حزمةُ العقوباتِ السبعِ غيرِ المسبوقةِ التي فرضها الاتّحاد الأوروبيّ والولايات المتّحدة وبقيّة دول الغرب الرأسماليّ على روسيا، بعد أن شرعت في عمليّتها الخاصّة في أوكرانيا في الرابع والعشرين من شباط ( فبراير) الماضي، لم تستهدف معاقبة روسيا على عمليّتها العسكريّة في أوكرانيا فحسب، بل تهدفُ إلى إضعاف روسيا وصولًا إلى تقسيمها على النحو الذي جرى فيه تفكيك الاتحاد السوفياتي في مطلع تسعينات القرن الماضي، لكن المعطيات الراهنة أكّدت وتؤكّد أنّ دول الاتّحاد الأوروبيّ تضرّرت أكثر من الضرر الاقتصاديّ الذي لحق بالاتّحاد الروسيّ، وتؤكّد أيضًا أنّ الاقتصادَ الأمريكيّ والبريطانيّ تأثّر بالسلب جرّاءَ الأزمة الأوكرانيّة وجرّاء عوامل أخرى.
وكان "الروبل" المستهدف الرئيسي من العقوبات الاقتصاديّة، إدراكًا من الغرب أنّ تحطيم "الروبل" يشكّل المدخل الرئيسي للانهيار الاقتصادي في روسيا، الذي في حال تحقّقه، تفقد الدولة قدرتها على مواصلة الحرب في أوكرانيا ودفع تكاليفها، ويفقد المواطن في الاتّحاد الروسي القدرة على تلبية احتياجاته الرئيسية، حيث راهنت دول حلف الناتو، على تحرك جماهيري في ساحة الكرملين للمطالبة بسحب القوات الروسية من أوكرانيا، بل والمطالبة بإسقاط حكم الرئيس فلاديمير بوتين. وما حصل هو العكس، إذ باتت المظاهرات تعم العديد من العواصم الأوروبية احتجاجاً على دعم أوكرانيا وعلى العقوبات على روسيا، وأبرز هذه الاحتجاجات مظاهرة أل 100 ألف التي حصلت في جمهورية تشيكيا، والمظاهرة الكبرى في مولدافا.
لقد استعدت روسيا للمواجهة مبكّرًا، قبل الرابع والعشرين من فبراير (شباط) الماضي بسنوات عديدة ، منذ الانقلاب على الرئيس المنتخب في أوكرانيا "فيكتور يانوكوفيتش" في شباط (فبراير ) 2014، الذي وقفت ورائه دوائر الاستخبارات الغربية، بل ومنذ أن نصب حلف الناتو الدرع الصاروخي في بولندا، حيث تيقنت القيادة الروسية، بأن الغرب يستهدف روسيا بوصفه الوريث الجيوسياسي للاتحاد السوفياتي، وبحكم مشروعها الأوراسي الذي بات يؤرق الدول الغربية والولايات المتحدة، مثلما يؤرق طريق الحرير "مبادرة الحزام والطريق" الصينية الولايات المتحدة.
"الروبل" ينتصر على العقوبات
وفي مواجهة هذه العقوبات، حرصت روسيا على حماية "الروبل" لإفشال بقية الاستهدافات الغربية، من خلال سلسلة إجراءات أبرزها:
أولاً: اشترطت روسيا على دول الاتحاد الأوربي دفع ثمن الغاز الروسي بالعملة الروسية "الروبل" وليس باليورو أو الدولار، حيث ماطلت دول الاتحاد واعترضت على الدفع بالروبل، معتبرةً أن روسيا تخل بالاتفاقات المعمول بها بشأن العملات التي يتم تسديد ثمن الغاز لشركة "غاز بروم الروسية" لكنها في المحصلة رضخت للشروط الروسية، ما زاد الطلب على الروبل وحصنه من الانهيار.
