Menu

٢٩ عامًا على اتّفاق أوسلو

حاتم استانبولي

نشر هذا المقال في العدد 42 من مجلة الهدف الإلكترونية

سبتمبر من كلّ عامٍ يعيدُ للذاكرةِ الفلسطينيّة العديدَ من النكباتِ والمجازرِ والأحداثِ السياسيّة التي كان لها تأثيرٌ عميقٌ على قضيّة الشعب الفلسطينيّ، ومن أبرزها معاهدةُ إعلان المبادئ أو ما يعرف باتفاقيّة أوسلو، هذه الاتفاقيّة التي غيّرت جوهر ومنحى النضال الوطني الفلسطيني، التي لم تأتِ من فراغٍ بل جرى التحضير لها على الصُّعد الداخليّة الفلسطينيّة والعربيّة والدوليّة كافةً من خلال إزاحة وتطويع وتحييد وتدمير العوائق التي كان من الممكن أن تجهضها من الناحية السياسيّة والفكريّة والحقوقيّة والقانونيّة والماليّة والديمقراطيّة.

إعلانُ المبادئ (اتفاق أوسلو) أورد بشكلٍ واضحٍ هدفَ التفاوض الذي يجب أن يفضي إلى تنفيذ قراري مجلس الأمن ٢٤٢ و٣٣٨، بعد الانتهاء من المرحلة الانتقاليّة التي حددت بخمس سنوات، يكون خلالها قد نفذت سلطة الحكم الذاتي الفلسطينيّة ما التزمت به في بنود الاتفاق، وخاصّةً ما يتعلّق بمحاربة الإرهاب، وإلزام بقيّة الفصائل في منظّمة التحرير الفلسطينيّة باتفاق أوسلو وما يترتّب عليه سياسيًّا وأمنيًّا. إنّ المدقق باتفاق أوسلو١ وما تبعه من اتفاقات أوسلو ٢ الذي وقع في مدينة طابا المصرية وتلاه التوقيع الرسمي في واشنطن في ٢٨ سبتمبر ١٩٩٥؛ يلاحظ أن إطار الاتفاقات ونصوصها قد وضعت وتم صياغتها بإحكام بما يخص الحقوق الإسرائيلية الأمنية والاستيطانية، ويلزم السلطة الفلسطينية بأن تمارس دورا تمليه المصالح الأمنية الإسرائيلية التي تسقط جوهر الحقوق الوطنية والسياسية والقانونية والتاريخية والإنسانية للشعب الفلسطيني.

بعد ٢٩ عاما على الاتفاق والسلوك اليومي الميداني للاحتلال الإسرائيلي؛ توضح أن اتفاق إعلان المبادئ أوسلو ١ واتفاق أوسلو ٢ حققا التالي:

أولًا: سياسيًا وحقوقيًا وقانونيًا

١- أخذت إسرائيل الاعتراف السياسي والحقوقي والقانوني الذي أجهض الحق الفلسطيني السياسي الذي يؤدي إلى الاستقلال الوطني.

٢- تحويل منظمة التحرير الفلسطينية من إطار لِحركة التحرر الوطني الفلسطيني إلى إدارة مدنية (سلطة وطنية) لتجمعات سكانية منفصلة ومتناثرة.

٣- تحويل دفة الصراع من صراع لنيل الحقوق الوطنية لصراع حول أحقية يهودية الدولة وإلغاء أية فكرة حول الحق الوطني الفلسطيني السياسي في تقرير المصير.

4- أوسلو ١ و٢ أسقطا قراري الأمم المتحدة ١٨١ الذي ينص على اقامة دولتين يهودية وعربية و١٩٤ الذي يعطي حق العودة للفلسطينيين الذين هجروا عام ١٩٤٨ ويعوضهم عن حقوقهم، حيث أن الفئة الفلسطينية التي فاوضت أسقطت عن وعي هذان القراران الرئيسيان اللذان يعترفان بالحق الفلسطيني في إقامة الدولة أو حق العودة والتعويض؛ فتغييب ذكر هذان القراران دفع مندوب إسرائيل بدعم أمريكي لطرح انتهاء المبررات لاستمرار وكالة الأونروا التي شُكلت عقب جريمة النكبة الشاهد القانوني الدولي الوحيد على الجريمة الصهيونية - البريطانية بحق الشعب الفلسطيني.

5- اتفاق أوسلو أخرج القضية الفلسطينية من إطار الحل القانوني الدولي إلى إطار الحل الثنائي تحت الرعاية الأمريكية التي تعلن انحيازها الحاسم للموقف الإسرائيلي.

6- اتفاق أوسلو ١و٢ غيرا جوهر الصراع في المنطقة من صراع وطني تحرري إلى صراع ذات طابع ديني باتجاهات مختلفة ومتعددة داخلية وخارجية ورسم تحالفات جديدة قائمة على أساس التمحور المذهبي والديني.

