تحملُ جرائمُ التحرّشِ والاستغلالِ الجنسيّ المرتكبة من طرفِ ممثّلِ الكيان الصهيونيّ، ديفيد غوفرين، بمكتب الاتصال بالرباط، في حقّ عاملاتٍ مغربيّات، دلالاتٍ رمزيّةً عميقةً تحيلُ على استباحة كرامة الشعب المغربي وعزّته وانتهاكٍ لعرضه ومسٍّ خطيرٍ بشرفه وعنوان إفلاس للسياسات المخزية للنظام المخزني ببلادنا. وكأنّي بالعدو الذي أصبح يصول ويجول في محميته يريد إذلال شعبنا المغربي وإلحاق الأذى به على المستوى الاعتباري والمعنوي والنفسي؛ يريدك العدوُّ أن تستبطن العار الذي لحقك وتتوالف معه ومع أغرب المفارقات؛ منها أنّ سفارة العدو بالرباط، ستبنى في شارع المهدي بنبركة الذي ساعد الموساد على اغتياله من طرف النظام المغربي، إضافةً طبعًا إلى مخابرات الإمبرياليّة الفرنسيّة.
وبمناسبة ذكرى النكبة وقيام "إسرائيل" تمَّ تقديمُ هديّةٍ ملكيّةٍ ثمينةٍ إلى مكتب الاتصال، حسب ما توصّلت إليه التحقيقات: فكيف يجمع ما لا يجمع؟
درجةٌ عاليةٌ من المسخ، فكما جاء في رواية عائد إلى حيفا، الطفل الذي كان اسمه خلدون أصبح يسمى دوف (الدب) دلالة على القوّة والجبروت.
قمة العهر، لم يصدر أي موقف عن الدولة المغربية عموما ووزارة خارجيتها التي تقيم الدنيا وتقعدها بخصوص مبادرات التعاون مع عشيقها، الكيان الصهيوني، واكتفى أولياء الأمر باستراق السمع لما كان يجري داخل مكتب الاتصال وما فاهوا بكلمة؛ حتى أخبار الفضيحة أتتنا من "إسرائيل" التي تكلفت وزارة خارجيتها بالتحقيق. أي نعم، هي من تكلفت بالتحقيق وليس نحن، كيف لا وهي صاحبة الأرض ونحن الغرباء؟!
يقال بأن ديفيد غوفرين كان "عامل عمايل"، "متعود يعني" لما كان مقيما في الفندق قبل الانتقال لمكتب الاتصال ومن يدري، قبل ذلك، لما كان سفيرا في أرض الكنانة؟
وجه أحد الصحفيين 3 أسئلة للناطق الرسمي باسم الحكومة حول ما إذا كانت الحكومة المغربية قد أحيطت علما بمسار ونتائج التحقيق الذي باشرته وزارة الخارجية "الإسرائيلية"؟ وهل فتحت الخارجية المغربية تحقيقا موازيا في الموضوع؟ وإذا أثبتت التحقيقات الادعاءات الحالية، فما هي الإجراءات التي تنوي الحكومة المغربية القيام بها؟
رد السيد الوزير بكل بساطة وبرودة دم أن الحكومة لم تناقش هذا الموضوع. كما أن المنابر الإعلامية الرسمية وشبه الرسمية المهووسة بمواضيع الجنس للإيقاع بالمعارضين وتشويه الخصوم لم تحرك ساكنا.
وسلكت الأحزاب والقوى الملتفة حول النظام -لا يهم في شيء- إن كانت أغلبية حكومية أو معارضة لها، ومنها حزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (حزب الشهيدين المهدي بنبركة وعمر بنجلون)، كلها خرست وانعقد لسانها ولم تنبس ببنت شفة. وكذلك الأمر بالنسبة لحزب العدالة والتنمية الذي جعل من الأخلاق المستوحاة من الشريعة الإسلامية مرجعا ومرتكزا له؛ محاولا منافسة الملكية في قضية تطبيق الشريعة والدفاع عن القدس والأقصى؛ فهذا الحزب يلعب لعبة خطيرة في الحقل السياسي المغربي في هذه النقطة على الأقل. فهو من جهة، الحزب الذي وَقَعَ أمينه العام السابق السيد سعد الدين العثماني على اتفاقية التطبيع في 22 دجنبر 2020، ومن جهة أخرى يتقمص دور مناهض للتطبيع من خلال بعض عناصره، وخاصة عبر ذراعه الدعوي، حركة الإصلاح والتوحيد.
في هذا الإطار صرح الأمين العام الحالي للحزب، السيد عبد الإله بنكيران، يوم السبت 17 شتنبر الجاري أن "العدالة والتنمية لن يواجه الدولة المغربية في ملف التطبيع"، وأضاف أن "حزبه هو من وقع على التطبيع مع إسرائيل، لكنه لم يطبع ولن يطبع"، ودعا إلى "مواجهة التطبيع في المجتمع اقتداء بالنموذج المصري، حيث الشعب لم يطبع رغم تطبيع النظام". والملاحظ كما سبق الإشارة إلى ذلك، تحاشى المسؤول الأول للحزب عما جرى في مكتب الاتصال.
الحقيقة الأولى أن هذا نوع من الدجل؛ ذلك أنه من المستحيل مناهضة التطبيع في المجتمع دون مواجهة الدولة، بل في رأيي أصبحت القضية الفلسطينية اليوم عنصرا أساسيا في الصراع الطبقي وجزءا من أزمة النظام المغربي. كما أن مناعة الشعب المصري ليست من صنع حركة الإخوان المسلمين التي يتقفى بنكيران تجربتها على ما يبدو. فنحن ما زلنا نتذكر رسالة الرئيس المصري الأسبق الراحل مرسي لعزيزه رئيس الكيان الغاصب، هذه المناعة تعود في نظري إلى عمل شاق للقوى الوطنية واليسارية؛ رغم تشتتها وقمعها وتستند إلى تاريخ طويل ومشرق للصراع مع العدو؛ رغم الانتكاسات والأخطاء من طرف القوى التقدمية والوطنية وعلى رأسها الراحل جمال عبد الناصر.
