قامتْ نظريّةُ الحدودِ الآمنة أو الحدود الأمنيّة الإسرائيليّة على أساس تحقيق مصالح إسرائيل العسكريّة والاقتصاديّة، التي تستطيع من خلالها التحكّم بدول المنطقة سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا؛ بريًّا وبحريًّا وجويًّا؛ ومن هنا تزايدت الأطماعُ الإسرائيليّة في المقدّرات الطبيعيّة للبلاد العربيّة يومًا بعد يوم، فمنذ إقامتها كيانًا غاصبًا على أرض فلسطين، كشفت عن مساعيها للسيطرة على تلك المقدرات، التي تجعل منها صاحبةَ قرارٍ في المحيط الإقليمي، فكما كانت المياه محورًا استراتيجيًّا في الفكر الصهيوني، منذ بدء التفكير بإقامة هذا المشروع الاستيطاني الإحلالي، ظهرت الأطماع الإسرائيليّة في السيطرة على ما تجود به الأرض من خيرات، وما تدفقه البحار من ثرواتٍ ومقدرات، هي من حقّ الشعوب العربيّة؛ لتؤكّد دومًا أنّها ما زالت مشروعًا استعماريًّا.
بعد أن فرضتْ إسرائيلُ وجودَها على المنطقة العربيّة، تحاولُ اليوم ترسيم حدودها مع الدول العربيّة، وكأنّها دولةٌ حقيقيّةٌ صاحبة أرض، ولم تكن الحدود البريّة تعني إسرائيل، بقدر ما تعنيها الحدود البحريّة التي مثّلت هدفًا استراتيجيًّا لها، فالبحرُ المتوسّط بالنسبة لها مصدر قوّةٍ وعمق استراتيجي تحقق من خلاله الوجود الإقليمي والسيادة الدوليّة، ويمنحها التفوّق النوعي في مجال الملاحة، وجاء اكتشاف حقول الغاز في البحر المتوسط، ليزيد من أطماعها التوسعيّة، فهي دولةٌ شحيحةُ الموارد الاقتصاديّة، فسيطرت في السابق على حقول الغاز في سيناء، وتسعى اليوم للسيطرة على حقلي غاز كاريش وقانا في لبنان، للتفرغ بعدها لحقل غاز مارين على شواطئ قطاع غزة.
سارعت دولة الاحتلال لترسيم الحدود مع دولة لبنان، التي لا تربطها معها أية علاقات دبلوماسية مباشرة، وعملت عبر "وسيط دولي" لفرض رؤيتها للحدود البحرية مع الجبهة الجنوبية، وتأمين تواجدها في البحر المتوسط، وجاء اكتشاف حقل كاريش للغاز، الذي يقع على بعد 90 كم من مدينة حيفا، الذي تعده لبنان يقع ضمن المنطقة البحرية المتنازع عليها مع دولة الاحتلال، ليغير أبعاد المسالة، أي أن اكتشاف الحقل، والخلاف عليه أسهم في عرقلة قضية ترسيم الحدود البحرية بينهما، حيث ترى لبنان أن استغلال حصتها من غاز كاريش قد يسهم في تخفيف الواقع الاقتصادي الذي تعاني منه الدولة، ولذلك ترفض التنازل عن حقوقها فيها لما يمثله من بارقة أمل ليست اقتصادية فحسب، بل سياسية أيضاً.
رفضت لبنان الادعاءات بوجود تنقيب مشترك مع إسرائيل، في الوقت الذي وضعت فيه الأخيرة سفن ومنصات استخراج الغاز والنفط على الحدود البحرية مع لبنان، وادعت أن تلك المنصات تقع ضمن منطقتها الاقتصادية البحرية، واعتبرت لبنان أن ذلك يمثل اعتداء على ثروات لبنان لا ينبغي الصمت عليه، وعليه توقفت أعمال الترسيم للحدود بين الطرفين بعد التعنت الإسرائيلي الرافض للمقترح اللبناني بإضافة مساحة 1430 كيلو مترا إلى حدودها تشمل أجزاء من حقل كاريش، عرفت بخط 29بحرياً.
إسرائيلياً جاء اكتشاف حقل كاريش في ظل تفاقم الأزمات الداخلية في إسرائيل، حيث التوجه نحو انتخابات برلمانية خامسة في أقل من أربعة أعوام، وفشل الائتلاف الحكومي في الصمود، تزامنا مع مشهد إقليمي أقل ما يقال أنه مشهد معقد جعل دولة الاحتلال تتجه لإرجاء التنقيب استخراج الغاز إلى ما بعد شهر سبتمبر الحالي. يذكر هنا أن بداية التفاوض برعاية الأمم المتحدة عام 2011م، ووفق خرائط موثقة من الطرفين لدى الأمم المتحدة كانت على مساحة الحدود 860 كيلوا مترا مربعاً، المعروف بخط حدودي رقم 23، الذي اعتبرته دولة الاحتلال خطاً رسمياً لمنطقتها الاقتصادية البحرية، بينما عدت خط 29 خطا للتفاوض، وهي المساحة التي تطلب لبنان بتوسيعها لتشمل حقل كاريش، ومع ذلك تحاول إسرائيل بمساعدة "الوسيط" الأمريكي التوصل إلى اتفاق لترسيم الحدود بين الطرفين يتضمن تنازلاً إسرائيلياً عن مقطع داخل البحر، يقابله تنازل لبناني عن منطقة أكثر قرباً من الساحل.