ثانياً: لجوء إدارة البنك المركزي برئاسة المصرفية والاقتصادية المخضرمة "الفيرا نابولينا" بعد اندلاع العمليات العسكرية في أوكرانيا، إلى تدابير وإجراءات تهدف إلى احتواء العقوبات، ممثلةً بزيادة سعر الفائدة أكثر من الضعف إلى 20%، واستخدام ضوابط رأس المال لتقييد تدفق الأموال إلى خارج البلاد بشدة، وإغلاق تداول الأسهم في بورصة موسكو، وتخفيف اللوائح التنظيمية على البنوك، حتى لا يتم انتهازها للاقتراض، حيث أوقفت هذه التدابير الذعر الأولي، وساعدت على انتعاش الروبل ودعم الاستقرار المالي واستقرار الأسعار وحماية مدخرات المواطنين من الاستهلاك.
ثالثاً: تحويل احتياطيات البنك المركزي الروسي التي نمت لتصل قيمتها إلى أكثر من 600 مليار دولار، نحو الذهب واليورو والرنمينبي الصيني، وبالإضافة إلى ذلك انخفضت حصة الدولارات في الاحتياطيات إلى نحو 11 في المائة، من أكثر من 40 في المائة، حسبما قالت نابيولينا للمشرعين في البرلمان الروسي في نيسان/أبريل الفائت: "أنه حتى بعدما جمّدت العقوبات احتياطيات البنك في الخارج، فإن البلاد لديها احتياطيات كافية من الذهب والرنمينبي".
رابعاً: أما أكثر الإجراءات صرامة وأهمية، فكانت تدابير الحماية الأخرى التي وضعها البنك المركزي الروسي، لمواجهة العقوبات، مثل إيجاد بديل لنظام "سويفت"، وهو نظام الرسائل المصرفية العالمي الذي تم تطويره في السنوات الأخيرة، حيث قام البنك المركزي الروسي بتغيير البنية التحتية للمدفوعات لمعالجة معاملات بطاقات الائتمان في البلاد.
لقد أوقفت هذه التدابير الذعر الأولي، وساعدت على انتعاش الروبل كون هذه الخطوات ضرورية لدعم الاستقرار المالي، واستقرار الأسعار وحماية مدخرات المواطنين من الاستهلاك، إذ أنه وبعكس التوقعات التي راهن عليها الغرب بشأن إضعاف الروبل سجل الروبل صعوداً غير مسبوق في زمن الحرب، أذهل صانعي القرار السياسي والاقتصادي في واشنطن وفي الاتحاد الأوروبي، وبهذا الصدد نشير إلى الصعود المتدرج للروبل في مواجهة الدولار واليورو على النحو التالي:
1- في 13 نيسان ( أبريل) 2022 على الرغم من العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، العملة الروسية الروبل الروسي صعد "الروبل" إلى مستويات قياسية هي الأولى منذ 2017، حيث جرى تداول العملة الأوروبية (اليورو) عند مستوى 65.35 روبل، وانخفض سعر صرف الدولار بواقع 23 كوبيكا (الروبل = 100 كوبيك) إلى 63.07 روبل، وقبل ذلك في مستهل التعاملات تم تداول الدولار دون مستوى 63 روبلاً، وذلك للمرة الأولى منذ شباط/فبراير 2020، في حين جرى تداول العملة الأوروبية (اليورو) عند مستوى 65.35 روبل، وقبل ذلك في بداية التعاملات تم تداول اليورو دون مستوى 65 روبلاً، وذلك لأول مرة منذ حزيران/يونيو 2017.
2- وفي 25 نيسان (أبريل) الماضي واصل الروبل الروسي ارتفاعه أمام العملتين الأميركية والأوروبية، وذلك في أعقاب إجراءات المصرف المركزي الروسي للتقليل من آثار العقوبات، حيث تراجع سعر صرف اليورو أمام الروبل، ليسجل أدنى مستوى له منذ حزيران/يونيو 2020 عند حوالي 77 روبلاً، أما الدولار فيتراوح سعر صرفه عند 73 روبلاً، وفق بورصة موسكو. كما انخفض سعر صرف الدولار بمقدار 2.48 روبل، إلى 72.97 روبلاً، أما اليورو فتراجع بمقدار 3.07 روبلات إلى 77.08 روبلاً، كما انخفض سعر صرف اليورو بواقع 2.6 روبل إلى 77.55 روبلاً، وفقاً لبيانات بورصة موسكو، وفي المحصلة عاود الروبل الارتفاع بثبات ليصل إلى مستويات تفوق ما كان عليه عشية العملية الروسية في أوكرانيا.
