدارة الصراع مع الإمبريالية والصهيونية والرجعية، عبر التحرك في الدوائر الثلاث التي رأى عبد الناصر أن مصر تنتمي إليها، وأن دورها الخارجي يجب أن يتوزع بينها، والتي سبق وأن حددها في كتابه "فلسفة الثورة"، وهي الدائرة العربية والدائرة الاسلامية (الدول الاسلامية) والدائرة الإفريقية.

5-في مرحلة عبد الناصر ورغم هزيمة 1967، لم يحدث أي تغيير في طبيعة الصراع مع العدو الصهيوني، بأنه صراع وجود وليس صراع حدود، فكان الشعار الناظم لخالد الذكر "لا صلح ولا مفاوضات ولا اعتراف"، "وأن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة"؛ ناهيك أن موقفه من قرار 242 ومشروع روجرز جاء في سياق تكتيكي لإدارة الصراع، وفي إطار عمله الدؤوب لإعادة بناء القوات المسلحة، استعداداً للحرب القادمة التي كان يعد لها بكل كفاءة واقتدار.

على الصعيد الأممي

ثانيا: على الصعيد الأممي نشير إلى ما يلي

1-قدم نظام ثورة 23 يوليو بقيادة عبد الناصر الدعم الكبير، لحركات التحرر في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وإن كانت أفريقيا حصلت على نصيب الأسد في الدعم، إذ تمكن عبد الناصر عبر تحالفاته في القارة السوداء من إحداث نقلة نوعية لدولها في قضايا الاستقلال والسيادة الحقيقية، خاصةً وأنها جرى التركيز عليها في سياسة عبد الناصر بشأن الدوائر الثلاث (العربية والاسلامية والأفريقية)، وكان لعبد الناصر والرئيس الغاني " كوامي نكروما" دوراً أساسياً في تشكيل منظمة الوحدة الأفريقية عام 1963).

2- دور عبد الناصر المركزي في إنشاء "منظومة الحياد الإيجابي " في مؤتمر باندونغ بإندونيسيا عام 1955، إلى جانب قامات أممية كبيرة مثل جواهر لال نهرو ( الهند) وأحمد سوكارنو ( اندونيسيا) وجوزيف بروز تيتو ( يوغوسلافيا)، وهذه المنظومة التي تشكلت من 29 دولة آسيوية وأفريقية، وبحضور جبهة التحرير الوطني الجزائرية كمراقب، كانت النواة الأولى لحركة عدم الانحياز، وشكلت سنداً لحركات التحرر في مواجهة الاستعمار ونهبه لثروات شعوب العالم الثالث، وقد تبنى المؤتمر آنذاك  مجموعة من القرارات لصالح القضايا العربية وضد الاستعمار.

3- التحالفات: حدد عبد الناصر خارطة تحالفات مصر، مع القوى الدولية والإقليمية في ضوء موقفها من قضايا الأمة كالتنمية المستقلة، والاستقلال الاقتصادي والسياسي، وفي ضوء موقفها من الصراع العربي الصهيوني، فكان تحالفها الرئيسي مع الاتحاد السوفياتي دون أن تقطع مع جمهورية الصين الشعبية، رغم الخلاف بينهما في قضايا ذات طابع أيديولوجي.

على الصعيد المصري

ثالثاً: على الصعيد المصري يمكن الإشارة إلى ما يلي

1- قضت ثورة 23 يوليو بقيادة عبد الناصر 23 يوليو على الرأسمالية والإقطاع من خلال سن قانون الإصلاح الزراعي، الذي هو من أهم مكتسبات الثورة، والذي صدر بعد شهرين فقط منها في سبتمبر (أيلول) 1952، وبموجبه تم توزيع الأراضي على الفلاحين.

2- أنجز نظام ثورة 23 يوليو اتفاقية جلاء القوات البريطانية عن مصر عام 1955، وكانت "ضربة المعلم" للرئيس عبد الناصر بتأميم قناة السويس" عام 1956 التي أنهت السيطرة الأنجلو فرنسية على القناة، وتوظيف عائداتها لبناء السد العالي، وكان قرار عبد الناصر الشجاع بالتصدي للعدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي على مصر، ومن ثم إنهاء الحضوري الامبراطوري لبريطانيا كإمبراطورية لا تغيب عنها الشمس.

3- وفي مرحلة عبد الناصر، كانت قرارات التأميم، وبناء القطاع العام الاشتراكي الذي عمل على توفير الاحتياجات الأساسية للشعب المصري بأسعار زهيدة، وكان الانحياز للعمال والفلاحين، وكان بناء السد العالي بدعم من الاتحاد السوفياتي الذي وفر الذي وفر الطاقة الكهربائية لمصر، وإقامة أكبر بحيرة صناعية في العالم؛ بحيرة ناصر، ما مكن من استصلاح ما يزيد عن مليون وسبعمائة ألف فدان للزراعة، وساهم بشكل كبير في توفير الأساس المادي للاشتراكية.

كل ذلك بالإضافة إلى إنجازات كبيرة إن على صعيد التعليم المجاني، والطبابة المجانية ودعم الثقافة والفنون، وغيرها من المنجزات التي حققت لمصر نقلة نوعية في مختلف الميادين، وجعلت نهج عبد الناصر مثالاً يحتذى به في العديد من دول العالم الثالث. وليس صدفةً أن رؤساء دول في أمريكا اللاتينية باتوا يقتدون بنهج عبد الناصر في التحرر من التبعية وفي السير في طريق التنمية المستقلة، وعلى رأسهم الرئيس الفنزويلي الراحل "هوجو تشافيز" الذي تأثر كثيرا بنهجه، وعمل على تطبيق الاصلاح الزراعي في فنزويلا وتوزيع الأراضي على الفلاحين.

مراجع

1-عامر العقاد، جمال عبد الناصر حياته وجهاده، ط 1، القاهرة، دار الشعب، 1970.

ا2- أحمد حمد حمروش، عبد الناصر والعرب، ط 1، مطبوعات ثورة 23 يوليو (4) القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2002.

3- منظمة الشباب الاشتراكي، عبد الناصر الفكر والتطبيق، مطابع الأهرام التجارية، 28 سبتمبر 1972.

4-جمال عبد الناصر، فلسفة الثورة ط 1، القاهرة، مطبوعات ثورة 23 يوليو (3) الهيئة العامة لقصور الثقافة.