ما لبثتْ أن تهدأ العاصفةُ بعد تصريحاتِ الرئيس محمود عباس حولَ المذابح الإسرائيليّة المستمرّة ضدَّ الشعب الفلسطيني في قلب ألمانيا، التي تضم النصب التذكاري للهولكوست، التي عدَّ فيها أنّ إسرائيل ارتكبت 50 هولوكوستًا، مما أثارَ العالم والمجتمع الغربي الداعم لإسرائيل، حتى جاءت ذكرى مذابح صبرا وشاتيلا؛ لتجدّد الذاكرة المأساويّة التي راح ضحيتها ما يقارب 3500 شهيد، تركت صورها جرح نازف في الذاكرة الفلسطينيّة والعالم، ورغمَ أنّها ليست المجزرة الوحيدة إلا أنّها الأكثر ترويعًا للذاكرة الإنسانيّة الجمعيّة ارتكبت في القرن العشرين، ولم ننسها بعد مرور 40 عامًا، وكل هذا الزمن لم يكن كفيلًا للنسيان بالعكس، كل عام يتمُّ الكشف عن وثائقَ جديدةٍ ووقائعَ خطيرةٍ واعترافاتٍ تبرزُ هولَ الجريمة، وقد وثّقت العديد من الصحف والمجلّات الفلسطينيّة منها شؤونٌ فلسطينيّة، والهدف، وفلسطين الثورة وغيرها آنذاك أحداث صبرا وشاتيلا، لنكتشفَ بعد سنواتٍ طويلةٍ أنّ الموضوعَ ليس صورةً لجثثٍ محترقة، وأخرى ينهشها الكلاب الضالة بعد أن قتلها كلاب المجزرة، بل هي قصصٌ إنسانيّةٌ عاشت وضلّت في نفوس الكثيرين، من الناجي الوحيد في عائلته، إلى من اغتصبوها وقتلوا أهلها، وإلى من قتلوا أطفاله، وإلى الحامل التي بقروا (بعطو) بطنها، وإلى من فقدت زوجها، وإلى المسعف الذي لم يجد من يسعفه، إلى من هرب من المكان ولا يعرف حتى الآن شيء عن عائلته، إلى الأطفال الذين كبروا وأصبحوا كهولا بلا عائلة، مجزرة استمرت لأكثر من 40 ساعة على مرآى العالم، ليل طويل لم ينته حتى الآن، وقد وثقت بيان نويهض الحوت في كتابها الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بعنوان صبرا وشاتيلا أيلول 1982 الوقائع التي سبقت المجزرة، وصولاً إلى ليلة الدم، وتناولت شهادات حية لناجين من المجزرة وكان ذلك بمثابة وثيقة مؤرخة عما حدث، وتقول بيان نويهض: "إنه كان هناك تكتم، ولم أسمع أخبار عن المجزرة إلا ثاني يوم السبت عبر إذاعة مونت كارلو، حيث أذاع المذيع الخبر وهو يبكي"، فيما جاءت وثائق لجنة كاهان لتدحض الكذب الإسرائيلي واستخفاف شارون بالمجزرة، ووضحت صفاء زيتون في كتابها، صبرا و شاتيلا المذبحة 16- 17-18 أيلول سبتمبر 1982 تفاصيل معركة لم تقم، بل عدوان على مدنيين عزل في منازلهم، وقد افتتحت كتابها بخريطة توضيحية للمخيم ومكان تمركز القوات الإسرائيلية وطريق الحصار والهجوم، فيما وثق عدد من الكتاب والصحافيين الأجانب البارزين، ومن بينهم الفرنسي جان جينيه والبريطاني روبرت فيسك ما حصل في بيروت وتحديدا صبرا وشاتيلا في كتابه الذي ترجم إلى العربية: ويلات وطن، وخلال زيارتي لبيروت عام 2002 (حين كنت مسؤول معرض الوثائق الفلسطينية الذي جاب عدد من المدن اللبنانية)، اصطحبني الأصدقاء إلى أحد أماكن المجزرة، ووقفنا في إحدى الساحات قال لي أحدهم أننا نقف على أطلال مقبرة جماعية، فيما حدثني آخر عن أن قوات الكتائب الموالية لإسرائيل كانت تعرف الفلسطيينين من لهجتهم ويتم قتلهم على أثرها، قال أحدهم بضحكة حزينة: "كانوا يعرفوننا من كلمة بندورة (طماطم) فتنطق باللبنانية (بنادورا)، ويستكمل لا مكان لدفن الجثث، وكان سينجم عن ذلك كارثة بيئية ووباء حقيقي يفتك بمن تبقى على قيد الحياة". وقد اعترف أمين الجميل في أحد اللقاءات أن إسرائيل استغلت وجندت عدد من الكتائب اللبنانية وأشرف الموساد على ذلك في تنفيذ عمليات قتل مبرمجة ضد الفلسطينيين تحت ذريعة انتقام من اغتيال بشير الجميل، لكن إسرائيل أرادت أن تنتقم من محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن (شلومو ارجوف) وأخذت ذلك ذريعة للاجتياح، ورغم ذلك فقد قتلوا الفلسطينيين واللبنانيين واختلطت الدماء، وبعد أربعين عاما من المجزرة صحيح أنها لم تتوقف، لكن الفرق أن القتل لم يعد بالنسبة لإسرائيل بالجملة بل (بالمفرق)، بمعنى إحداث مجازر يومية بعدد أقل كي لا يشعر المجتمع الدولي بحجمها، فالولايات المتحدة الأمريكية الداعمة للصهيونية