والحقيقة الثانية أن هذا الحزب يعمل على خلط الأوراق والتناقضات بإقحام قضية الصحراء والعلاقة مع الجزائر، مما يزرع الغموض ويضبب الرؤية أمام الشعب عموما والمناضلين الميدانيين بشكل خاص. أعتقد بأن هذا الخلط مقصود وهو في الأصل خطة للدولة العميقة؛ ذلك أنه لا توجد أي إشارة لقضية الصحراء في اتفاق التطبيع بين المغرب والكيان الصهيوني (22 دجنبر 2020) ولا في أي من الاتفاقات الفرعية التي لحقته.
وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية في عهد دونالد ترامب قد اعترفت بسيادة المغرب على الصحراء، فإن الحزب الديمقراطي برئاسة جو بايدن لم يُفعِلّ هذا الاعتراف رغم أنه لم يلغيه. "إسرائيل" والإدارة الأمريكية الحالية متمسكتان بالحل الأممي، وكذلك الأمر بالنسبة للاتحاد الأوروبي، ولذلك لا دولة من بين الدول المذكورة فتحت قنصلية لها بالعيون أو الداخلة، والبلدان التي فتحت قنصليات لها في المنطقة لا تأثير يذكر لها على الصعيد الدولي، حيث أن ثلثي هذه البلدان من إفريقيا وتم ذلك في الغالب، مقابل مجهودات حثيثة للنظام المغربي؛ دفاعا عن انخراط الكيان الصهيوني كعضو مراقب في الاتحاد الإفريقي.
والحقيقة الثالثة هي كون السيد بنكيران مع الأسف يكذب؛ فضلا عن كونه مطبع وأن ذاكرتنا ليست مثقوبة. فقد صرح السيد عزيز رباح عندما كان وزيرا للطاقة والمعادن يوم 3 فبراير 2021، للقناة الثانية المغربية جوابا على سؤال حول إمكانية زيارته للكيان الصهيوني، قال: "أنا أمثل الدولة المغربية، وعندما يأتي موعد الزيارة سأقوم بالواجب إن شاء الله". وقبل ذلك، شارك في 16 يناير من نفس السنة، في لقاء عن بعد ضم نظيره "الإسرائيلي" إلى جانب عدد من وزراء الطاقة من الولايات المتحدة الأمريكية والإمارات والبحرين و مصر والسودان.
ومن بين المواقف المسمومة، تلك التي تنتقد ممارسات ممثل مكتب الاتصال والمنددة بها والمتضامنة مع الضحايا والمدافعة عن شرف المغرب والمغاربة، لكنها تعتبر أن المشكل يكمن فقط في كون غوفرين ليس بالرجل المناسب لهذه المهم؛ يعني هذا الموقف أن تطوير العلاقات بين المغرب وحاميتنا إسرائيل أمر ضروري، ومن يجادل فيه عدمي ومعاد لمصالح الوطن العليا، ولهذا وجب وضع الرجل المناسب في المكان المناسب.
وإذا عجزت عن حماية عرض بلادك وشعبك، فكيف لك الادعاء بأن تعاونك مع الكيان الصهيوني لا يتناقض في شيء مع حماية الأقصى ومع دعمك للشعب الفلسطيني؟ هل يا ترى تمزح أم أنك تحاول عبثا استبلاد شعبنا المغربي؟
ها قد انفضحت وانفضح شعارك الديماغوجي "تازة قبل غزة" وسقط سقطة مدوية. فقد أغرقت "تازة" في المديونية التي تقارب حوالي مائة في المائة من الناتج الداخلي الخام وثلثي المغاربة يعيشون في الفقر والهشاشة وخربت المرافق العمومية من تعليم وصحة وغيرها تخريبا تاما. في المحصلة أوصلت البلاد لوضعية لا تنفع معها أية إجراءات إصلاحية. وفي نفس الوقت اتخذت مواقف مخزية في المحافل الدولية وغدرت بغزة وخذلت فلسطين الحبيب؛ حقيقتك أنك ضد تازة وضد غزة وفي صف واحد مع الإمبريالية والصهيونية والرجعية.
نخبرك يا أبا عادل، أنهم استباحوا مدننا من الخليج إلى المحيط وأننا مثلك لم نعثر على الحزن الذي طالما كنت تنشده، بل يتملكنا شعور ورغبة في الانتفاض والثورة على أنظمة الاستبداد والذل والعمالة وهزم الصهيونية وحلفائها الإمبرياليين؛ فالمطبعين الخونة والصهاينة المجرمون شركاء فيما جرى وإقرار سيادة وكرامة بلدنا تتطلب بكل وضوح كنس هذا التحالف.
نخبرك رفيقنا أبو علي مصطفي في ذكرى استشهادك الحادية والعشرين أن المقاومة المسلحة في غزة أصبحت ترد الصاع صاعين وهي بصدد إعادة البناء في الضفة، وهناك الآن حراك في يافا والعديد من مناطق 48 ضد جرائم تقتيل الفلسطينيين وأن الشعب الفلسطيني موحد في مختلف أماكن تواجده، وحراك آخر دولي تقوده وتساهم فيه العديد من الحركات المناصرة للشعب الفلسطيني ومنها جبهتنا، الجبهة المغربية لدعم فلسطين وضد التطبيع.

