تحت راية العلم الفلسطيني يقاتل، حيث لا انتماء هنا لفصيل معين، بل الانتماء للقضية التي يقاتل في سبيلها، يقطع المسافات الطويلة والتي تتجاوز أحياناً مسافة 6 كيلومترات مشياً على الأقدام للوقوف في الصف الأول في جنازة شهيد، أو وقفة تضامنية مع أسير، حيث هنا يكون الصف الأول التعبير عن المعنى الحقيقي للتضامن، لا شكلاً صورياً فارغ المضمون.
لا يتأخر عن صناعة الهتاف، حيث لا يهم أين تكون الجنازة، أو الوقفة مهما اختلف لونها السياسي، المهم هنا المشاركة، لأنها تعني الانخراط في الهموم التي يعاني منها الشعب الفلسطيني، بل وأكثر تكون هذه المشاركة تعبير على أن الشهيد، أو الأسير، أو الجريح، هو ليس قضية فردية تهم عائلتهُ، بل هو قضية وطن.
عندما لا يتمكن "جهاد طنينه" من المشاركة خصوصاً في جنازة شهيد، يتوضأ بماء بالأمل، ويصلي عليه صلاة الغائب، كأنه هنا يمارس الحزن على عدم قدرته للوصول إلى مكان موكب التشييع، حيث يعتبر الأمل هنا أضعف الإيمان عندما يغيب "جهاد" عن ملامسه تابوت الشهيد، وهو يعلم أن فقدان هذا الأمل يعني فقدان البوصلة.
في تشييع الشهيدين "عبود صبح ومحمود عزيزي" من نابلس، ظهر "جهاد طنينه" وهو يٌقبل يد الشهيد "إبراهيم النابلسي" الذي كان مطارداً في تلك الفترة، ليقوم الأخير بعد يومين تقريباً من انتشار الصورة على إرسال قبعته الخاصة التي كان يرتديها في كل اشتباك تكريماً لهٌ، وذلك ما جعل "جهاد" يٌطلق اسم الشهيد "إبراهيم النابلسي" على مولوده الجديد، حيث "جهاد" هو القائل: " إبراهيم النابلسي هو القائد لنا".
تكمن قيمة الإنسانية داخل حياة "جهاد" في فرحته عندما ينشط العمل المقاوم في فلسطين، حيث لا يؤمن بالمنصب، ولا المال، والأخير ربما بالنسبة له مفسدة للمقاومة، فكل هذه الأشياء تضفي قيمة زائفة على حياة الإنسان الذي ينشد الحرية، والانعتاق من الاحتلال، ولكن القيمة الوحيدة التي يبحث عنها "جهاد" هي الفعل المقاوم، لأنه الوحيد الذي يشعر بقيمة القضية، وهمومها، وخيباتها، وقوتها، وانتصارها.
كل ما عليك فعله قبل أن تبدأ التنظيف، أن تقوم أولاً بتنظيف المِقَشَّة التي تكنس فيها، وغير ذلك ستبقى الأوساخ تسقط خلفك دون علمك، أو ربما بعلمك، هكذا يعلمنا "جهاد طنينه" حكمته مع الحياة، فهو صانع الجمال في شوارع بلدة "ترقوميا" غرب مدينة الخليل.
ويعلمنا كيف تكون الأمنيات أيضاً، حيث يتمنى أن يقوم بصناعة الجمال في المسجد الأقصى، وشوارع القدس ، وأكثر يتمنى أن يكون لهً عملاً جديداً، ولكن العمل الذي يبحث عنه ليس أن يصبح وزيراً، أو رئيساً...، بل أن ينتقل عمله كصانع جمال إلى مدينة القدس، كأنه يقول لنا: نحن عبيداً ولكن للوطن، ولشوارع الوطن، حيث لا قيمة لأي منصب ونحن تحت الاحتلال.
يقول الأديب السوري محمد الماغوط: "إذا الوطن غلطان أنا معو، لأنه فقير معتر متلي، بردان، أنا تيابو، ختيار أنا عكازو، حفيان، ولك أنا صرمايتو، لأنو سيدي وتاج راسي وتراب أمي فيه". يؤمن "جهاد" بهذه الكلمات فعلاً وليس قولاً، أوليس هو من يتقاضى راتباً بقيمة 600 دولار شهرياً، وينفقه على أطفاله الأربعة، وأبناء شقيقه المتوفي، وأبيه، وشقيقه الكفيف.
بلى، وأكثر، أوليس هو الذي يقوم شهرياً بتوفير ما يقارب 100 دولار شهرياً للمشاركة في الوقفات الوطنية، وجنازات الشهداء، ويعتبر هذا المبلغ مالاً لن يقوم بإنفاقه حتى لو لم يتبقَ في البيت رغيف خبز، كأنه يقول: "من يبحث عن الحرية يدفع من جيبه للوطن، لا أن ننتظر أن يدفع لنا الوطن"، وهذا الفرق بين " جهاد" المتواضع، البسيط، وبين أولئك الذين يعتاشون على حساب الوطن.
يمارس عمله دون الانقطاع عن الأخبار اليومية، وربما نعتقد أنه يقوم بذلك عبر تصفح مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن ما يقوم به "جهاد" هو وضع السماعات في أذنيه ويأتي الصوت مباشرة من جهاز المحمول المتواضع الذي لا يمكن عليه إنشاء مواقع تواصل اجتماعي، حيث يوجد على هذا الجهاز موجات خاصة لقنوات "الراديو"، وهنا كلمات المذيع عندما يقول: شهيد تكفي "جهاد"، وبعد ذلك لا يهم المكان، ومن هو الشهيد، كل ما يفكر فيه "جهاد" هو كيف يمكن الوصول إلى هناك ليدفع، ويبقى يدفع تحت سقف الشهداء حتى تكون اليد العليا لهم.
حياة "جهاد طنينه" هي تعبير مكثف عن شعار ناجي العلي القائل فيه: "إنني مُتهم بالانحياز، وهي تُهمة لا أنفيها، أنا مُنحاز لمَن هم بالأسفل"، وأكثر أنا مُنحاز لفلسطين، فهذا الرجل يمتلك قلباً حراً، بل وشجاعاً، ولم يتزحزح يوماً قيد أنملة عن اعتبار الاحتلال عدواً علينا مواجهته يومياً، وأكثر هو الوحدة الفلسطينية في رجل.
يصحو "جهاد" كل يوم عند الساعة الخامسة صباحاً، سواء من أجل العمل، أو الذهاب للمشاركة في الهم الفلسطيني، ولذلك كل صباح علينا أن نقول له ما قاله محمود درويش في قصيدته "مديح الظل العالي":
انتصرْ، هذا الصباحَ، ووحِّد الراياتِ والأممَ الحزينةَ والفصولَ..
بكُلِّ ما أوتيتَ من شبق الحياةِ’..
بطلقةِ الطلقاتِ..
باللاشيء..
وحِّدنا بمعجزةٍ فلسطينيِّةٍ...