7- اتفاق أوسلو ١و٢ شرعا اتفاقيات كامب ديفيد، لتكون مدخلا وخريطة طريق لاتفاقات إبراهام، وهي التي دفعت النظام الأردني للسرعة في توقيع اتفاقية وادي عربة التي أراد منها رسم حدوده الدولية بناء على الاستحقاق الذي سينتج عن اتفاقات أوسلو ١ و٢.

8- اتفاقات أوسلو ١و٢ كشفت الشعب الفلسطيني وتركته وحيدا في مواجهة آلة القمع والقتل العدوانية الإسرائيلية واعطت المبررات القانونية للاحتلال الاسرائيلي للاغتيال الميداني والاعتقال والمداهمات والهدم ومصادرة الأراضي؛ تحت مبررات مكافحة الإرهاب الفلسطيني الذي ورد بإلزام أجهزة السلطة الفلسطينية بالتعاون مع الاحتلال في مواجهة الأعمال الإرهابية التي تستهدف المستوطنين والجيش الإسرائيلي. ولم يتطرق الاتفاق إلى حماية الشعب الفلسطيني من السياسات الإجرامية للاحتلال الإحلالي التي تمارس يوميا ضد الشعب الفلسطيني.

قد يعد البعض أن الإنجاز الفلسطيني تمثل في تحقيق شكل سياسي أقل من دولة وأوسع من حكم ذاتي؛ ضمن الرؤية الشاملة للحل الذي تسمح فيه اتفاقيات أوسلو ١ و٢ التي وضعت إطارا للحل يقوم على أساس قراري ٢٤٢ و٣٣٨، في حين أن هذان القراران لا يؤهلان منظمة التحرير الفلسطينية قانونيا أن تكون طرفا في الحل النهائي؛ كونها ليست طرفا في حرب حزيران ١٩٦٧ أو حرب تشرين ١٩٧٣، ولكن يمكن أن يكونا مدخلا للحل في إطار اتفاقية شاملة مع النظم العربية.

لقد وضع الاتفاق السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية في مواجهة يومية مع الشعب الفلسطيني وأفقدها دورها الوطني في حماية شعبها الذي يواجه آلة القتل والتدمير والتهجير والاعتقال اليومي.

ثانيًا: اقتصاديًا وماليًا

الاتفاق الاقتصادي الذي عرف باتفاق باريس ربط السلطة الفلسطينية والاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي ومنح إسرائيل الحق في مراقبة وتوجيه الأموال، في حين أن تمويل السلطة حُصِرَ بالمساعدات الأوروبية والعربية والأمريكية التي معظمها كان يوجه لبناء القوى الأمنية وتمويل رواتب موظفي السلطة الفلسطينية وبعض مشاريع البنية التحتية.

أما عن أموال الرسوم الجمركية والضرائب، فهي تخضع للرقابة الإسرائيلية ويتم تمريرها أو حجبها بناء على الحالة السياسية ومدى تعاون السلطة وأجهزتها مع الاحتلال الإسرائيلي أو للابتزاز والإخضاع أكثر، وكل الأموال خارج هذه القنوات تعتبر أموال غير شرعية هدفها دعم الإرهاب الفلسطيني.

إن الاتفاق الاقتصادي منح إسرائيل الحق في مراقبة البضائع والأموال الفلسطينية وأخضعها للمرور عبر المعابر التي يسيطر عليها وأعطاها الحق لتصنيف البضائع بما يتلاءم مع متطلباتها الأمنية، إلى جانب التدفقات المالية إن كانت عبر تحويلات مالية أو مشاريع للبنية التحتية أو مساعدات لبعض مراكز الدراسات التي معظمها ساهم في الترويج لقبول ما نتج عن أوسلو ١ و٢، حيث ساهمت هذه الأموال في تشكيل فئات منتفعة؛ عملت على المساهمة في محاولات تغيير الوعي الجمعي الفلسطيني لتقبل ما اتفق عليه في أوسلو من مبادئ واتفاقيات، وهذه الفئات أصبحت تشكل قوة ضاغطة عابرة للمجتمع الفلسطيني وقواه السياسية مصلحتها الرئيسية مع استمرار السياسة السائدة منذ ٢٩ عاما أو أبعد من ذلك أيضًا.

ثالثًا: الفكرية والديمقراطية

لقد كان الحوار الفلسطيني الداخلي حول مَرحلية النضال التحرري الفلسطيني؛ مدخلا التقطه اليمين الفلسطيني والعربي لوضع أسس الحل الفلسطيني ضمن استراتيجية النظام العربي الذي شجع القيادة اليمينية الفلسطينية على إقرار البرنامج المرحلي وقبول قرار الأمم المتحدة ٢٤٢ الملتبس في تفسيراته للانسحاب. إن عدم الاتفاق الفلسطيني على مفهوم المرحلية وارتباط تحقيقها في ميزان القوى الذي يحقق الاستقلال الوطني الفلسطيني؛ أدى إلى توقيع اتفاق أوسلو في أسوأ فترة سياسية فلسطينية وعربية ميزان القوى حينها كان محسوما لصالح إسرائيل وحلفائها.

