تتزاحمُ التطوّراتُ في اليمن والمنطقة وعلى المستوى الدولي، حيث تفعلُ الحربُ الروسيّةُ - الأوكرانيّة فعلتها في العديد من أقاليم العالم، وانعكست على العديد من الأزمات في العالم، ومنها الحربُ في اليمن التي بانت فيها بعضُ ملامح مرحلةٍ جديدةٍ ربّما تتّسم بـ "الهدنة المطوّلة"، يمكن عبرَها إحداثُ اختراقٍ نحو إنهاء الحرب.
أولى ملامحِ المرحلةِ الجديدة في اليمن تمثّلت في بيان وزارة الخارجيّة الأمريكيّة حولَ نتائجِ الجولة الخليجيّة للمبعوث الخاص إلى اليمن تيم ليندركينغ في النصف الثاني من شهر سبتمبر الماضي، وشملت المملكة العربيّة السعوديّة وسلطنة عُمان والإمارات العربيّة المتّحدة. تحدّث البيان عن أنّ المبعوث الأمريكي "وجد في لقاءاته بالدول الثلاث اتّفاقًا بالإجماع على أنّ الهدنة اليمنيّة - التي من المقرّر أن تنتهي في 2 أكتوبر- ما تزال تمثّلُ أفضل فرصةٍ للسلام منذ سنوات، حيث جلبت فترةً من الهدوء، وأتاحت الأمل غير المسبوق لليمنيين الذين واجهوا سنوات من الحرب والمعاناة".
وأكّد البيان أنّ الدول الثلاث التي زارها المبعوث الأمريكي أيّدت ودعمت اتّفاقيّة هدنة موسّعة "تشمل دفع رواتب موظفي الخدمة المدنية، وتحسين حرية الحركة من خلال فتح الطرق، ونقل الوقود بسرعةٍ عبر الموانئ، وتوسيع الرحلات التجاريّة من مطار صنعاء"، وفق البيان.
كان هذا التصريح قبيل أيام من خطاب رئيس المجلس السياسي لجماعة أنصار الله السيد مهدي المشاط بمناسبة الذكرى الثامنة لـ"ثورة 21 سبتمبر"، والذي لفت فيه إلى امكانية إسدال الستار على الحرب، إذ قال في خطابه: "أُعلن لشعبنا اليمني العزيز بكل ثقة عن انتقال ثورته الخالدة من طور الصراع والقتال من أجل الوجود والبقاء إلى طور الثورة التي جاءت لتبقى". وأكد المشاط في موضع آخر من الخطاب "حرصنا الكبير على السلام والانفتاح على كل الجهود والمساعي الخيرة، واستعدادنا التام لتبادل معالجة المخاوف، وضمان المصالح المشروعة مع محيطنا العربي والإسلامي، ومع كل دول العالم التي يعترف بها شعبنا اليمني العظيم". ودعا ما اسماه (قيادة الحرب في الجانب الآخر) إلى "الانتقال المشترك من استراتيجيات الحرب والسياسات العدائية إلى استراتيجيات وسياسات السلام، والعبور المشترك نحو إصلاح وتصحيح ما بني على استراتيجيات الحرب من قرارات، وتصنيفات وممارسات وتصورات عدائية، وحقيقتها إما أنها غير صحيحة، أو أنها على الأقل مبالغ فيها، وصولا إلى إنهاء العدوان والحصار والاحتلال بشكل كلي، ومعالجة آثار وتداعيات الحرب، والتعاون في إصلاح ما أفسدته الحرب". ودعا الى اجراءات لبناء الثقة "بدءا بالخطوات الضرورية في الجانبين الإنساني والاقتصادي، وفي مقدمة ذلك رفع الحصار عن الموانئ والمطارات اليمنية، وضبط موارد الثروات النفطية والغازية بما يكفل صرف الرواتب إلى جانب العمل على إحراز التقدم المطلوب والمشجّع في تبادل إطلاق الأسرى والجثامين، والكشف عن المفقودين، ومن جانبنا -كطرف صنعاء- نؤكد جاهزيتنا التامة للدخول الفوري في إنجاز هذه الخطوة الإنسانية على قاعدة “الكل مقابل الكل”، وغيرها من الخطوات في هذا السياق الإنساني والاقتصادي، تمهيدا للانتقال إلى وقف إطلاق نار دائم".
