Menu

فلسطينُ على دربِ الانتفاضةِ الثالثة...!

محمد صوان

نشر هذا المقال في العدد 42 من مجلة الهدف الإلكترونية

مع تصاعُدِ الاشتباكاتِ بين المقاومين الفلسطينيّين وجيش الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة؛ بدأت قيادة جيش الاحتلال تتحدّث عن مأزقها بشأن كيفية مواجهة "انتفاضةٍ من نوعٍ جديد"، خاصّةً وأنّ منفذّي العمليّات الفدائيّة لا ينتمون إلى أيٍّ من الفصائل أو التنظيمات؛ هذا ونقلت قناةُ التلفزة الإسرائيليّة " 13 " في تقريرٍ بثّته يوم 4/9/2022 عن مصادرَ في جيش الاحتلال قولها: إن الانتفاضة "الجديدة" تختلف عن الانتفاضة الأولى التي تفجرت أواخر عام 1987 وانتفاضة الأقصى التي اندلعت مطلع تشرين الأول عام 2000 كونها تمتاز بـ"ممارسة قدر كبير من العنف " ضدّ قوّات الاحتلال".

عودٌ على بدء:

يوم 9/12/1987 انطلقت التظاهراتُ في قطاع غزّة بمبادرةٍ من أبناء الطبقة العاملة وشرائح اجتماعيّة أخرى، ثمَّ انضمّت إليها سريعًا جميع طبقات وفئات المجتمع على نطاقٍ واسع، وكانت الانتفاضة قد امتدّت إلى جميع مدن وقرى ومخيمات القطاع والضفة الغربية، وإلى مدن وقرى داخل أراضي 48 المحتلة. وهكذا؛ بدأت حركة الانتفاضة تنتظم وتتقدم على نحو سريع، حيث كان مستوى التنظيم عالياً إلى درجة، ومع الإعلان عن أول إضراب شامل خلالها؛ شارك فيه جميع الفلسطينيين في الضفة و غزة وأراضي عام 48 المحتلة. ولم تشأ السلطات الإسرائيلية أن تعترف بمثل هذه الإنجازات، وأصرّت على الطبيعة العفوية لـ "أعمال التمرد"؛ الأمر الذي حدا بالمراسل العسكري لصحيفة "دافار" على القول: "إنهم يقولون في الإعلام أعمال تمرّد محلية! أيّ أعمال تمرد؟! لقد رأيت كيف كانوا منتظمين تماماً وبشكل مثالي".. ومع ذلك فإن إنكار الحكومة الإسرائيلية ليس مفهوماً، حيث تجاوزت الانتفاضة الفلسطينية حينها أعلى التوقعات.

لم تشهد فلسطين منذ ثورة عام  36 -1939 تلاحماً شعبياً نضالياً وانخراطاً جماعياً موحّداً في الكفاح الوطني مثلما عاشته أيام الانتفاضة الشعبية الأولى عام 87 – 1993 والتي كان عنوانها "متحدون من أجل الاستقلال"، كما ارتبط نجاحها بوجود  "قيادة وطنية موحّدة"، إلى أن أُجهضت لاحقاً - للأسف الشديد – بسبب التنافس الفصائلي والتزمّت الفئوي، ولم يستطع الاحتلال الالتفاف على الوحدة الوطنية إلا عندما نجح بتمرير اتفاقيات أوسلو عام 1993 التي مثّلت فخاً للجانب الفلسطيني، وأوجدت – بلفت النظر عن النوايا – انقساماً وطنياً وسياسياً بين الداخل والخارج، وبين المؤيدين للاتفاقيات والمعارضين لها، وبمرور الوقت وبحكم الوضع الشاذ الناشئ عن وجود سلطتين وحكومتين تحت الاحتلال، وفي ظل التضارب الناجم موضوعياً وذاتياً عن الجمع بين الاستمرار في مهام التحرر الوطني والديمقراطي، والحاجة للحفاظ على السلطة وامتيازاتها، ومنافعها، و ذريعة تلبية مسؤولياتها، تفاقمت الانقسامات لتمتد من انقسام بين الفصائل إلى داخل كل فصيل. كما أدى استمرار غياب برنامج واستراتيجية وطنية كفاحية جامعة وموحدة، وعدم وجود جبهة وطنية موحدة إلى تعميق مشاعر الاحباط والنفور، خاصة لدى الأجيال الشابة، وإلى هبوط حاد في رضى الجماهير الشعبية ، وتزعزع الثقة بالفصائل والأحزاب القائمة، وقد سببت هذه الحالة ضعفاً فلسطينياً يستغله الاحتلال لتصعيد تنكيله بالشعب الفلسطيني والاستخفاف بفصائله، بل ويواصل سياسة دق الأسافين بين قوى المقاومة - كما شهدنا خلال العدوان الأخير على قطاع غزة - وإذا كانت التجزئة والانقسامات أكبر أعداء للشعب وأكثر العوامل إضعافاً له، فمن المنطقي القول: إن أهم مدخل مطلوب اليوم لعلاج ذلك الضعف والوهن، هو إنهاء حالة الانقسام، وبناء جبهة وقيادة وطنية موحدة على أساس الشراكة الديمقراطية والتمسك بنهج النضال لإنهاء الاحتلال.

