معالجة حرب تشرين (أكتوبر) ونتائجها على الصعيدين المصري والقومي العربي بعد مرور (49) عاماً على اشتعالها، تقتضي التوقف بشأن رئيسي أمام عناوين رئيسيه أبرزها: الخطة الرئيسة للحرب التي وضعها جمال عبد الناصر بالتنسيق مع الخبراء الروس/ تهرب الرئيس السادات من تنفيذ الخطة بعد رحيل عبد الناصر / ارتداد السادات بشكل كامل عن نهج عبد الناصر واعتقاله القيادات الناصرية وخضوعه المطلق للإملاءات الأمريكية والسعودية/ انقلابه على الخطة العسكرية المتفق عليها مع الرئيس حافظ الأسد وخوضه الحرب في سياق تحريكي للتسوية، وليس في سياق تحريري، وتحوله إلى مجرد دمية بيد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق "هنري كيسنجر" من خلال الاتفاقيات التي وقعها مع الكيان الصهيوني بتوجيه منه.
أولاً: عبد الناصر وخطة الحرب للرد على هزيمة حزيران
لقد اتفق في لقاء القمة المصري السوري في 26 يونيو – حزيران 1968 على تحديد الهدف السياسي والعسكري للجمهورية العربية المتحدة وهو إزالة آثار العدوان، وبهذا أصبحت استراتيجية القوات المسلحة المصرية هي تحرير الأرض المحتلة في سيناء، والوصول بالقوات المصرية إلى خط الحدود المصرية الفلسطينية وتأمينها، ثم استغلال النجاح سياسياً لاسترداد حقوق الشعب الفلسطيني، ووصول القوات السورية إلى بحيرة طبريا بعد تحرير هضبة الجولان، وكانت الفترة الزمنية التي حددها عبد الناصر ثلاث سنوات.
ومنذ ذلك التاريخ بدأت القوات المسلحة المصرية، بوضع الخطة لتحرير الأرض التي احتلت عام 1967، بناء على توجيهات القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية، وظلت خطط التحركات العسكرية تتبدل وتتغير عدة مرات، سواء في أهدافها المرحلية أم في أهدافها النهائية، حتى استقر الرأي على تبني "خطة الجرانيت المعدلة". وهكذا فإن الخطة الكاملة لعبور قناة السويس وتدمير خط بارليف، وضعها الرئيس جمال عبد الناصر، بالتنسيق مع الخبراء العسكريين السوفيات، وأن السادات نفذ هذه الخطة لاحقاً في حرب تشرين، لكنه خذلها في التفاصيل محولاً النصر إلى هزيمة سياسية.
وكان عبد الناصر قد صادق على " الخطة جرانيت" قبيل وفاته في سبتمبر- أيلول 1970، التي تتضمن ثلاث مراحل لحرب التحرير، تبدأ بعبور قناة السويس وإقامة رؤوس لخمس كباري، ثم الوصول إلى المضائق الحاكمة بسيناء، ثم الوصول لخط الحدود الدولية مع فلسطين المحتلة.
كما صدق عبد الناصر على (الخطة 200)، التي تحسبت لهجوم مضاد للعدو الصهيوني في منطقة المفصل الحرج بين الجيشين الثاني والثالث، حددت الخطة مكانه عند البحيرات المرة في منطقة الدفرسوار، وهو ما حدث للأسف، عقب قرار السادات المتأخر بتطوير الهجوم يوم 14 تشرين أول – أكتوبر 1973 (ورفضه خطة رئيس الأركان سعد الدين الشاذلي بإغلاق الثغرة وتدمير قوات العدو فيها مبكراً).
