Menu

عن المشروع الوطني وأزمته العميقة في مواجهة المشروع الصهيوني

محمّد جبر الريفي

ظل المشروع الوطني مشروعًا سياسيًا يعاني من وطأة الظروف العربية والإقليمية والدولية والداخلية، وهذه الأخيرة هي الأخطر الآن، حيث يدفع استمرار الانقسام السياسي وعدم الوصول إلى مصالحة حقيقية؛ إفساح المجال لانهيار هذا المشروع برمته باتجاه تقسيم الكيانية الوطنية الفلسطينية؛ مسايرة لمخطط التقسيم الجاري لدول المنطقة.

أزمة المشروع الوطني رافقت الثورة الفلسطينية المعاصرة منذ انطلاقتها وكانت تُشحن دائمًا بعوامل إضافية متفجرة، حتى أصبحت الآن أزمة بنيوية وبرنامجية عميقة؛ تستدعي صياغة استراتيجية وطنية جديدة للنضال الوطني، لكن العاملين الأكثر حدة في الأزمة كانا على الدوام لهما الحضور السلبي المؤثر وبسببهما فقد المشروع الوطني فاعليته الكفاحية الكبيرة التي كان من المؤمل أن يقوم بها في مواجهة المشروع الصهيوني العنصري الاجلائي، وذلك باستثناء المكاسب الذي حققها، وهي مكاسب جزئية كالمحافظة على الهوية الوطنية من محاولات الطمس الذي تعرضت له بعد حدوث النكبة، أول العاملين هو: طبيعة المواجهة العربية في اطار الصراع مع المشروع الصهيوني العنصري، حيث لم تتوفر للمشروع الوطني الفلسطيني حاضنة قومية، بسبب عجز الأنظمة العربية عن مواجهة العدو الصهيوني (يا وحدنا)، وبذلك ظلت القضية الفلسطينية مصدر إحراج لها، تذرعت بمواجهته بالسيادة القطرية، وهكذا فقدت الثورة الفلسطينية ساحة الوطن العربي بعد الخروج من الأردن ولبنان وتوزع مقاتلوها في الشتات، وكان ذلك سببًا في اندفاع منظمة التحرير الفلسطينية نحو التسوية السياسية التي كانت تروج بشكل كبير في تلك المرحلة (المباحثات الأمريكية الفلسطينية في تونس العاصمة)، ثم إن النضال الفلسطيني لم يجد في الساحة الدولية قوة تدعمه وتسانده في مقابل التحالف الاستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي، سوى الاتحاد السوفييتي ودول المعسكر الاشتراكي والصين التي كانت تتحدث عن القضية الفلسطينية من منظور المبادئ؛ كونها قضية تحرر وطني وتؤيد الحقوق الوطنية الفلسطينية التي أقرتها الشرعية الدولية، ولكن دون أن تصل في تأييدها إلى حالة التصدي للكيان الصهيوني. ثانيهما: افتقاد المشروع الوطني إلى جبهة وطنية متحدة عريضة؛ أكثر متانة وقدرة من الناحية السياسية والتنظيمية من منظمة التحرير الفلسطينية (النموذج الفيتنامي والجزائري) لها برنامج عمل سياسي ملموس، يشتق من تحليل علمي للواقع الموضوعي ومن تقدير سليم لطبيعة القوى التي تحكم عملية الصراع مع الكيان، وأيضًا من تشخيص دقيق لمصالح القوى الاجتماعية، تستخلص منه أساليب النضال الكفيلة بتعبئة هذه القوى واستنهاضها؛ دفاعًا عن مصالحها في تناقضها مع معسكر الأعداء وربطه بالنضال الوطني العام. غير أن أزمة المشروع الوطني ليست جديدة في الواقع السياسي الفلسطيني فهي أزمة قد رافقت الحركة الوطنية الفلسطينية منذ أن بدأ النضال الوطني المسلح ضد الاستعمار البريطاني، بعد الحرب العالمية الأولى وموجات الهجرة الصهيونية، وفي تلك الفترة عانى المشروع الوطني أيضًا من إخفاقات متتالية، بسبب تسلط الأحزاب الإقطاعية الدينية والبرجوازية على قيادته وكذلك الواقع السياسي العربي المرتبط بالاستعمار، والذي أجهض الثورة الفلسطينية الكبرى عام 36، وقد ظلت الأزمة خانقة على مسيرته حتى أفضت إلى حدوث النكبة عام 48، لكن المهم التأكيد الآن بعد استفحال خطر المشروع الصهيوني ودخوله في طور جديد، عنوانه: تهويد القدس بكاملها وضم المستوطنات وأجزاء كبيرة من الضفة الغربية المحتلة، مما يعني استمرار إعلان الحرب على الشعب الفلسطيني.

المهم التأكيد على أن المشروع الوطني الفلسطيني ليس وليد نزعة إقليمية قطرية، بقدر ما هو تعبير قومي؛ يكشف عن التناقض الرئيسي بين الوجود العربي المتجذر تاريخيًا في فلسطين وبين وجود الكيان الصهيوني الغازي الدخيل. لذلك، فإن الصراع معه هو صراع وجود وليس صراعًا على الحدود؛ الأمر الذي يستدعي صياغة استراتيجية وطنية بديلة، حتى يرتقي هذا المشروع إلى مستوى تحدي المخطط الصهيوني الأمريكي، بعيدًا عن نهج التسوية التصفوية بكل أطروحاتها المعلنة الآن، والتي لا تحمل سوى مزيد من التنازل والتفريط في الحقوق الوطنية التي أقرتها الشرعية الدولية، لأنها لن تستطيع حل القضايا الجوهرية للصراع حلًا وطنيًا عادلًا.