Menu

هكذا يحتفلون !

هاني حبيب

تحضرني بعد مشاهدتي المتكررة لاحتفالات فصائلنا الفلسطينية بانطلاقتها، تجربتي مع احتفالات الأحزاب الشيوعية الأوروبية التي شاركت في البعض منها، خاصة في إسبانيا وبالبرتغال.

فقد لاحظت كيف يتم حشد الجمهور للاحتفال، وصلت إلى مدريد والاحتفال في برشلونة، ينظم الحزب حركة الباصات من نقاط محددة بالعاصمة بأوقات مبرمجة، نصل إلى أقرب نقطة ونركب الباص "وندفع" أجرة الانتقال إلى برشلونة، إذ أن مهمة الحزب هي تنظيم الانتقال وليس دفع تكاليفه وبالتالي، فإن من يريد أن يشارك عليه أن يدفع تكاليف مشاركة، في الطريق إلى برشلونة، ننزل في محطات للراحة: سندويشات ومشروبات وبالطبع ندفع ثمنها كل حسب ما طلب.

نصل إلى قاعة الاستقبال في ساحة واسعة جداً، على مدى البصر، وسط غابة من الغابات (مثل ذلك كان في إحدى بلديات لشبونة العاصمة البرتغالية) وباعتباري ضيف وممثل لفلسطين، يقدمون لنا كمدعوين حلويات وقهوة أو أي مشروب آخر، على نفقتهم هذه المرة، ثم يسلموني بطاقات الدخول والخروج –مجاناً- لكن للمشاركين العاديين فإن المشارك يدفع ثمن البطاقات له وللعائلة وحسب رغبته، إذ إن الاحتفال يستمر لثلاثة أيام، ويشارك المشارك بالأنشطة والأيام حسب رغبته.

المشاركون من معظم أنحاء العالم، ولكل وفد مربع صغير من المساحة مع طاولة لعرض ما لديه، بالنسبة لنا: حطّات وملصقات، بينما فرق الموسيقى -أقول عدة فرق- تصدح في مناطق مختلفة بعيداً عن مساحة العرض.

وإضافة إلى الوفود هناك "أسواق" لكل بلدية أو محافظة مساحة واسعة نسبيا، تعرض كل محافظة فنونها، والأهم، فإنها تقدم مأكولاتها الشعبية التي تختص بها، وندفع ثمنها بالطبع.

ما شاهدته في لشبونة، إضافة هامة: هناك جناح لقدامى الحزب، مررت على أحدهم، يصنع من أسلاك الألمنيوم، دراجات هوائية صغيرة، لعبة أو تحفة، بيديه مع أدوات عادية، ولديه على الطاولة التي يعمل عليها، صندوق، تدفع فيه ما تجود به نفسك لصالح مالية الحزب، أو المنظمة الخاصة بقدامى الحزب.

الوفود الرسمية، لديها برنامج اختياري للجولات وأوقات تناول الطعام على نفقة الحزب، إلاّ أننا كنا نتناول الطعام من معروضات البلديات في الغالب، وتتوفر حمامات في زوايا جانبية، مبنية على خريطة يتزود بها كل مشارك وتشمل أيضاً مواقع عروض البلديات المختلفة.

المرة الأولى التي شاركت بها، قمت في البداية بتوزيع الحطات والملصقات، على كل من يزور موقعنا، إلا أن هناك من نبهني من الرفاق أن هذه المعروضات للبيع، وخلال خمسة دقائق، كنا قد بعنا مئات الحطات الفلسطينية، ونفذت فعلاً، وكذلك الملصقات، وفي معظم الأحوال، كان المقابل أكثر مما حددناه، واضطررنا إلى الطلب من سفارة فلسطين في اليوم التالي تزويدنا بالمزيد من الحطات والملصقات التي تم جلبها من مدريد إلى برشلونة مع رفيق من الرفاق.

المسار الأخير من الاحتفال، يقام المهرجان الخطابي الرئيس، ومجلس الوفود في المقاعد الأمامية، ويتم المناداة على كل وفد كي يصعد إلى المنصة الرئيسية، واحداً واحداً، وتنفجر الساحة بالتصفيق والهتاف عند اسم "فلسطين" ووفد "المؤتمر الإفريقي" على سبيل التخصيص ويعود إلى مقاعدهم الأمامية.

الملاحظة التي لابد من الإشارة إليها، أن الأمين العام للحزب يلقي كلمته (كان آلفارو كونيهال أمين عام الحزب الشيوعي البرتغالي)، وبينما كان يلقي كلمته (مع ترجمة من المرافقين للوقود) كان عدد لا بأس به من المشاركين، مازالوا يتنقلون بين معارض البلديات والمحافظات، وقد شاهدت ذلك وأنا على منصة الضيوف، بلا اكتراث أو ضرورة المشاركة في الاستماع إلى كلمة الأمين العام!!

وعلمت فيما بعد، أن كل ريع البلديات، يذهب إلى ميزانية الحزب في المحافظة أو البلدية، وهناك منافسة شديدة لعرض ما هو أفضل للحصول على ما هو أكثر، وهناك خيام للنوم على نفقة المشاركين، الضيوف كان لهم حجز في الفندق.

العودة إلى العاصمة، بنفس طريقة مغادرتها، إلاّ أن الوفود عادت على نفقة الحزب إلى فندق، وعلمت أنني أخطأت بالوصول إلى مدريد، وكان من الأفضل الانتقال من دمشق إلى برشلونة مباشرة حيث كان لدي حجز في الفندق قبل وصولي، لكن التجربة علمتني ألا أقع في الخطأ في المرات التالية.

في احتفالات الحزب الشيوعي البرتغالي، يخصصون لكل وفد مرافق أو مرافقة، على خلاف الأحزاب الشيوعية الاسبانية، حيث كانت المنظمة الحزبية للجبهة مسؤولة عن مرافقة الضيف، وفي حالتي، كان هناك رفاق من الحزب الشيوعي اللبناني أحسنوا ضيافتي وقاموا بواجبهم الرفاقي إلى أبعد الحدود.

بطبيعة الحال لا يمكنني في وضعنا الفلسطيني أخذ هذه التجربة حرفياً، بالنظر إلى الظروف المختلفة تماماً، لكن ما أردت الإشارة إليه، أنه بخلاف حالتنا، فإن الجماهير التي تلتف حول الحزب في احتفالاته ومهرجاناته وأنشطته، جماهير لا يتم رشوتها بالمشاركة، بل تدفع من جيوبها مقابل هذه المشاركة، ففي وضعنا الفلسطيني، تؤمن التنقلات والملابس أحياناً، والأغذية للمشاركين، من الحزب ومن خارجه، وبحيث يمكن للحزب الأغنى مالياً، أن يجمع من الجمهور أكثر من جمهوره الحقيقي، مقارنة مع حزب أقل قدرة على توفير ميزانية كافية لنفقات احتفاله وأنشطته، في حالة الأحزاب الأوروبية، مقياس الجمهور حقيقي، في الحالة الفلسطينية المقياس مزيف في كثير من الأحيان!