Menu

في سبيلِ استراتيجيّةٍ فلسطينيّة

وليد عبد الرحيم

نشر في العدد 41 من مجلة الهدف الرقمية

(3)

ما بعدَ البداية

"إسرائيلُ" قويّةٌ تمتلكُ قوّةً هائلةً وعلاقاتٍ دوليّةً واسعة، كما ولديها برنامجُ تصنيعٍ عسكريّ بعضُهُ نووي، وتحظى باقتصادٍ متطوّرٍ مدعومٍ من العالم بكلّ قوّةٍ، ويتمّ رفدُهُ من قبل أغنى الدول والمنظّمات بما فيها أنظمةُ النفط العربي وغيرها علانيةً وخفيةً، كما تتمتّعُ بتقدّمٍ علميٍّ وتكنولوجيّ، وبدورها أيضًا تُعدُّ الوصفة المُثلى والمساعد الأوّل لتمدّد الإمبرياليّة وبنوكها وعصا الإرهاب الدوليّ.

كلُّ ما سبق صحيح، لكن ماذا عن الفلسطينيّين؟

تكمنُ قوّةُ فلسطين وشعبها في القدرة على البقاء والاستمرار وفي الاستعداد التضحويّ في سبيل الهُويّة والأرض والتاريخ والفكرة، ومن ثَمَّ مستقبل الإنسانيّة، هذا الأمرُ ومن جانبٍ ما، لا علاقةَ له بقياس مكامن أو مقادير القوّة عبر الـ" ترمومتر"، فإنّ مجرّد بقاء الهُويّة هو عاملٌ حيويٌّ دائمٌ للتذكير بشحِّ قدرةِ الصهيونيّة وكيانها على البقاء، وهو ما يُفضي للجزم بأنّ عاملَ قوّة الثقافة الفلسطينيّة في عمقه البنيويّ هو أساسُ العامل الحاسم في النهاية لهذا الصّراع قبلَ أيّ اعتبارٍ آخر؛ لأنّ العامل هذا هو البؤرة التي تنطلق منها كلّ اكتشافات المكامن غير المرئيّة لآبار القوّة.

مكمنُ القوّة إذًا هنا، وليس القدرة على المقاومة المسلّحة أو على مفاوضات الهباء ولهاث القرارات الدوليّة، أي على إدراك حقيقة نفي النفي بناءً على الهُويّة المتجذّرة والتاريخ والأرض والمستقبل، ومن ثَمَّ إدراك دائرة وجوديّة الصراع لا مرحليته، بقولٍ آخر إدراك حقيقة أن الصراع ليس سياسيًّا بالمعنى التقليدي كما حدث في غير مكانٍ عبرَ التاريخ، بل يبدو الفلسطينيون هنا ضمن لوحةٍ أوسع؛ إنّهم موكلون بالدفاع عن القيم والأخلاق والوجود الإنساني برمته وتخليصه من نير التقليد التفوقي عبر الاحتلال وأفكار العنصريّة والعبوديّة، وذلك قبل أن يكون مشروع بناء دولة هنا أو حكمًا ذاتيًّا هناك، ولهذا السبب العميق الذي تدركه الصهيونيّة جيّدًا عبرَ عقول ودراسات مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجيّة، فإنّها دائمةُ الخشية على مستقبل وجودها إدراكًا لتفوّق الفلسطينيّين نفسيًّا وثقافيًّا وانتمائيًّا وهوياتيًّا، وهو ما يفتقده المستوطن الصهيونيّ فردًا وجمعًا، ولم يدركه إلا بعضٌ نادرٌ من الفلسطينيّين ممّن تمَّ اغتيالهم أو هُمّشوا بأيدٍ معاديةٍ أو بأيدٍ فلسطينيّة تنخر في صفوف المؤسّسة السياسيّة وحتّى أروقة فصائل المقاومة، تارةً هي تعي وتقصد ذلك وأخرى عن ترسّب تخلّف وسطحيّة مدقعين أو غرق في مستنقع الانتهازية والذاتية والشعور بالدونية تجاه الحالات الفكرية المتقدمة والإبداعية العميقة...