ولتنفيذ الخطة تمكنت القوات المسلحة المصرية من الوصول، إلى توازن قوى مع (إسرائيل) عام 1969، حين قدم جمال عبد الناصر أكبر دعم استراتيجي إلى القوات المسلحة، متمثلةً بصفقة كانون الثاني-يناير 1970، مع الاتحاد السوفياتي لمصلحة الدفاع الجوي، الذي نجح في إقامة أضخم حائط صواريخ في العالم وأكثره تقدماً، الذي نجح في تحدي الطيران الإسرائيلي- السلاح المتفوق الوحيد لدى إسرائيل.
وكان عبد الناصر حدد تاريخ الحادي عشر من تشرين ثاني 1969 موعداً لشن الحرب في ضوء استكمال الاستعدادات السياسية والعسكرية لها، وبعد أن وظف قبوله لمشروع روجرز في سياق تكتيكي لاستكمال بناء حائط الصواريخ على قناة السويس. وقد أعطى جمال عبد الناصر أوامره للفريق أول محمد فوزي بالاستعداد لشن معركة التحرير فور انتهاء مهلة وقف إطلاق النار في 7-11- 1970، كما أكد سامي شرف –سكرتير جمال عبد الناصر للمعلومات ووزير شؤون رئاسة الجمهورية الأسبق- أن جمال عبد الناصر في شهر آب – أغسطس عام 1970، وقع على خطط العبور " جرانيت 1 " و " جرانيت 2" و"القاهرة 2000" ، والأخيرة هي التي تعني الضوء الأخضر والنهائي لبدء تنفيذ خطط تحرير الأراضي المحتلة، بعد أن استكمل استعداداته لشن حرب التحرير باكتمال حائط الصواريخ، وتحريكه حتى حافة الضفة الغربية لقناة السويس، حيث كان قرار شن حرب التحرير مسألة وقت، وبعد تأمين سماء مصر من الطيران الإسرائيلي بدأ العد التنازلي للحظة العبور.
ثانياً: رفض السادات الالتزام بالموعد المحدد للحرب
بعد رحيل خالد الذكر جمال عبد الناصر، ماطل الرئيس السادات في الالتزام بالموعد المحدد للحرب، رغم مطالبات الفريق محمد فوزي- القائد العام للقوات المسلحة- المتكررة له بتنفيذ الخطة، وفي ذات الوقت راح يعلن في خطبه ولقاءاته بأن عام 1971 هو عام الحسم، ثم بدل في الشعار "عام الحسم...إن سلماً أو حرباً" وأنه لا يمكن الانتظار إلى الأبد، وفي خطابه أمام المؤتمر القومي للاتحاد الاشتراكي العربي في 23-7- 1971، أعلن أن سنة 1971 سوف تكون حاسمة في أزمة الشرق الأوسط.
ومماطلة السادات ورفضه توقيع "أمر القتال" لبدء الحرب في الموعد الجديد هو الذي دفع الفريق أول محمد فوزي إلى تقديم استقالته، ومعه " كل المجموعة الناصرية" في 13-5- 1971، ما هيأ الفرصة لكي يقوم السادات باعتقالهم جميعاً، في ما عرف بقضية "مراكز القوى" وانقلاب 15 مايو- أيار 1971، ومن ثم رفع الغطاء عن كل ما كان كامناً من توجهاته ونياته الحقيقية، التي تمخضت لاحقاً عن زيارة إسرائيل.
وانقضى عام 1971، ولم يحسم السادات شيئاً لا سلماً ولا حرباً، في ما يخص الأراضي المحتلة، متعللاً بأنه كان هناك "ضباب" ناتج من الحرب بين الهند والباكستان، وتلكؤ السادات ومماطلته بشأن الحسم، له علاقة بقناة الاتصال السرية التي عمد إلى فتحها مع الولايات المتحدة، والتي تولاها عبد المنعم أمين- عضو مجلس قيادة الثورة السابق- فقد كلف السادات أمين بإبلاغ (إسرائيل)، من خلال القائم بأعمال السفير الأمريكي في القاهرة استعداده للإقدام على الاعتراف بدولة (إسرائيل)، وإجراء مفاوضات مباشرة معها.