يمثل حقل كاريش اليوم محطة أخرى من محطات الاشتباك مع حزب الله، الذي هدد بالتحرك حال قامت إسرائيل بأي عمل ضمن المياه الإقليمية اللبنانية، وسبق أن أسقطت إسرائيل طائرات مسيرة تتبع لحزب الله في شهر تموز الماضي، وقد هدد حسن نصر الله في حينه بضرب منصات الغاز إذا استمرت إسرائيل بالتنقيب في الحقل، الأمر الذي لم تلقِ له إسرائيل بالاً، وأبدى وزير الدفاع الإسرائيلي غانتس، ووزيرة الطاقة كارين الهرار، استعداد إسرائيل لأي سيناريو عسكري ضد لبنان حال استهداف منصاتها حول حقل كاريش أو حقل صيدون المعروف في لبنان باسم حقل قانا، وأعلنت الحكومة الإسرائيلية أن عمليات استخراج الغاز جاهزة للانطلاقة، أي أن إسرائيل تتحدث عن حقلان للغاز وهو يعني تقوية أركان إسرائيل الاقتصادية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.
تصر إسرائيل بأن حقل كاريش إسرائيلي بحت حسب وصف وزيرة الطاقة الإسرائيلية التي ادعت بوجود تعاون وشراكة استراتيجية إسرائيلية مصرية، مع الاتحاد الاوروبي ليتم تسييل الغاز في مصر ومن ثم نقله لدول أوروبا، كونها لا تملك أنابيبا مباشرة للنقل إلى أوروبا، ووجود الشراكة الاستراتيجية مع مصر سيسهل لها الأمر، ثم أن ملف غاز المتوسط من شأنه أن يفتح لها علاقات دبلوماسية واقتصادية مع دول عربية أخرى مجاورة، ويوسع نطاق التجارة الإسرائيلية داخل الاتحاد الأوروبي أيضاً، وترفض وضع ملف حقل كاريش ضمن أية مفاوضات، واستعدادها بالدفاع عنه عسكريا إن تطلب الأمر.
تحاول إسرائيل فرض أمر واقع على لبنان بعدم ربط استخراج الغاز من حقل كاريش بمفاوضات ترسيم الحدود، حيث أن التحضيرات لضخ الغاز قائمة وبشكل طبيعي، خاصة بعد أن كثفت من أنظمة الدفاع المتعددة حول منصة الغاز ووضع أجهزة استشعار خاصة، ومحاولة الإسراع من عمليات التنقيب – التي لم تحدث حتى تاريخ كتابة المقالة- كونه يمثل خطوة إسرائيلية لتخفيف أزمة الطاقة العالمية، كي تمتلك قدر من احتياطيات الغاز، مما يعطيها ضمان لمستقبل الطاقة في إسرائيل، ويمنحها مكانة اقتصادية وسياسية لا يمكن التخلي عنها بسهولة، حتى مع وجود الوساطة الأمريكية برئاسة عاموس هوخشتارين الذي اقترح على لبنان التخلي عن المطالب بحقوقها في حقل كاريش، مقابل تخلي إسرائيل عن مطالبها في حقل قانا للغاز الممتد على المناطق الاقتصادية البحرية للطرفين.
أزمة تلو أزمات تفتعلها إسرائيل مع الدول العربية، فلم يعد العصر عصر الحروب المباشرة، والاجتياحات العسكرية البرية والبحرية، اليوم نحن أمام حروب المياه والغاز، يتم خلالها ترويج لحقوق مائية ونفطية في المياه الإقليمية العربية، وهي تدرك جيداً أنها تعمل على ضرب حالة الهدوء مع لبنان وجر حزب الله والشعب اللبناني ككل إلى ما يشبه مقدمات الحرب، ولكن مع عدم الاقتراب من الحرب أكثر، تدرك حكومة تيسير الأعمال برئاسة يائير لابيد، أن أي مواجهة مع حزب الله قبل الانتخابات الإسرائيلية المزعم عقدها في 1 نوفمبر المقبل، مجازفة سياسية وانتحار سياسي للابيد، ويدرك المستوى العسكري الإسرائيلي، أن تلك المواجهة – حال حصلت - تختلف عما جرى مع حركة الجهاد الإسلامي في الحرب الأخيرة على قطاع غزة، من كافة النواحي سواء القوة والمدة، أو حجم الاستهداف للجبهة الداخلية الإسرائيلية وقدرة حزب على توسيع نطاقها الجغرافي حال وقوعها، عربياً وإقليميا، ولذلك تعمل إسرائيل على التباطؤ في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع للبنان، واللعب على وتر استنزاف الوقت وتأجيلها كونها لم تتخذ بعد قرار حاسم بشأنه، فإسرائيل تراهن في الوقت الحالي على مرحلة من الاستقرار والهدوء على الجبهة الجنوبية الساخنة وتمرير الانتخابات الإسرائيلية بسلام، ومن ثم تحميل الحكومة الاسرائيلية الجديدة ملف ترسيم الحدود بكاملها بحكومة مستقرة ولا حكومة انتقالية، وانتظار تغير الأوضاع الداخلية في لبنان فهي ترى في لبنان فراغ رئاسي في الوقت القريب، وعدم القدرة على تأليف حكومة مستقرة في ظل مأساوي الوضع الاقتصادي والاجتماعي في لبنان، مما يعني قدرة إسرائيل على فرض رؤيتها في ترسيم الحدود، بوجود طرف مرن في التفاوض بعيداً عن وجود حزب الله فيه، وهو المسعي الأمريكي والأوروبي الذي تدعمه إسرائيل لممارسة الضغوط على لبنان وجعلها تقبل ما يعرض عليها خشية من وقوع تدهور عسكري قد يعرقل تدفق الغاز والنفط من الشرق الأوسط إلى دول الاتحاد الأوروبي، في الوقت التي تتحاشى فيه دولة الاحتلال نقل الملف إلى التحكيم الدولي.