يفوق عدد الفلسطينيين المثقفين أضعاف عدد اليهود المحتلين، بل هم متفوقون في السوية المعرفية والجدية في الموقف الطوعي، في حين يتلقى الصهاينة ممن هم في مثل اختصاصاتهم مميزات وأموالاً تفوق ما يتلقاه أي ضابط في الموساد أو حتى " رئيس الوزراء"، بينما يُحاصَر المفكر- المثقف على الجانب الآخر – الفلسطيني بطريقة مدروسة تهدف بشكل لا يمكن وصفه إلا بالمنظم لتفتيت قدرته على المساهمة في النهوض والارتقاء، والمشهد كما يراه الجميع هو كالتالي: دارس أو أكاديمي يتبع الصهيونية تتوافر لديه كل شروط الحياة، دارس وأكاديمي فلسطيني أو عربي تتم محاربته تحت شتى العلل والادعاءات، وإنه لمن الغباء هنا أن نعتقد بأن الأمر بريء، فلطالما كان الأمر مدروساً منظماً تقف خلفه الصهيونية وعملاؤها في مختلف المواقع ومن شتى الصفات والتسميات.

هذا الأمر نجح في حرف الاستقراء العميق لكافة قضايا الصراع عن مساره، فهُمش الفكر ونخبته وساد السياسي المهيمن، الأمر الذي مهد جيداً لمأرب الحركة الصهيونية منذ نشوئها وهو خلق معادل ديني لتبرير الذرائع الدينية اليهودية السخيفة المضحكة التي تم حشد الغوغاء من اليهود خطابياً للمساهمة في احتلال فلسطين تنفيذاً لرغبة الرب الوثن يهوه، وهو ما تدرك الصهيونية "العلمانية" جيداً بانه مجرد فكرة سخيفة، وبأنها معنية بجعل ذلك مألوفاً ومنطقياً، لهذا كان لا بد من مقابل لها، ومن هنا كان السعي لأسلمة القضية لتغريب فهمها ومفرداته عن جوهرية الحقيقة باعتبارها أصلاً قضية استعمار واحتلال يواجهها تائقون للحرية والاستقلال والحفاظ على مستقبل بلدهم وصون هويتهم الوطنية، وهذا لا يعني وجوب تنحية الإسلام أو المسيحية- لكونهما ديانتي الفلسطينيين الأساسيتين- عن الصراع، بل هو تأكيد ما على ضرورة عدم إضفاء صبغة دينية على الصراع ومفرداته قبالة مشروع التحرر الوطني، لأنه العامل الموازي الأفضل لاستمرار أكاذيب الصهيونية وتضليلها لليهود وللعالم، بل إن المساهمة من قبل المؤمنين المسلمين والمسيحيين حق بل ضرورة للقضية والنضال، لكن صبغ القضية بلون ديني هو مأرب صهيوني بامتياز، فهو أفضل وصفة لتبرير بقائها وشرعنة مشروعها.

الخطاب الفج غير الذكي والسطحي كما سبق ذكره هو بحد ذاته دينياً كان أو وطنياً أو سياسياً إيذاء متعمد وغير متعمد للقضية الفلسطينية ورفد للنظرية الصهيونية، ولا يجب نسيان أن للإعلام الصهيوني ومراكز الدراسات وحتى الأدب الروائي والتعليم والفن مساهمته الفاعلة في ذلك، لا سيما من خلال المساعدة على الحشد العالمي لنصرة الكيان وترويج "معاداة السامية" وتشويه إنسانية وأخلاقية ومشروعية القضية الفلسطينية في الذهن العالمي، ولهذا لم تقم النازية الصهيونية بعملية اغتيال إرهابية واحدة ضد الخطابيين والسطحيين من متدينين أو علمانيين، بل خصصت الاغتيالات للعقول لا نحو المفوهين الصارخين في آذان الشعب، نحو الأذكياء الذين يعملون لا للمتفرجين والتوابع والانتهازيين، وذلك ما طال كافة أبناء التيارات السياسية بمعزل عن كونهم علمانيين أو إسلاميين، وقد أثبت الصهاينة بذلك مراراً أنهم يحسنون اختيار ضحاياهم.

إذا ما نظرنا سطحياً، فإننا نجد فارقاً هائلاً في مكامن القوة بين الفلسطينيين والكيان الإرهابي، لكن للعمق إجابة أخرى، فإن القدرة على الاستمرار- النفس الطويل- هو العامل الحاسم الأول في الصراع وهذه النقطة تفسر مقولة جورج حبش العبقرية في زمنها وذات المفردات البسيطة حين قال: "قد يستمر صراعنا مع العدو لمئة عام أو أكثر فعلى قصيري النفس أن يتنحوا جانباً"؛ هنا يكمن جوهر المسألة لا في عدد البنادق والصواريخ على ضرورتها، ولا في كم المقاتلين أو السياسيين أو عدد قرارات الشرعية الدولية، بل في القدرة على الاستمرار الذي يعتبر أهم مكمن قوة للفلسطينيين، ولكن: كيف يتم تعزيز ذلك؟