ثالثاً: خضوع السادات للإملاءات الأمريكية والسعودية
لقد طرحت الولايات المتحدة أربعة شروط على نظام السادات، كي تدعم تسوية مصرية مع (إسرائيل)، وقد حمل هذه الشروط الأمير سلطان بن عبد العزيز- وزير الدفاع السعودي- بعد عودته من واشنطن وزيارته للقاهرة في الأسبوع الأول من يوليو – تموز 1972، وهذه الشروط هي:
1-إخراج المستشارين والخبراء العسكريين السوفييت من مصر.
2- إخراج كل الفنيين من البلدان الاشتراكية الذين يعملون في فروع الاقتصاد.
3- إجراء تحول جذري في تجارة مصر الخارجية.
4- تصفية كل ما له علاقة بالاشتراكية في مصر (وأساساً القطاع العام)، وكان هناك وعد بأن تزيد السعودية من دعمها الاقتصادي لمصر كلما تقدمت في تنفيذ هذه الشروط.
وفي إطار الاستجابة للشروط الأمريكية والمطالب السعودية، فقد نفذ الشرط الأول فور وصول الشروط الأمريكية مع الأمير سلطان، بوعد من الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بكبح جماح إسرائيل (وقد تعهد إيجال آلون يوم 30 آب – أغسطس علناً بأن إسرائيل لن تحاول استغلال خروج العسكريين السوفيات من مصر).
لقد تكامل الدور السعودي مع الدور الأمريكي لتصفية منجزات وإرث ثورة 23 يوليو بقيادة عبد الناصر، ولإنهاء العلاقات مع الاتحاد السوفياتي، إذ أنه بعد قضاء السادات على المجموعة الناصرية بأقل من شهر، زار ملك السعودية فيصل بن عبد العزيز السادات في القاهرة، واتفق الاثنان خلال هذه الزيارة على النقاط الأساسية التالية:
1-أن يواصل السادات طريقه في التخلص من القوات السوفياتية الموجودة على أرض مصر.
2- أن يكون هناك تنسيق كامل بينهما في حال قرر السادات دخول حرب ضد إسرائيل.
3- إعادة قيادات "الإخوان المسلمين" المنفية في السعودية وفي بلاد أخرى إلى مصر.
وقد التزم السادات بالمطلب الأمريكي السعودي الخاص بالتخلص من الوجود السوفياتي في مصر وأصدر قراره الشهير بالاستغناء عن خدمات الخبراء والمستشارين والفنيين السوفيات في مصر في يوليو (تموز ) 1972، وأعاد قيادات الإخوان المسلمين إلى مصر، وبدأ بتصفية المنجزات الاقتصادية والاجتماعية الاشتراكية بشكل متدرج. وكما سنرى لاحقاً، فإن هدف كيسنجر من الوساطة السياسية مبين مصر و ( إسرائيل) هو القضاء على النفوذ السوفياتي في منطقة الشرق الأوسط، والتوصل إلى تسوية سياسية تحدث انقلاباُ جوهرياً في طبيعة الصراع العربي- الإسرائيلي، فتنتشله من سياقه الأيديولوجي، وتجعله مجرد صراع حدودي.
رابعاً: خطة الحرب المصرية السورية
1-بموجب الخطة العسكرية بين الرئيس السادات والرئيس حافظ الأسد، تم تنظيم التعاون بين القيادتين المصرية والسورية يوم (7) حزيران 1973، بمقر القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية في مدينة نصر، وهي الخطة التي غير اسمها الرمزي في سبتمبر/ أيلول 1973 إلى "خطة بدر".