تبديد إنجازات الانتفاضة الكبرى

مع أن بارقة الأمل التي رافقت إنجازات الانتفاضة بضعة أعوام ذوت، ولم تحقق المفاوضات التي انخرطت فيها قيادة "م.ت.ف" التسوية المنشودة وفق "حل الدولتين" كون عوامل الدفع لهذا التوجه – دوليا وإقليمياً – كانت أضعف كثيراً من عوامل الرفض الإسرائيلي –الأمريكي؛ غير أن السياسة الفلسطينية الرسمية لم تتخلص حتى اليوم من هذا الوهم، بل تجمدت واستمرت رهينة لمسعى "حل الدولتين" الذي لم يعد ممكناً من الناحية الفعلية، إلا إذا وافقت "م.ت.ف" على إقامة دولة على "البقايا" التي لا تتمسك بها "إسرائيل" في الضفة الغربية، وهي الكانتونات ذات المساحة المقلّصة جغرافياً والمكتظة بأكبر عدد من الفلسطينيين الذين ترغب دولة الاحتلال بدرء خطرهم الديمغرافي عنها في المستقبل، وبهذا لم يعد "حل الدولتين"، ممكناً فحسب، بل ينبغي ألا يبقى مرغوباً فيه أيضاً، غير أن المعضلة التي تواجه الحالة الفلسطينية تبقى في غياب برنامج واستراتيجيا بديلة وفاعلة.

في سياق هذا المأزق المستمر فإن الشعب يصب جام غضبه على السلطة الفلسطينية، وجوداً ومؤسسات، بوصفها الحلقة الأضعف لتحمّل المسؤولية، لكن السلطة بحد ذاتها ليست الأزمة، بل هي التعبير الصارخ عن جوهر الأزمة.

يواجه المجتمع الفلسطيني اليوم مأزقاً عميقاً من التصدع والانفلاش، وللخروج من هذا المأزق على النخب والفصائل الفلسطينية، واجب مواجهة الذات والاعتراف بمناحي الخلل الذي أصاب الحقل السياسي الفلسطيني، واتخاذ ما يلزم من التدابير والمبادرات الضرورية لإعادة بناء وترميم البيت الفلسطيني من الداخل. إن إدراك ضرورة إعادة البناء يشكّل الممر الإجباري لمواجهة مستقبلية مع "إسرائيل" وهو أمر أساسي لا غنى عنه، ولا مجال للقفز عنه.

على قيادة "م.ت.ف" الإقرار بأن المفاوضات لن تقنع "إسرائيل" بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة المنشودة وفق المعايير الدولية القانونية والحقوقية المطلوبة فلسطينياً، وعلى تلك القيادة الاعتراف  بأن المقاومة النمطية المتقطعة والموسمية لن تجبر "إسرائيل" على التسليم بالحقوق الفلسطينية، بل ربما يكون من الأفضل أصلاً الاستنتاج بأن إمكانية "حل الدولتين" لم يعد قائماً فعلاً، لكن هذا لا يعني الانتقال السهل نحو تبني "حل الدولة الديمقراطية الواحدة " وكأن "إسرائيل" التي تمنع "حل الدولتين" ستقبل "حل الدولة الواحدة"، في واقع الحال ليس بمتناول الشعب الفلسطيني في المستقبل المنظور.. "حل دولتين" أو "حل دولة واحدة"، وهذا لا يعني اليأس والاستسلام.. وإنما يتطلب البحث العملي لإيجاد المقاربة الضرورية لبناء استراتيجية وبرنامج عمل وطني جديد يفتح الآفاق على خيارات واقعية ومتاحة.

ويمكن لهذه الاستراتيجية والبرنامج أن يتمحورا حول هدف مركزي أساسي دفاعي وهجومي في آن واحد، ويرتكز على تعزيز الصمود الفلسطيني على أرض الوطن وتمتين وحدة الشعب في جميع أماكن وجوده، خاصة داخل فلسطين التاريخية، وبالتالي فإن هكذا برنامج يحتاج لنفس طويل تُحرم  "إسرائيل" من خلاله من أهم أهدافها وهو "إفراغ الوطن من أهله وشعبه الأصلي"، إنه صراع على البقاء في مواجهة قوة عنصرية كولونيالية، وعلى النخب الفلسطينية ابتداع واتباع الوسائل الممكنة كلها، ليس فقط لتثبيت، بل أيضاً لتوسيع وتعظيم آفاق صمود الشعب وتشبثه بأرضه وحقوقه، إنها حقبة تتطلب الإقلاع عن إطلاق الشعارات الكبرى والشروع بالتركيز على مختلف المجالات الحياتية والمعيشية " كالصناعة والزراعة والتعليم والصحة والثقافة "وبالتالي تحقيق متوالية من إنجازات البناء وفق مبدأ التراكمات الصغرى، إنها مرحلة تتطلب العمل  وليس التنظير حوله فحسب.