تصريحات مسؤول حركة أنصار الله والخارجية الأمريكية وتصريحات الأمين العام للأمم المتحدة التي أكد فيها أن الحوثيين قدموا تنازلات كبيرة، تزامنت مع تصريحات الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في الأمم المتحدة، حيث ألقى خطابا هناك في 21 سبتمبر / أيلول، قال فيه أن "لدى طهران سياسة حسن الجوار وتعميق العلاقات بالدول المحيطة (..) الحروب لا تحل المشاكل، بل الحوار قادرٌ على ذلك، وكنتُ أؤكد لدول المنطقة أهمية التعاون بيننا (..) إيران بلد إقليمي قوي، وبدأت فصلاً جديداً من الصداقة مع دول العالم، وأثبتت أنّها صديقة لجيرانها في الأوقات العصيبة". لم يترك رئيسي مجالا للتكهنات حول العلاقة مع السعودية، فصرح في نفس اليوم بأن بلاده "ترحب بتحسين العلاقات مع المملكة العربية السعودية"، لكنه أصر على "أن هذه العملية يجب أن تسير على أساس الاتفاقات والتفاهمات التي تم التوصل إليها في المباحثات بين مسؤولي البلدين في العراق".
تأتي هذه التطورات المتسارعة قبيل أيام على نهاية الهدنة الثانية وبدء هدنة جديدة مع مطلع هذا الشهر، أكتوبر/تشرين الأول. هدنة ربما تُمكِّن اليمنيين من ترميم والتقاط أنفاسهم والعمل على إعادة ولو جزء من عجلة الحياة الطبيعية بعد حرب ما تزال تضرس الأخضر واليابس منذ سبع سنوات عجاف قُتل فيها نحو 400 ألف يمني بشكل مباشر وغير مباشر، فيما تحذر التقارير الأممية من أن استمرار الحرب لعقد إضافي سوف يؤدي الى وفاة 1.3 مليون شخص في بلد يعتبر اليوم من أفقر دول العالم في منطقة متخمة بالثراء الفاحش مقابل الفقر والحروب الداخلية التي تعصف بالعديد من دول المنطقة.
الهدنة الأولى التي بدأت في مطلع شهر أبريل/ نيسان الماضي شكلت حاجة وضرورة للشعب اليمني الذي يعاني الأمرين في كل مناطق البلاد. إن عدد القتلى المفزع ليس سوى قمة جبل الجليد الذي يخفي تحت رماد الحرب الكثير من المآسي والكوارث. فبالاضافة لمئات آلاف القتلى، تسجل المنظمات الدولية أن عدد جرحى الحروب في اليمن قد بلغ أكثر من مليون جريحا، جُرِحوا في الحروب الستة بين نظام علي عبدالله صالح وانصار الله، مرورا بحروب انفصال الجنوب وتمركز تنظيما القاعدة وداعش في المناطق الجنوبية والشرقية، وصولا للحرب الأخيرة. جرحى يعانون ويلات الإصابات والعاهات المزمنة التي جعلت من أغلب هؤلاء عالة على أهاليهم غير القادرين على تطبيبهم بعد أن تخلت الدولة عنهم أو عجزت عن القيام بذلك بعد تدمير المستشفيات وتاليا القطاع الصحي.
وفي بلد مُهشم بسبب الحروب، يكون وضع النازحين أكثر صعوبة، فقد بلغ عددهم داخل اليمن 4.3 مليون حتى منتصف العام الجاري 2022، حسب ممثلة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في اليمن "مايا اميراتونغا"، وأن أغلب هؤلاء غير قادرين على توفير قوت يومهم، مما وسع الفقر وتمدّد إلى نحو 85 بالمئة من السكان البالغ عددهم نحو من 30 مليونا و500 ألف نسمة، أي أن قرابة 26 مليون شخص هم فقراء ويحتاجون إلى مساعدات عاجلة في المأكل والسكن والملبس، وخصوصا الأطفال والنساء الذين يعانون من البؤس والتهميش ويتحولون بسرعة إلى ضحايا للحرب، حتى أن تقريرا صدر نهاية نوفمبر الماضي عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أفاد بأن طفلا يمنيا دون سن الخامسة يموت كل تسع دقائق بسبب الحرب. الحرب التي تسببت بخسائر في الناتج المحلي الإجمالي تراوحت ما بين 170 مليار دولار إلى 200 مليار دولار أمريكي، وفق تقارير عدة، وأن الوضع "يستمر في الانهيار"، وفق تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
إن هذه الأرقام المفزعة ليست صماء بلا نفس، بل هي كارثية وتعبر عن أرواح تعاني ومؤسسات بحاجة لإعادة بناء، ما يفرض ضرورة إيجاد الحلول الجذرية التي من شأنها فرملة حفلات الموت اليومية ووقف المفرمة التي يواجهها اليمنيون ويقدمون تضحيات كبيرة قل نظيرها.
