يبدأ الشعور بالحاجة إلى هوية وطنية جامعة عندما يصل العجز منتهاه على مستوى الدولة بأجهزتها، وعلى مستوى المجتمع بمكوناته، بمعنى آخر عندما يتبلور وعى جماعي بأن الجميع أضحى لا شيء. عندها يكون الحديث عن آمال وطموحات وطنية أكثر من عبث وأدهى من نزقات لا شعورية، عندها يتجدد السؤال عند بعض المهمومين بشأن الوطن: كيف لنا أن نعود "أمة"؟ وكيف لنا أن نكون وطناً؟
لبنان "بكل روعته وجماله واقتداره التاريخي" يقدم لنا بانتكاساته الراهنة نموذجاً لتلك الحالة التي تجاوزت حدود ما أسميناه بـ "الإنهاك المجتمعي" على نحو ما كشفته مداولات ومقررات "ورشة تفكير وحوار" بعنوان "الأزمات اللبنانية المتلاحقة: في الخليفات وفي القضايا وعملية المواجهة وآليات العمل". فقد تحدثت هذه "الورشة" عن لبنان باعتباره "أكبر منهبة في تاريخ البشرية المعاصر على يد منظومة الفساد والإفساد، حيث تم تبديد المال العام والسطو على أموال المودعين"، وحيث "بات الفساد عنواناً دائم الحضور، متفشياً بين غالبية الطبقة الحاكمة، وليتعدى إلى العديد من الشرائح المجتمعية، بل ليغدو ثقافة متأصلة عميقة"، وحيث "العطب المعنوي، الذي يعانيه النظام السياسي"، وحيث يحكم لبنان "ذات الأفرقاء السياسيين والأحزاب (الميليشوية) التي شاركت في ما سمى بـ (حرب السنتين 1975- 1976). فهؤلاء هم أنفسهم الذين يمسكون اليوم بتلابيب السلطة وتحاصصها في مختلف المجالات باسم الطوائف والمذاهب".
توصيف، رغم دقته، إلا أنه مفعم بكثير من المرارات، ويكشف عن مدى صعوبة وتعقيد أي عملية وطنية يكون هدفها استعادة لبنان. وإذا كانت وثيقة "الهوية الوطنية اللبنانية" التي تحدثنا عنها الأسبوع الفائت التي أعدها "منتدى التكامل الإقليمي" في لبنان بدأت تتداول بين العديد من جهات المجتمع المدني، باعتبارها مشروع فكرى أو ثقافي أو حضاري بعيد المدى أو ربما أكثر ينطلق من "قاعدة شعورية – عاطفية" مندفعة بحب الوطن اللبناني وحب أبناء هذا الوطن بكل مكوناته العرقية والطائفية والمذهبية، وتعدداته الثقافية، باعتبار أن هذا كله المدخل الأصح لإعلاء شأن مبدأ "المواطنة المتساوية" التي يجب أن تعلو كل اعتبار، وللتأسيس للهوية الوطنية المأمولة، فإن ورشة "الأزمة اللبنانية المتلاحقة" المشار إليها هنا "حملت الفكرة من مجال التبشير وأخذتها إلى مجال البحث في وضع خارطة طريق لإنقاذ لبنان من أزماته".
الورشة هي عبارة عن "مبادرة حوارية" أطلقتها مجموعة من الشخصيات اللبنانية المقيمة وفى بلاد الاغتراب تضم أكاديميين ودبلوماسيين وإعلاميين بتنظيم مشترك بين مجموعة "لقاء من أجل لبنان" و"مركز عكار للدراسات والتنمية المستدامة"، وجرت يوم السبت (8/10/2022 الجاري)، كان الهدف منها التوصل إلى صياغة وثيقة سياسية واقتصادية واجتماعية، ذات بُعد وطني، تساهم في تحقيق التغيير المنشود، وتعبد الطريق إلى "لبنان جديد"، كبديل لـ "لبنان المترهل والمتهالك"، على حد وصف مخرجات هذه الورشة.
أول ما لفت اهتمام المشاركين في هذه الورشة مدى فداحة وعطب الدولة والمجتمع في لبنان سواء من ناحية عمق التفكك والتشرذم، ليس فقط في المؤسسات والهياكل السياسية والاقتصادية، وفى المكونات الاجتماعية من طوائف ومذاهب، بل وأيضاً في منظومة القيم والأفكار المتداولة والحاكمة.