لكن التفاصيل المتعلقة بالتوجيه السياسي للقوات المسلحة الصادر عن القيادة المصرية عشية الحرب، ومراسلات السادات مع كيسنجر، تكشف أن هدف السادات من الحرب لم يكن التحرير، بل تحريك الأمور للوصول إلى حل مشرف – كما أسماه- لأزمة الشرق الأوسط، في حين كان هدف الرئيس حافظ الأسد هو تحرير هضبة الجولان
لقد جاء في التوجيه السياسي العسكري للرئيس السادات، لوزير الحربية المصري القائد العام للقوات المسلحة المصرية الفريق أول أحمد اسماعيل بتاريخ 1/ 10 / 1973 ما يلي: "إن الهدف الاستراتيجي، الذي أتحمل المسؤولية السياسية في إعطائه للقوات المسلحة المصرية، وعلى أساس كل ما سمعت وعرفت من أوضاع الاستعداد يتلخص فيما يلي:
"تحدي نظرية الأمن الصهيوني، وذلك عن طريق عمل عسكري حسب إمكانات القوات المسلحة، يكون هدفه إلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر بالعدو، وإقناعه بأن مواصلة احتلاله أراضينا، يفرض عليه ثمناً لا يستطيع دفعه، وبالتالي فإن نظريته في الأمن على أساس التخويف النفسي والسياسي والعسكري، ليس درعاً من الفولاذ تحميه الآن وفي المستقبل، وإذا استطعنا بنجاح أن نتحدى نظرية الأمن الصهيوني، فإن ذلك سيؤدي إلى نتائج محققة في المدى القريب وفي المدى البعيد".
"في المدى القريب: فإن تحدي نظرية الأمن الصهيوني، يمكن أن يصل بنا إلى نتائج محققة، تجعل في الإمكان أن نصل إلى حل مشرف لأزمة الشرق الأوسط".
"وفي المدى البعيد: فإن تحدي نظرية الأمن الصهيوني، فإن تحدي نظرية الأمن الصهيوني، يمكن أن يحدث متغيرات، تؤدي بالتراكم إلى تغيير أساسي في فكر العدو وتعبئته ونزعاته".
2- حول تفاصيل للحرب:
في اليوم الأول من الحرب اقتحم مائة ألف جندي مصري قناة السويس بقوة واقتدار، وحطموا خط بارليف بدعم جوي وعبور 1000 دبابة إلى سيناء، وألحقوا بقوات الاحتلال الإسرائيلية خسائر هائلة على صعيد القتلى، وعلى صعيد تدمير الدبابات والدروع، وأسر أعداد كبيرة من قوات العدو، في حين اقتحم 35 ألف جندي سوري بكل بسالة واقتدار هضبة الجولان بدعم جوي وبمشاركة 800 دبابة، حيث تمكن الجيش السوري في اندفاعته الأولى من تحرير مساحات واسعة من الجولان، وقتل وأسر أعداد لا بأس بها من قوات العدو
وبخصوص انجازات الجيشين المصري والسوري في حرب تشرين - التي خذلها الرئيس السادات - فقد حققت الجيشان المصري والسوري في المراحل الأولى للحرب إنجازين استراتيجيين على جانب كبير من الأهمية.
- فقد تمكنت القوات المصرية من عبور قناة السويس بسهولة ملحوظة، تتناقض مع التصور الذي كان سائداً طوال السنوات الماضية، في أن عبور قناة السويس سيكلف الجيش المصري أضخم الخسائر.
- وتمكنت القوات السورية من اختراق خطوط العدو في الجولان، وأصبحت المعارك تدور في المناطق التي كان العدو يحتلها، وهو أمر نفى كثيراً من الأوهام التي كانت تشل إرادة القتال العربية.
3- حرب تحريك وليس حرب تحرير والهدف الوصول إلى تسوية مع إسرائيل:
لكن الرئيس السادات عمل على توظيف هذه الحرب بعد أيام من بدء الحرب في سياق تحريكي للتسوية، بالضد من خيارات خالد الذكر جمل عبد الناصر وبالضد من الخطة المتفق عليها مع سورية، إذ أنه في صباح يوم 7 أكتوبر- تشرين أول 1973، ولم يكن مضى على المعارك أكثر من عشرين ساعة، والقوات المسلحة المصرية والسورية، تحقق الانتصارات الساحقة وفي خطوة مفاجئة بعث السادات، برسالة سرية إلى وزير خارجية الولايات المتحدة هنري كيسنجر، وقد وقعها حافظ إسماعيل – مستشار الرئيس للأمن القومي، يشرح فيها السادات نيات مصر وأهدافها من خوض الحرب، جاء فيها بالنص في البند رقم (6) من الرسالة : "إننا لا نعتزم تعميق مدى الاشتباكات أو توسيع نطاق المواجهة.