وفي سوق الأسهم الروسية، ارتفع في ذلك التاريخ مؤشر بورصة موسكو للأسهم المقومة بالدولار "RTS" بنسبة 0.69% إلى 934.71 نقطة، وجاء ذلك خلافاً لمؤشر البورصة للأسهم المقومة بالروبل "MICEX"، الذي تراجع بواقع 2.67% إلى 2172.7 نقطة.
وكانت بيانات للبنك المركزي الروسي أظهرت أنّ احتياطيات روسيا الدولية، التي تتضمن ذهباً ونقداً أجنبياً، صعدت في الفترة من الأول من نيسان/أبريل الجاري، وحتى 8 من الشهر نفسه هي بواقع 2.9 مليار دولار
وفي الأسابيع الأخيرة، عاود الروبل الارتفاع بثبات ليصل إلى مستويات تفوق ما كان عليه عشية العملية الروسية في أوكرانيا.
مرتكزات أساسية في مواجهة الدولار
بقي أن نشير إلى أن الجهود الروسية الساعية للحد من انكشاف اقتصادها على الدولار الأمريكي، ارتكزت على ثلاثة جوانب رئيسية، وهي كالتالي:
1- خفض حصة الدولار من الاحتياطي النقدي الروسي واستبداله باليوان واليورو، ولهذا خفض البنك المركزي الروسي حجم الاحتياطيات النقدية المُقومة بالدولار بأكثر من النصف بين عامي 2013 و2020. فيما أعلن وزير المالية الروسي، في يوليو 2021، عن خطط للتخلص نهائياً من الأصول المقومة بالدولار في المحفظة الاستثمارية لصندوق الثروة السيادي الروسي.
2- خفض حصة الدولار في التجارة الروسية مع الدول الصديقة، وهو ما دفع موسكو إلى إبرام اتفاقيات متنوعة مع عدة حكومات أخرى لإعطاء الأولوية لاستخدام العملات المحلية في التجارة الثنائية.
3- الحد من اعتماد موسكو على البنية التحتية لنظام المدفوعات الدولية، حيث أنشأت روسيا نظام دفع إلكتروني محلي جديد يُسمى “مير” MIR، كما أطلقت في السنوات الماضية نظاماً لتبادل الرسائل بين البنوك يُطلق عليه “SPFS”، للعمل كبديل لنظام “سويفت” العالمي (انظر بحث بعنوان: هل تنجح روسيا في تدويل الروبل في مواجهة هيمنة الدولار على التجارة الدولية، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 21 سبتمبر/أيلول 2022).
نحو إزاحة تدريجية للدولار من عرش الهيمنة
من البديهيات القول أن هيمنة الولايات المتحدة الأحادية على العالم، في إطار القطبية الواحدة، خاصةً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في مطلع تسعينات القرن الماضي، تعود إلى هيمنة الدولار كعملة رئيسية للتداول إلى جانب هيمنتها العسكرية، ومن المعلوم أن الدولار كان مغطى بالذهب بعد الحرب العالمية الثانية، ما جعله العملة الاحتياطية لكثير من الدول ،لأنه العملة الوحيدة التي تحمل ضمانة علاقته بالذهب، فالذي يملك الدولار يملك الضمانة أنه يستطيع الحصول على أونصة ذهب مقابل 35 دولار، لذلك بقي الدولار العملة المقبولة عالمياً في التعاملات الدولية، بسبب هذه الضمانة ذاتها وبسبب الطلب المستمر على السلع الأمريكية.
