Menu

الوجودية نظرية الحرية الفردية

محمّد جبر الريفي

ارتبط الفيلسوف الفرنسي الشهير سارتر في الثقافة الغربية بالفلسفة الوجودية، كما كانت من مفكريها وأعلامها البارزين سيمون دي بفوار. والوجودية هي نظرية مادية صاغها سارتر من وحي الدمار الذي ألحقته الحرب العالمية الثانية في أوربا، وما نتج عنها من مآسي وكوارث إنسانية، انهارت بها القيم والمبادئ، خاصة مبدأ الحرية الذي هو محل اهتمام الفرد في المجتمع المدني، لذا فالوجودية كفلسفة في الإطار الأيديولوجي، تنزع بشكل خاص إلى المناداة بالحرية المطلقة، بدون حدود، خاصة فيما يتعلق بالسلوك الفردي للتأكيد على الوجود المادي للإنسان ككائن اجتماعي له رغبات ذاتية خاصة، يريد إشباعها بشكل مطلق (الفردانية والذاتية) للحصول على السعادة الدنيوية.

لقد كان للفلسفة الوجودية تأثيرها على الأدب الأوربي، حيث اعتنق الوجودية كثير من المثقفين والأدباء الغربيين الذين نظروا إليها كفلسفة تقدمية في مواجهة المفاهيم اللاهوتية المسيحية المتزمتة التي كانت تمارسها الكنيسة في عصر الإقطاع على حرية العقل وتحد من حريته الفردية، لكنها في نطاق الإطار الإيديولوجي ظلت بعيدة عن تحليل المجتمع الإنساني على أساس طبقي اجتماعي، مما جعلها تيار ثقافي وفكري أكثر منها نظرية سياسية، وتأتي رواية الذباب الذي كتبها سارتر نفسه كرمز للأدب الوجودي، حيث صور في الرواية وضع فرنسا أثناء الاحتلال النازي الألماني في الحرب العالمية الثانية، وذلك قبل تحريرها على يد المقاومة الفرنسية بقيادة الجنرال ديجول، وبمساعدة جيش الحلفاء. كما من أعماله التي لها طابع سياسي هو كتاب عاصفة على السكر، حيث تحدث فيه عن الظلم الاجتماعي الذي كانت تعاني منه كوبا فترة حكم النظام الرأسمالي بقيادة الدكتاتور باتيستا، قبل أن تندلع الثورة الكوبية عام 1959 من القرن الماضي بقيادة كاسترو ورفيقه جيفارا، وربما هو العمل الفريد من أعماله الذي له بعد طبقي.

الفلسفة الوجودية هي نتاج لضياع القيم وتراجع الجانب الروحي للإنسان الغربي الذي طحنته الآلة الصناعية، فأخذ ينشد طريق الخلاص للوصول إلى السعادة، لهذا بقي انتشارها بين الأدباء والكتاب والمثقفين محصورًا تقريبًا في العالم الغربي، لأنها إفراز لهموم مجتمعاته، وذلك بخلاف المجتمعات الشرقية التي بقي الجانب الروحي فيها قويًا، ولم يصب بالخواء، بسبب شيوع ظاهرة التخلف الاقتصادي والاجتماعي. لكن المآخذ عليها كنظرية وفلسفة مادية: أنها تعبير عن نزوع مطلق في البحث عن الحرية الفردية ولو كان ذلك على حساب حرية الآخرين.