4- القتال قبل منطقة الممرات وثغرة الدفرسوار
لقد أصدر السادات تعليماته للجيش المصري في اليوم الثالث للحرب، بالتوقف على مسافة كيلومترات محدودة من القناة، دون الوصول لمنطقة الممرات الاستراتيجية وتحريرها، زاعماً أنه ليس بوسعه محاربة أمريكا، ومتجاهلاً حقيقة أن الاتحاد السوفياتي - عض على جرح خيانة السادات له إثر طرده الخبراء الروس – أمد مصر في العاشر من أكتوبر بأكبر جسر جوي عسكري في تاريخه، وقبل يومين من بدء الجسر الجوي الأمريكي بالإمدادات العسكرية (لإسرائيل).
كما أن توقف الجيش المصري عن التقدم بناء على تعليمات السادات، سهل مهمة جيش العدو بإرسال قوات الاحتياط وغيرها إلى الجبهة السورية، ما مكن قوات العدو من استعادة المناطق التي حررها الجيش السوري في اندفاعته الأولى. وعندما عادت القوات المصرية للتحرك في 14 أكتوبر (تشرين أول)، كان تقدير القيادات العسكرية التي خذلها السادات، بأنها غير ممكنة النجاح- بشن هجوم ثان، وأن ما كان متاحاً لمصر أن تنجزه يوم 7 أكتوبر- تشرين أول، لم يعد متاحاً لها أن تنجزه يوم 14 أكتوبر، وذلك بعد أن أتيحت الفرصة للعدو الصهيوني من استجماع قواه جراء توقف الجيش المصري لمدة خمسة أيام عن القتال قبل منطقة الممرات، وبعد أن تخلص من أثر الصدمة الأولى مستفيداً من الجسر الجوي الأمريكي.
لكن التطور الخطير حدث يوم 16 أكتوبر- تشرين أول 1973 عندما بدأت عملية "ثغرة الدفرسوار"، التي قادها الجنرال الإسرائيلي إرئيل شارون، وهي عملية اختلفت أساليب تعامل القيادة السياسية والعسكرية المصرية معها من يوم لآخر، على نحو أتاح اتساع الثغرة، إلى حد قلب النتائج العسكرية، وسلب الانتصار العسكري العربي، الذي تحقق في الأيام الثلاثة الأولى، حين رفض الرئيس السادات خطة رئيس الأركان "سعد الدين الشاذلي"، بإفشال ثغرة الدفرسوار وتدميرها، عندما قلل الرئيس السادات من أمرها، واعتبرها مجرد تسلل قامت به ثلاث دبابات إسرائيلية إلى الضفة الغربية لقناة السويس، ثم اعتبارها- مع اتساع نطاقها- مجرد عملية انتحارية إسرائيلية، وتفسيرها من قبله بعد ذلك بأنها "حركة سيكولوجية" الهدف منها رفع معنويات الإسرائيليين والتأثير على المعنويات العربية.
لكن تبين بعد ذلك، أن العملية هي على درجة من الخطورة العسكرية، بحيث حاصرت الجيش المصري الثالث على الضفة الشرقية من القناة، وحاصرت مدينة السويس وجعلتها معرضة للسقوط لولا المقاومة الشعبية، وأدت لاحقاً إلى بدء مفاوضات (الكيلو متر 101) بين الجانبين المصري والإسرائيلي برعاية أمريكية.