إن العمل بلا تخطيط يفتت جهود ونتائج هذا العمل، ليس القصد هنا أن تنظم ذلك في حزب أو فصيل أو منظمة، أو تحشد مقاتلين أو تقوم بجهد دبلوماسي، أو تنمي الحالة الشعبية بل هو في كيفية جمع كل ذلك ليشكل طاقة قوة متكاملة، فالمقاومة المتفردة تذهب هباء بلا فكر وإعلام وسياسة ذكية وفهم مختص للقانون الدولي وعلاقات إقليمية مدروسة واختراق للعقل العالمي الذي يجب السؤال دائماً كيف سيتلقى فعاليات المقاومة، ناهيك عن إدراك الواقع الاجتماعي والاقتصادي للشعب والقراءة المسبقة الموضوعية لتأثير ذلك، لهذا فإن المقاومة التي تهدف لإفادة أطراف من خارج إطار ومصلحة القضية تبدو بالنتيجة مقاومة مضادة ومؤذية للقضية، فيستفيد من جريرتها العدو ويرضى الممول ويخسر الشعب.

إن القوة الفلسطينية إذن - من ناحية ما- تكمن في نسبة الاستقلالية الوطنية التي كلما ارتفع منسوبها أفادت القضية وأرهقت العدو، ليس المقصود هنا بالضرورة "القرار الوطني المستقل" الذي تم طرحه للدخول قبل مسرحية " عملية السلام" فحفر ووجَّه مساره بطريقة لا تختلف عن نتائج التبعية وربما أسوأ.

إن امتلاك الفلسطينيين لفكرة متماسكة ولوسائل إعلام راقية ومهنية يبدو في لحظة ما أهم حتى من عملية فدائية شجاعة مباركة التي بدون سندها النظري والإعلامي ستبدو كحفر خندق في الهواء، بل أيضاً حتى من تحرير مدينة هنا أو قرية هناك ذلك ان الثقافة والفكر والإعلام يصنع الوعي، والوعي يصنع الفكرة، والفكرة تصنع الخطة، فالاستراتيجية فالانتصار الحتمي في النهاية، ولهذا فإن البدء بنسج خيوط استراتيجية وطنية يبدأ من نقطة الثقافة والفن والأدب والإعلام والعلوم المختلفة، وليس من لحظة إطلاق الرصاص أو الخطابات التي تطرب النائمين وتنتج التضحيات المجانية، وبالحتمية فلن يتم تحقيق شيء بمعزل عن ذلك أو بدءاً بمقولة سياسية، فالمقولة السياسية تبدو خرقاء ما لم تنم عن فكرة أساس، وعن بنية معرفية واستقرائية أولاً، هذا بالضبط ما لم يدركه الفلسطينيون جيداً ولهذا لم يحققوا ما يذكر على الرغم من كل التضحيات، وهذا لا يعني مطلقاً التوقف عن القتال ولا عن الجهد الساسي وكافة النضالات الأخرى، بل الكف عن تغريدها منفردة، تلك هي المسألة، ذلك أن جدلية جمع الإمكانات مع التضحيات والرؤى تفضي بالضرورة إلى تحقيق الكثير، وتنحو حتمياً نحو الإنجاز.

إن ما يستوجب التفكير والبحث به عميقاً هو كيفية جمع الطاقة الكامنة وصهرها في مسار وبوتقة معينة، لا اجترار المقولات والتجارب الفاشلة على شاكلة وهم "عملية السلام" أو " القصف عشوائياً"، بل ضبط ساعة الوقت على التوقيت المتضاد الفلسطيني- " الإسرائيلي"، بمعنى آخر المبادرة نحو الفعل لا الانفعال، المبادرة لا التصدي، الثورة لا المقاومة، ولهذا فإن المسألة تتطلب مغادرة الآلية التفكيرية المتبعة، أي الذهاب إلى رؤية القضية والصراع من زاوية مختلفة، أولها مغادرة الشعار والخطابة والمحفوظات اللفظية، وبالتالي الدخول في مربع الفهم العميق، من هنا تبدأ نقطة صياغة الاستراتيجية الوطنية، وتلك هي نقطة البدء التي لا مناص أو بد من الذهاب إليها عقب استقراء شتى التجارب السابقات بعين موضوعية دارسة، وبالتالي نحو رسم لوحة المستقبل، لا محاولة التواجد كلون مساهم في اللوحة.