بالرغم من أن لغة الحوار بين فصائل العمل الوطني الفلسطيني كانت هي السائدة، لكن اتفاق أوسلو لم يراعِ في إقراره؛ ضرورة الحوار الديمقراطي بين فصائل العمل الوطني، بل وقع وفرض بطريقة لا ديمقراطية وتم تغيير الأسس الفكرية والسياسية الفلسطينية بما يتلاءم مع إعلان مبادئ أوسلو.

بعد ٢٩ عاما من اتفاق أوسلو ١و٢ وباعتراف الطرف الفلسطيني الذي وقع الاتفاق؛ أن الإسرائيلي أخذ من الاتفاق ما يخصه وتراجع عن التزاماته المنصوص عليها في اوسلو ١ و٢.

وبعد ٢٩ عاما لم يستطع الاحتلال الاسرائيلي أو الفئة الفلسطينية التي تدعم الاتفاق من فرضه على الشعب الفلسطيني، بل الاتفاق خسر قوى شعبية وسياسية؛ كانت ترى فيه بارقة أمل لتحقيق الاستقلال الوطني.

وبعد ٢٩ عاما اكتشف الجميع أن إسرائيل استخدمت اتفاق أوسلو كجسر لاختراق المجتمعات العربية ومبررا للنظام الرسمي العربي، لإعلان علاقاته وتطبيعها العلني مع إسرائيل، بل ذهب بعضها إلى توقيع اتفاقات؛ تحت يافطات مضللة استخدمت فيها الشعارات الدينية لأهداف سياسية لتشريع تطبيعها وفرض ما يعرف بصفقة القرن من خلال البوابة العربية.

إن المدقق في بنود صفقة القرن يكتشف أنها بنيت على أساس اتفاقات أوسلو ١و٢، حيث تم توسيع وتفصيل المفاهيم والمبادئ التي وردت في اتفاقات أوسلو وفصلت الشروط وربطت مع التفاهمات واتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة وابراهام. والاستثمار الذي وَظفته إسرائيل من أجل تطوير مخرجات مؤتمر بئر السبع في آذار ٢٠٢٢، الذي ضم كل من المغرب والإمارات والبحرين و مصر والولايات المتحدة وإسرائيل، هو استثمار لتنفيذ بنود صفقة القرن.

كذبة الرفاهية والازدهار

ترافق توقيع اتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة وأخيرًا إبراهام بترويج شعارات الرفاهية والازدهار والسلام، ولكن بعد ٢٩ عاما؛ نرى أن هذه الاتفاقيات كانت سببا في ازدياد حالة الفقر وارتفاع المديونية وانعدام الحياة الديمقراطية التي أصبح معيارها هو مدى التماهي والتوافق مع المحتل الإحلالي الإسرائيلي.

وعلى مدار 29 عاما؛ أثبت الشعب الفلسطيني أن خياره هو مقاومة الاحتلال، بهدف تحقيق استقلاله الوطني بعيدا عن اتفاقات أوسلو التي شكلت عامل انقسام وعدم المساواة وتعميم حالة الإحباط ومدخلا لتغيير وجهة وجوهر الصراع، من صراع على الحقوق الوطنية والتاريخية إلى صراع يأخذ أبعادا دينية وطائفية ومذهبية، وكانت سببا في فك الحصار عن سياسات كامب ديفيد.

إن إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني القائم على أسس وطنية وحدوية هو العامل الحاسم في إعادة الجوهر الوطني للصراع؛ بعد أن تبين بأن إسرائيل هي التعبير الأبرز لِعدوانية ووحشية النظام الرأسمالي الإمبريالي، وكذلك فإن ما يجمع إسرائيل مع بعض النظم العربية الجوهر المعادي للحرية والديمقراطية والمساواة، حي أن استخدام هذه الشعارات من قبلهم هو للتضليل وأكبر دليل هو تحديد معيار قبولهم أية حركة أو تحرك أو لقاء على أساس موقفه من إسرائيل العدوانية، وليس على أساس حقيقة خيارات شعوب المنطقة التي أعلنت في أكثر من مناسبة عن خيارها الرافض لإسرائيل العدوانية الإحلالية والتطبيع معها.

من الواضح أن العالم يتغير وإعادة تموضع النظام العالمي يتم بما لا يتوافق مع المصلحة الإسرائيلية، وعلى القوى الفلسطينية قراءة المشهد بدقة للاستثمار في الولادة الجديدة للنظام العالمي الجديد.