5-وقف إطلاق النار والاستسلام لدبلوماسية كيسنجر
لقد استسلم السادات لدبلوماسية كيسنجر، واتخذ قراره وقبل بوقف إطلاق النار دون شرط انسحاب كلي أو جزئي، ولا حتى بدون شرط انسحاب القوات الإسرائيلية من الضفة الغربية من قناة السويس، ولا بشرط فك الحصار عن الجيش المصري الثالث، وصدر قرار وقف إطلاق النار من مجلس الأمن يوم 22 أكتوبر- تشرين أول 1973، لتبدأ مرحلةً جديدة لا تزال مستمرة حتى الآن، مرحلةً انفردت فيها الدبلوماسية الأمريكية بصورة شبه مطلقة لتشكيل النتائج السياسية لحرب أكتوبر، معتمدةً في البداية على تعزيز ( إسرائيل ) لمواقعها العسكرية على الجبهة بعد وقف إطلاق النار، ومعتمدةً بعد ذلك على توقف عسكري مصري نهائي وعلى دور مكنها، من أن ترسم بنفسها تقريباً السياسة الخارجية لمصر في خطوطها الرئيسية بل وفي بعض التفصيلات، حتى لقد بدا في وقت من الأوقات أن هنري كيسنجر أصبح المستشار السياسي للرئيس السادات، الأمر الذي أعطى للعلاقات المصرية- الأمريكية منذ ذلك الحين صورة "تحالف بين القاهرة وواشنطن، قائم على الصداقة بين كيسنجر والرئيس المصري أنور السادات".
خامساً: الاتفاقات التي وقعها السادات مع الكيان الصهيوني
وفي ضوء توظيف السادات الحرب، في سياق تحريكي للتسوية مع العدو الصهيوني كانت الاتفاقيات التالية بتوجيه من كيسنجر وهي: اتقاف النقاط الست ( الكيلو متر 101) واتفاقية سيناء (1) وملحقها السري واتفاق سيناء (2) وملاحقها السرية، التي حجمت وجود الجيش المصري في سيناء، وأطلقت يد العدو في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث شكلت هذه الاتفاقات المحطة المركزية للولوج في معاهدة كامب ديفيد مع الكيان الصهيوني عام 1978، التي أخرجت مصر من معادلة الصراع مع العدو الصهيوني، وهنا نتوقف بشكل مكثف لهم ما جاء في هذه الاتفاقيات
أولاً-اتفاق النقاط الست في موقع الكيلو (101) الذي أرسى أول مفاوضات مباشرة بين الجانبين المصري والإسرائيلي بترتيب من كيسنجر، وينص الاتفاق على التزام الطرفين بوقف إطلاق النار الذي دعا إليه مجلس الأمن، وأن تبدأ المحادثات فوراً بين الطرفين بهدف تسوية مسألة العودة إلى خطوط 22 أكتوبر ضمن خطة لاتفاق لفك الاشتباك وفصل القوات تحت إشراف الأمم المتحدة، أن تحصل مدينة السويس على إمدادات يومية من الطعام والماء والأدوية ونقل الجرحى منها، لا تفرض أي عوائق تمنع نقل إمدادات غير عسكرية إلى الضفة الشرقية للقناة، تحل مراكز تفتيش تابعة للأمم المتحدة محل المراكز الإسرائيلية على طريق القاهرة – السويس، وحالة أن تتم إقامة نقاط التفتيش التابعة للأمم المتحدة على طريق القاهرة - السويس يبدأ تبادل أسرى الحرب بمن فيهم الجرحى.