قد تنحرج في بعض الأحيان، فيما المجتمع الغربي يدين، ولكن ذلك يكون أخف وتيرة في القتل البطيء المتأني من قبل إسرائيل، رغم كل المواثيق الدولية والقرارات والاتفاقيات التي ضربتها إسرائيل عرض الحائط، ومنها اتفاق فيليب حبيب الذي سبق المجزرة بفترة، وهو أول اتفاق رسمي يتم التوصل إليه بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، تم التوقيع عليه في 24 تموز/ يوليو 1981، وذلك نتيجة لمساعي حبيب، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي آنذاك رونالد ريغان، إلى الشرق الأوسط، وقد نص على وقف إطلاق النار بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وانسحاب مقاتلي المنظمة مقابل التعهد بحماية المخيمات واللاجئين في لبنان وعدم دخول الجيش الإسرائيلي لبيروت مع نشر قوات متعددة الجنسيات لضمان ذلك. وما ان انسحبت القوات الفلسطينية حتى كانت الفرصة المواتية للجيش الاحتلال بالتعاون مع الكتائب اللبنانية للانقضاض على المخيم، في غدر جديد ليس بجديد على الصهاينة، وقد جاء كتاب كوبرا في ظل حبيقة، والذي ترجم فيما بعد لكتاب: الطريق من إسرائيل إلى دمشق.. طريق الدم والخيانة والخديعة، وهي اعترافات خطيرة من روبيرمارون حاتم، الملقب بكوبرا حول الجرائم التي اقترفت بمساعدة ايلي حبيقة (الذي قتل بسيارة مفخخة عام 2002) من خلال العمالة مع جيش الاحتلال، وقبل مصرعه بفترة وجيزة، تحول ضد إسرائيل وقرر الإدلاء بإفادته ضد أرئيل شارون في الدعوى القضائية المقدمة ضده ببلجيكا لارتكابه جرائم ضد الإنسانية في حق الفلسطينيين، وأراد الاعتراف على وحدات الكوماندوز التابعة للجيش الإسرائيلي (Sayeret Matkal) الذي دخلوا لاغتيال شخصيات فلسطينية، ثم دخول القوات اللبنانية بكلمة السر (تنظيف المخيم) وقد ذكر ذلك الصحفي الفرنسي (آلان مينارغ) في كتابه أسرار الحرب اللبنانية، حيث واكب أحداث تلك الفترة، وقد تورط حبيقة أيضاً في المجزرة التانية لصبرا وشاتيلا عام 1985م، وعنونت الصحف اللبنانية في ذلك اليوم بالأسود، فقالت صحيفة السفير اللبنانية مذابح في المخيمات ونشرت صور المجزرة، فيما صحيفة اللواء كتبت طعنوا الأطفال الرضع بالسكاكين، وبقروا بطون الضحايا، فيما صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، عنونت جريمة العصر تحاصر إسرائيل، أما القدس الفلسطينية قالت مذبحة جماعية في مخيمي صبرا وشاتيلا ارتكبتها الميلشيات اليمينية اللبنانية كدليل قاطع على تورط قوات الكتائب في المجزرة، علما بأن قرار المذبحة صدر برئاسة رفائيل ايتان رئيس أركان الحرب الأسرائيلي وآرييل شارون وزير دفاع جيش الاحتلال الاسرائيلي آنذاك، وقد نشر أمنون كابليوك في كتابه تحقيق حول مذبحة صبرا وشاتيلا وقد قدمه المناضل محجوب عمر، وترجمته منى عبد الله، والشواهد كثيرة لا تحتاج الدلائل جديدة، بل تحتاج الى تقديم الجناة الى العدالة وهذا لم يحدث سابقاً ولا لاحقا في كل المجازر التي ارتكبت على غزة وغيرها، بل أن عدم محاكمة القتلة جعل التجرأ على القتل المستمر ممكنا في ظل صمت دولي مريب، يكتفي في بعض الأحيان بالإدانات الخجولة، وهناك من يتسائل، عن فائدة أن نحيي سنويا هذه الذاكرة الأليمة، بالتأكيد بقاء ذاكرة المذبحة حية يعيد مشاهد المجازر الأخرى ويبقي إسرائيل في دائرة الاتهام التي لا يريد الغرب أن يضعه فيها، ويعيد الأنظار التي تحاول إسرائيل خطفها من خلال التباكي المستمر على مجازر الهولوكست لتشغل العالم عن المجازر التي تقوم بها ضد الشعب الفلسطيني، فإستحضار هذه الذاكرة الأليمة تقوض محاولات نسيان ما يحدث مع الفلسطينيين بل أنها تفتح جراح المجازر الأخرى، خاصة مع اكتشاف دلائل جديدة على بشاعة ما يحدث منها رفات مجزرة الطنطورة، وأسرار المقابر المجهولة وتفتح ملف محاكمة مجرمي الحرب الذي يعتقد العالم أننا سننسى هذا الألم مع مرور الوقت، بل أن مجزرة صبرا وشاتيلا ستبقى أم المجازر التي وقعت ضد شعبنا، وإلى حين تحقيق العدالة الكونية نقول صبرا يا آل صبرا...