لقد أنهى الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون عام 1971 العمل بنظام بريتون وودز الذي جرى إرسائه بعد الحرب العالمية الثانية، واستناد الدولار إلى غطاء الذهب، لأن احتياطي البلدان الأجنبية من الدولار بات أكبر بكثير مما يمكن تسويغه بالرغبة في استيراد سلع أمريكية أو في استثمار داخل الولايات المتحدة، وبنتيجة ذلك تزايد الطلب على استبدال هذه العملة بالذهب، والمشكلة التي دفعت نيكسون لاتخاذ قراره تكمن في أن احتياطي الذهب، في الولايات المتحدة لم يكن كافياً إلا لتلبية هذه الطلبات التي إن تزايدت كثيراً تتسبب في تقويض النظام العام (انظر : جي آر. ماندل، العولمة والفقراء، تعريب وليد شحادة، الحوار الثقافي، 2004، ص 125-126). وباتت الولايات المتحدة تطبع العملات وتوظفها لنهب ثروات العالم، في أكبر عملية تحايل اقتصادي في التاريخ إذ أن كلفة طباعة (100) دولار لا تتجاوز (13) سنتاً فقط (المصدر: The Federal Reserve System).
تدرك كل من روسيا وجمهورية الصين الشعبية، بأن إنهاء الهيمنة الأمريكية على العالم تقتضي إنهاء هيمنة الدولار، ولا يساورهما أدنى شك أن إنهاء هذه الهيمنة تستغرق وقتاً طول نسبياً، لكنهما وغيرهما من الدول بدأت العمل لإنزال الدولار من عرشه من خلال ما يلي:
أولاً: الاتفاق بين الجانبين الروسي والصيني في القمة الافتراضية بين الرئيسين بوتين وبينغ في نوفمبر (تشرين ثاني) 2021 على إنهاء الهيمنة الأمريكية الاقتصادية والعسكرية على العالم وإقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب وإنشاء نظام مالي مستقل، ما شكل خطوة استباقية لإجهاض أي نوايا أمريكية لعقوبات اقتصادية، أبرزها إخراج روسيا، وربما الصين أيضا، من النظام المالي العالمي الذي تسيطر عليه أمريكا (سويفت)، على أرضية التوتر في أوكرانيا، وعزم روسيا اجتياح شرقها.
ثانيا: تقود الصين وروسيا والهند جهوداً كثيفة لإجراء تجارة بالعملات الوطنية، خاصةً بعد سقوط روسيا تحت وطأة العقوبات الغربية في عام 2014. ولتمكين مثل هذه العملية، أنشأت روسيا والصين آليتَي دفع خاصتَين بهما بدلاً من نظام “سويفت العالمي”، وهما “نظام تحويل الرسائل المالية” (SPFS) و”نظام الدفع عبر الحدود بين البنوك” (CIPS) لإجراء عمليات ثنائية ومتعددة الأطراف، كما انضمت الهند إلى هذه الجهود، حيث يمكن اعتبار قرار الهند بشأن التجارة الدولية عبر العملات الوطنية حدثاً بارزاً، ليس لتمكين تجارة الروبية والروبل فقط، بل لتعزيز تجارة نيودلهي في الجوار المباشر والممتد أيضاً، بما في ذلك إيران وآسيا الوسطى وجنوب القوقاز(انظر: سنية عبد القادر نايل، بحث حول بدائل الدولار، انترريجنال للتحليلات).
ثالثاً: توافق دول منظومة البريكس التي تأسست عام 2006 من كل من روسيا والصين والهند وجنوب إفريقيا والبرازيل، والتي تشكل 40 في المائة من عدد سكان العالم، على التعامل بينها بعملاتها المحلية، وقد دعت روسيا تحالف "بريكس" إلى تمديد استخدام العملات الوطنية ودمج أنظمة الدفع، بعدما عزلتها العقوبات عن النظام المالي العالمي وعما يقارب نصف احتياطاتها من الذهب والعملات الأجنبية، والتي بلغت 606.5 مليارات دولار، في أوائل نيسان/أبريل2022.
رابعاً: على هامش زيارة بوتين إلى إيران، في أغطس (آب) الماضي، أعلن محافظ المصرف المركزي الإيراني علي صالح آبادي، أن طهران وموسكو بدأتا التعامل بالريال الإيراني مقابل الروبل الروسي في مبادلاتهما الثنائية، وأن مصدري السلع يمكنهم بيع الروبل الذي يحصلون عليه من الجانب الروسي في السوق الإيرانية لاستيراد السلع من روسيا. وتزامنا مع حذف البلدين عملة الدولار من مبادلاتهما التجارية، بدأت بورصة العملات الإيرانية التداول بزوج الروبل الروسي والريال الإيراني.