وكان اتفاق الكيلو (101) قد فتح شهية كيسنجر لحصد كم هائل من التنازلات من السادات فقد طرح هنري كيسنجر مفهومه للمؤتمر الدولي وفق الشروط الأمريكية، بإشراك كل الأطراف حسب إشارة واردة في نص القرار 338، واستجاب السادات في الاجتماع الأول بينه وبين كيسنجر في السابع من تشرين ثاني (نوفمبر ) 1973 لكل طلبات واشتراط الأخير، بما فيها نقاط غير واردة في اتفاق الكيلو 101، نذكر منها: الموافقة على إظهار استعداد مصر لقبول حل منفرد مع ( إسرائيل) إذا لم تنجح في إقناع حلفائها العرب بضرورة الحل / الموافقة على إخراج السلاح السوفياتي من معادلة القوة في المنطقة/ والموافقة على التنسيق الكامل مع الولايات المتحدة لتحقيق صلح عربي- إسرائيلي شامل / الموافقة على رفع الحصار البحري الذي فرضته مصر على باب المندب / التجاوز عن شرط عودة إسرائيل إلى خطوط 22 أكتوبر- تشرين أول التي صدر عندها وقف إطلاق النار، والقفز مباشرةً إلى اتفاقية لفك الاشتباك بين الجيشين يجري التفاوض على تفاصيلها/والموافقة على تسليم الأسرى الإسرائيليين.
وفي ضوء هذه التنازلات، طلب الرئيس السادات من هنري كيسنجر، أن تقوم الولايات المتحدة بتحمل مسؤولية أمنه في مصر على المستويين الشخصي والعام، فهو بهذه التنازلات التي قدمها على طريق حل، تصور أن الولايات المتحدة تمتلك 99 في المائة من أوراقه – كما قال- وضع نفسه عرضةً لمخاطر شديدة، وفي أجواء مجهولة تتخطى إمكانياته في حماية نفسه.
ثانياً: اتفاق فصل القوات الأول (سيناء1) بتاريخ 8 يناير (كانون الثاني) 1974
لقد تضمنت هذه الاتفاقية بنوداً مهينة لفصل القوات وأخطر ما فيها أنها نصت على امتناع الطرفان منذ لحظة توقيع الاتفاقية، عن جميع الأعمال العسكرية وشبه العسكرية التي يقوم بها طرف ضد الآخر، وأنها تمثل خطوة أولى نحو سلام نهائي عادل ودائم تنفيذاً لأًحكام قرار مجلس الأمن رقم 338 وفي إطار مؤتمر جنيف (الذي لم ينعقد مرةً أخرى)، وأنها حددت حجم القوات المصرية المتواجدة في سيناء بأرقام هزيلة جداً.
وقد أذهل الفريق الجمسي من تفاصيل الاتفاق، وكان التعليق الأول له قبل أن تظهر دموعه هو قوله: "إننا عبرنا بقوة جيشين بقوام 150 ألف رجل و1200 دبابة و 2000 قطعة مدفعية والآن هل يعقل ألا استبقي من هذه القوات إلا (10) آلاف جندي مصري بدلاً من 150 ألف جندي، و 35 دبابة بدلاً من 1200 دبابة.. الخ.
ثالثاً -- اتفاق فصل القوات الثاني (سيناء 2)
توصل كيسنجر مع الرئيس السادات، إلى اتفاق ثان لفك الارتباط في أغسطس (آب) 1975
وكان هذا الاتفاق مذلاً ومهيناً، وأخطر في شروطه من الاتفاق الأول، وبمقتضى التعهدات السرية التي ألحقت به، - وعددها 12 تعهداً- فإن الرئيس السادات تعهد بصلح منفرد بين مصر وإسرائيل، كما تعهد بالتعاون مع الولايات المتحدة لإخراج الاتحاد السوفياتي ليس من العالم العربي فحسب، بل من إفريقيا أيضا. وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فقد قبل السادات منطق ألا تعترف إسرائيل ولا تتصل بمنظمة التحرير الفلسطينية، إلا إذا قامت هذه المنظمة مسبقاً بالاعتراف بقراري 242 و 338. كما كانت هناك تعهدات أخرى، من بينها:
-تعهد بالامتناع عن استعمال الوسائل العسكرية في الصراع العربي الإسرائيلي / الالتزام بمنع أي أعمال عسكرية أو شبه عسكرية ضد إسرائيل من الأراضي المصرية/ أن تمتنع الصحافة المصرية وكل سائل الإعلام المصرية عن توجيه حملات كراهية لإسرائيل/ أن يبدأ تقليص المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل تدريجياً دون انتظار لموقف عربي عام/ أن تظل أحكام اتفاقية فك الارتباط (2) وملحقاتها السرية إلى أن تحل محلها اتفاقية أخرى بالمفاوضات.