لا شك أن طريق الحرب المسدود الذي بلغته الأزمة في اليمن قد فرض إلى تحريك المياه الآسنة لتبدأ في الجريان من تحت الجسر، فجاءت الهدنة الأولى مطلع أبريل الماضي حاملة معها بنودا مهمة أغلبها يتصل بالجانب الإنساني، وأهمها التزام طرفا النزاع بوقف جميع العمليات العسكرية الهجومية، بما فيها الجوية والبرية والبحرية، داخل اليمن وعبر حدوده، ودخول سفن المشتقات النفطية إلى موانئ الحديدة وتسيير الرحلات الجوية التجارية من وإلى مطار صنعاء نحو وجهات في المنطقة محدَّدة مسبَّقاً، والتقاء الأطراف للبحث في فتح الطرق في تعز وعدة محافظات في اليمن. ومنذ شهر أبريل/ نيسان حتى الوقت الراهن تم تنفيذ بعض البنود ذات الصلة بالجانب الانساني في المقام الأول، فيما تلكأت بعض الأطراف في تنفيذ بنودا أخرى، مما أسهم في إحداث اختراقات هددت الهدنة بالإنهيار في بعض الأحيان.
في الوقت الراهن، وحيث ترصد الولايات المتحدة تحركات الدول المنتجة للنفط والغاز، تبدو حساباتها تميل إلى تهدئة جادة وطويلة في اليمن، لكي لا يخطئ أحد أطراف الصراع الحسابات ويحدث ما هو غير متوقع من أزمات جديدة في إمدادات الطاقة، إن لم تُلبِ مطالب انصار الله. والظاهر أن بوادر هذا الحث انتجت موافقات إقليمية، بواكيرها تمثلت في الموافقة على معالجة مشكلة خزان النفط قبالة ميناء الحديدة، حيث وافقت دول الإقليم على توفير التمويل اللازم لتفريغ الخزان من النفط قبل وقوع الكارثة البيئية. إن مؤشرات هذه التهدئة أو الهدنة أوجدته "فرص الصدفة" بتقاطع المصالح في أزمات عدة بأقاليم العالم قادت إلى دفع الإدارة الأمريكية بهذه الهدنة، مكرهة ربما، ومخالفة توقعات مركز "ستراتفور" للدراسات الاستراتيجية والأمنية الأمريكي، الذي لفت إلى أن حرب اليمن "ما تزال بلا نهاية واضحة تلوح في الأفق، لأن أنماط الحرب الدورية والجهات العسكرية المتطابقة بالتساوي على كل الجانبين تدفع باستمرار الصراع بعيدا عن التسوية السياسية أو وقف اطلاق النار"، حسب المركز.
وبعيدا عن فذلكات وتحليلات المراكز الغربية ومن لف لفها، فإن اليمن الذي ينزف منذ أكثر من سبع سنوات وغرق في الدم، لكنه، وباعتراف التقارير الأممية التي تدير مؤسساتها ظهرا لليمنيين.. هذا البلد بخلاف دول المنطقة يستضيف بسخاء عشرات الآلاف من اللاجئين من بلدان أخرى متضررة بالحروب التي تفرم البشر والحجر.
ثمة إصرار على تمديد الهدنة ووقف الحرب وإعادة الإعمار على حساب مخططات التفجير وسكب الزيت على نار الأزمة التي أتت على كل شيء، ولم تعد هناك أعذارا جديدة لأحد في هذا الإقليم وفي القوى الدولية تمنع إيقاف هذا الدمار الرهيب، كما لم يعد للمراوغات والالتفاف على المطالب الإنسانية لليمنيين مكانا بين هذا النزيف الذي لايتوقف. فهل من يعلق الجرس ويعلن بشكل صريح إنهاء الحرب؟!