كيف السبيل إلى تحقيق ذلك؟

في الأعوام القليلة الماضية، وبعد سقوط اتفاق أوسلو؛ انصب النقاش على ضرورة بقاء السلطة أو وجوب زوالها، أما حالياً فهذا النقاش لم يعد مجدياً، على الأقل بسبب حالة التشظي التي يعانيها الحقل السياسي والمجتمع الفلسطيني، لكن في المقابل فإن بقاء السلطة على حالها لم يعد جائزاً أن يستمر، لأنه يشكّل عائقاً أمام عملية استنهاض واشتقاق مهمات التحرر الوطني والديمقراطي، حيث يتعين على عملية إعادة البناء  استهداف السلطة التي عليها أن تتغير كي تصبح قادرة على تحمل أعباء المرحلة الجديدة، والتي يقع في محورها إصلاح المجتمع ليصبح أكثر تماسكاً وقدرة على الصمود والمقاومة لدحر الاحتلال وانتزاع الاستقلال الناجز؛ غير أن هذا التغيير والبناء المنشود لن يتحقق إلا بعد إحداث نقلة نوعية في عقلية المراتب القيادية الفصائلية والنخب السياسية وتوجهها، وهذا أمر ليس سهلاً تحقيقه مع استمرار تحنيط الحياة الحزبية الفلسطينية التي لا تسمح بغياب قيادات ترهلت – سوى بالوفاة – وبروز قيادات جديدة، فهذا التكلس في الحياة الحزبية والسياسية هو المسؤول الأهم عن نشوء كثير من الظواهر السلبية داخل النخب والمجتمع الفلسطيني على السواء، من أجل دحر الاحتلال وانتزاع حق تقرير المصير والعيش في وطن حر مستقل وليس معسكراً للاعتقال، ولا أرضاً مستباحة لقطعان المستوطنين، فعلى النخب والفصائل الجادة أن تبدأ منذ الآن بطرح ومناقشة مسألة "الانتفاضة الثالثة" وأن يفتح الحوار في كل مدينة وقرية داخل فلسطين التاريخية وخارجها، واستلهام الدروس والعبر من التجارب والتاريخ المتوقد لانتفاضات شعبنا؛ فالتاريخ ينتهي في وقته، لكنه يعلمنا الكثير ويساعدنا على استعادة ملامح النجاح والفشل من خلال انعطافاته؛ الأمر الذي يفرض على الأحزاب والنخب المتنورة العودة إلى تلك القدرة على الوحدة في ظل الاختلاف الذي يميز شعبنا، ففي كل مرحلة من تاريخنا النضالي استطاعت النخب المتنورة في صفوف المقاومة صوغ نموذج وحدة الاتفاق والاختلاف ضمن برنامج تعمل على هدْيه المؤسسات السياسية والنقابية والمدنية كالمجلس الوطني و "م.ت.ف" والاتحادات الشعبية ومؤسسات المجتمع المدني.

قد يجادل البعض: كيف ننتظر من الشعب الفلسطيني الذي يعاني قهراً واضطهاداً مركّباً: احتلال كولونيالي واستيطان عنصري من جهة، وسلطة محمية بكاميرات التنسيق الأمني من جهة أخرى؟

والجواب: لهذا السبب بالذات، أي لأنه لم يعد لدى الشعب ما يخسره أكثر مما خسره، ولم يعد هناك أمل بالمفاوضات ولا بالمقاومة النمطية الموسمية؛ فالوضع لم يعد يحتمل وهو سائر بالتأكيد إلى مزيد من الاستيطان والتهويد والأسرلة والقتل والاعتقال، ولأن التذمر والشكوى لدى المنظمات الدولية والحكومات الأجنبية لا تثمر دون حضور وفعل يومي وقوي على الأرض، فإن الانتفاضة ممكنة بل حيوية وحتمية ولا بديل عنها.

هذه ليست دعوة لإطلاق انتفاضة غداً، إنها دعوة للتفكير الجماعي بأولوية الانتفاضة الشعبية، والنقاش حول طبيعتها وخططها ومؤسساتها وشروط نجاحها واستعداد الشعب لها، وإنضاج الحلول المطلوبة لمواجهة التحديات المحتملة. وعليه؛ ينبغي أن يتركز جهد الأحزاب والنخب السياسية والثقافية، وأن يتدرب النشطاء ويتواصل السياسيون لتكون الانتفاضة التغيير الذي لن يتوقف قبل تحقيق أهداف الشعب بالتحرر والاستقلال والعودة.