خلاصةً: يمكن أن نسجل ما يلي
1- أن السادات في حرب تشرين انقلب بشكل مطلق على الخطة التي وضعها الرئيس حمال عبد الناصر، وانقلب على الخطة المتفق عليها مع الرئيس السوري حافظ الأسد وخان الأهداف المتفق عليه مع شريكه في الحرب.
2-أن حرب تشرين من منظور السادات كانت حرب تحريك وليس حرب تحرير وأن الهدف منها هو الوصول إلى تسوية مع الكيان الصهيوني.
3-أن الاتفاقات السابقة الموقعة بين مصر وإسرائيل في تلك المرحلة، وما تضمنته تنازلات مهينة، لم تعكس الانتصارات العسكرية الهائلة التي حققها الجيش المصري في الأيام الأولى للحرب.
4- أن البعد السياسي للحرب من منظور السادات ارتبط مسبقاً بالإملاءات الأمريكية والسعودية.
5- أن الاتفاقات التي وقعها السادات إبان حرب تشرين وبعدها بعامين كانت في أدق تفاصيلها مقدمة لاتفاقيات كامب ديفيد 1978، من حيث الاعتراف بالكيان الصهيوني وتحجيم الوجود العسكري المصري في سيناء، والتخلي عن القضية الفلسطينية، والخروج من الصراع العربي الصهيوني، والتخلي عن التحالف مع الاتحاد السوفياتي، والانتقال إلى خانة التبعية المطلقة للولايات المتحدة.
واللافت للنظر أن البعض في الساحة الفلسطينية قرأ نتائج الحرب بصورة مغلوطة أو مقصودة، وبنى عليها أوهاماً بشأن إقامة سلطة وطنية في الضفة والقطاع وفق برنامج النقاط العشر المسمى زوراً وبهتاناً ب (المرحلي).
مراجع
1- مجدي حماد، السادات وإسرائيل "صراع الأساطير والأوهام"، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، مارس- آذار 2019.
2- محمد حسنين هيكل، أكتوبر 73، السلاح والسياسة، القاهرة، مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1993.
3- نصير حسن عاروري، أمريكا الخصم والحكم – دراسة توثيقية في "عملية السلام" ومناورات واشنطن منذ عام 1967، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، أغسطس / آب 2007.
4- خليل ابراهيم حسن الزوبعي، حرب تشرين أول(أكتوبر) 1973، وجهة نظر عربية، الفصل الرابع من حرب تشرين، وجهات نظر وتحليل، بيت الحكمة، بغداد، ط1، 2002.
5- مدحت أبو الفضل، كنت نائباً لرئيس المخابرات، القاهرة، مؤسسة الأهرام، 2016.
6- انظر: أنور السادات، البحث عن الذات، قصة حياتي، القاهرة، المكتب المصري الحديث، 1972.
7- الجمسي، حرب أكتوبر: مذكرات الجمسي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2018.
8- محمد حسنين هيكل، المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل، الكتاب الثاني، دار الشروق، 2009.
9- محمد حسنين هيكل، الطريق إلى رمضان، بيروت، 1975.
10- جمال سلامة علي: كتاب "من النيل إلى الفرات.. مصر وسوريا وتحديات الصراع العربي الإسرائيلي" الناشر: دار النهضة العربية، 2003.
11- طاهر عبد الحكيم، حول حرب تشرين والتسوية الأميركية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت، ط.1، 1976.