وثاني من لفت اهتمام المشاركين أن لبنان بات ضحية "تأزم عالمي"، وواقع تحت تعقيدات الوضع الإقليمي دائم التوتر، إلى جانب هذا كله يعاني لبنان أيضاً من تأصل منظومة قيم بالية متوارثة في مقدورها إفشال وإعاقة أي محاولة للإنقاذ، إلى جانب هشاشة الكثير من جماعات "المجتمع المدني" وتورطها في لعبة النظام.
كيف يمكن الطموح إلى صياغة "خارطة طريق" لإنقاذ لبنان وسط كل هذه التحديات؟
السؤال يهم لبنان، ويهم كل قطر عربي. فكثير من الدول العربية لم تعد أحوالها أفضل من حال لبنان، لكن السؤال نفسه يكشف جدية صعوبته إذا كنا نتحدث عن "خارطة طريق للإنقاذ العربي".
هنا تتجلى عبقرية الفكر في إيجاد ما يمكن اعتباره "مسلك اختراقي للأزمات"، أي التوافق على أفضل السبل التي من خلالها يمكن اختراق جدار الأزمات المتكتلة والمتصلبة معاً، وكأنها تحتمى ببعضها البعض سواء كانت أزمات تردى التماسك الوطني، أو أزمات تردى فعالية النظام، أو أزمات عطب منظومة القيم العليا التي من خلالها تتشكل الهوية الوطنية.
المتحاورون في ورشة "الأزمات اللبنانية المتلاحقة" التي نتحدث عنها توصلوا إلى توافق حول ما يمكن اعتباره "المسلك الاختراقي" لأزمات لبنان إضافة إلى مجموعة أخرى مميزة من التوصيات الداعمة. فقد تم التوافق على "تشكيل كتلة متراصة" من كل المناطق اللبنانية، تلتقي على "مشروع سياسي تغييري"، تسير به، وعدم انتظار الخارج لحل أزمات لبنان، تكون غايته "إرساء شرعية دولة مدنية حديثة، قادرة وعادلة"، مع بناء علاقات مع جميع دول العالم "باستثناء العدو الإسرائيلي".
إلى جانب هذا "المسلك الاختراقي" توافق المشاركون أيضاً على ضرورة إقامة أنشطة وفعاليات "توعوية" هدفها الارتقاء بالوعي الوطني وبالتحديد بالمسلك الاختراقي، وتعزيز الفكر الإيجابي، وتكريس الانتماء الوطني على ما عداه من الانتماءات الأخرى الفرعية والطائفية والمذهبية والعشائرية والمناطقية.
مجمل هذه المهام تصب في وعاء واحد واضح ومحدد وهو وعاء النهوض بـ "هوية وطنية جامعة تعلو على كل الهويات الفرعية" شرط أن تؤسس على مضامين استراتيجية وتاريخية كبرى، تتعانق جنباً إلى جنب مع ضرورة تعظيم مشاعر التعايش المشترك المرتبط بحب الوطن وحب كل مواطنيه. هنا بالتحديد يمكن أن تلتقي مخرجات هذه الورشة الحوارية وغيرها مع نصوص ميثاق "الهوية الوطنية اللبنانية" لما بينهما من تكامل وترابط، شرط أن يوفق هذا المسار في التأسيس لـ "الكتلة الوطنية الجامعة" القادرة على حمل مسئولية الدعوة إلى "مشروع الهوية الوطنية" وإعلاء شأن مبدأ المواطنة، وإلغاء كل تمييز بين المواطنين لأية أسباب اجتماعية أو سياسية أو دينية أو طائفية أو مذهبية.
فمشروع الهوية الوطنية سواء كان في لبنان أو في أي دولة عربية هو "الخيار الوحيد" للإنقاذ من كل مشروعات التفكيك والتفتيت للشعوب والأوطان العربية وإعادة التقسيم، فهذه كلها ترتكز على مشروع تأصيل الهويات الفرعية المذهبية والطائفية والدينية والعرقية على الهوية الوطنية الجامعة. فعندما تتصارع الهويات داخل الوطن الواحد، لا يكون هناك من أثر حقيقي لمثل هذا الوطن. فاستعادة الأوطان مرهونة باستعادة هوياتها الوطنية وإعلاء شأن هذه الهويات باعتبارها أغلى المكاسب الوطنية.

