Menu

الحوارُ الوطنىّ والحركةُ المدنيّةُ المصريّة ماذا تحقّق حتّى الآن؟

حمدي عبد العزيز

نشر في العدد 41 من مجلة الهدف الرقمية

كاتبٌ سياسيّ/ مصر
منذُ إعلان الرئيس المصري في حفل الإفطار الرمضاني المعروف باسم إفطار الأسرة المصرية في إبريل من هذا العام عن نيّة السلطة إجراء حوار وطني في حضور منافسه الأسبق، وقطب المعارضة المعروف حمدين صباحي، وآخرين تمّت دعوتهم على مائدة هذا الإفطار... منذ هذه اللحظة انشغلت النخب والقوى السياسيّة المصريّة المتوزّعة ما بين نخب وقوى وتنظيمات المولاة وبين نخب وقوى المعارضة الوطنية الديمقراطية بفصائلها اليساريّة والقوميّة والليبراليّة بالتفاعل مع تلك الدعوة، وكانت البداية بإعلان القيادي الناصري حمدين صباحى مبدئيًّا عن ترحيبه الشديد بها، ثم تلي هذا بيان الحركة المدنية المصرية وهو البيان أحزاب الكرامة – التحالف الشعبي الاشتراكي – حزب المحافظين – حزب الدستور – حزب الوفاق القومي – حزب العيش والحرية – بالإضافة للحزب الاشتراكي المصري الذى كان قد تحفظ في البداية على الدعوة ثم قبلها بتوقيعه على بيان الحركة الذى شهد حدث التحاق الحزب الاشتراكي المصري بالحركة المدنية الديمقراطية المصرية بعد أن ظل لسنوات منذ تأسيسها متحفظا على فكرة الانضمام لها.
في بيان 8 مايو 2022 الذى سجلت فيه أحزاب الحركة المدنية والقوى والشخصيات والأحزاب المتضامنة معها موقفها الرسمي المبدئي من دعوة الحوار المدني، وأعلنت عن موافقتها على الانضمام لمائدة الحوار المدني مبدية أسباب قبولها لدعوة السلطة تحت مبرر أنه (من منطلق المسئولية أمام الشعب، وحرصًا على مصالح الوطن، واحترامًا للدستور وعملًا على تفعيله روحًا ونصًا، وإدراكًا لحجم الأزمة الكبرى التي تمثل تهديدًا خطيرًا لحاضر البلد ومستقبله، وسعيًا للوصول إلى خطة وطنية شاملة تضع مصر على الطريق الصحيح الذي تستحقه وتقدر عليه).
ويبدو أن الحركة المدنية قد ذهبت بعيدًا في رؤيتها للدعوة، حينما صاغت ضمن مسوغات موافقتها جملة (باعتبار أن الحوار هو مسار لاكتشاف فرص التوافق، ومن أجل تحسين شروط الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة في الوطن) فالحركةُ ذهبت بتفاؤلها وآمالها في الحوار مع السلطة الحاكمة لدرجة أن اعتبرته يمكن أن يصل بهما إلى (مسار لاكتشاف فرص التوافق) واشترطت الحركة أنه حتى تتم تهيئة الأجواء للحوار فإنه يجب يتم الإفراج عن سجناء الرأي والتعبير المدني الديمقراطي، أو كما جاء نصًّا ببيان الحركة (ومع التأكيد على مسؤولية هذه السلطة -الآن- في رفع الظلم عن جميع سجناء الرأي باعتبار أن ذلك حق لهم وأسرهم وأحبائهم، بل إنه حق لمصر التي أرق ضميرها هذا الوجع، فضلًا عن أنه إشارة لازمة على الجدية في اعتبار هذا "الحوار السياسي"...).
كذلك وضعت الحركة في بيانها سبعة شروط إجرائية لمشاركتها في الحوار، وبغض النظر عن أن السيد حمدين صباحى قطبها الأبرز ومتحدثها الرسمي في هذا الوقت تحدث لاحقا على هذا البيان، وقال أن الحركة لم تضع شروط أمام السلطة، بل وضعت هذه الشروط على نفسها كمقتضيات للحوار إلا أن بيان 8 مايو بوصفه الورقة السياسية التي صاغت فيها الحركة رؤيتها للحوار ومبررات دخولها العملية التفاوضية مع أجهزة السلطة من أجل إنجاح الحوار قد نص صراحة على أن النقاط السبعة هي شروط سبعة للانخراط في الحوار بنص ما جاء في البيان (يؤكد الموقعون على هذا البيان أنهم لكي يشاركوا في هذا الحوار فإنه لا بد أن يكون جادًا وحقيقيًا وأن ينتهي لنتائج عملية توضع مباشرةً موضع التنفيذ، وهو الأمر الذي يستلزم في رأينا عددًا من الضوابط الإجرائية والموضوعية التي تساعد على جعله وسيلة لانقاذ الوطن وحل مشكلاته لا مجرد تجميل للواجهة.. وفي مقدمتها... إلخ)
وقد تلخصت الشروط السبعة في:
1- أن يكون الحوار تحت مظلة رئيس الجمهورية، وكان قرار السلطة هو إسناد مسئولية إدارة الحوار الوطني للأكاديمية الوطنية للتدريب وتعيين السيد ضياء رشوان نقيب الصحفيين ورئيس الهيئة المصرية للاستعلامات منسقا عاما للحوار الوطني وهو ما عبرت زعامات الحركة المدنية بالارتياح لتعيينه في حين تحفظت على مساعده ثم قبلته ضمنا فيما بعد عندما أصدرت بيانها الصحفي الصادر في 4 يوليو 2022 وجاء فيه (الحركة المدنية الديمقراطية تؤكد أن تشكيل أمانة الحوار الوطني قد استوفى إلى حد مُرضٍ ما أُتفق عليه، وحقق توازنا من الضروري ومطلوب بين ممثلي السلطات والمعارضة، ويعلن ممثلو الحركة المدنية في أمانة الحوار الوطني التزامهم بمواقف الحركة وتوجهاتها).
2- أن يجرى الحوار بين عدد متساو يمثل المعارضة يقابله عدد متساو يمثل السلطة وموالاتها وحددت الحركة المدنية، هنا مفهوم المعارضة بـ(المعارضة التي لم تكن جزءً من تلك السلطة ولا شريكًا لها وعبرت بوضوح خلال السنوات الماضية عن رفضها للسياسات المتبعة والاجراءات المتخذة وطلبت علنًا تغييرها).
وبالرغم من الرضا الذى أعلنته الحركة المدنية في تصريحها الصحفي المذكور عن التوازن المتحقق بين السلطة وفى المعارضة في أمانة الحوار إلا أن المتفحص للأمر سيجد أن الأمر في ظاهره قريبا من التوازن، من حيث عدد المحسوبين تنظيميا على المعارضة (طبقا لتحديد الحركة المدنية لمفهوم المعارضة من جهة وبين المحسوبين عضويا ووظيفيا على السلطة لكن عدد المستقلين شكلا عن السلطة وعن الأحزاب وهم الأكثرية الساحقة سواء في الأمانة العامة للحوار ومسؤولي المحاور ومقرري اللجان ومساعديهم ويعرف جميع من خبر الحياة السياسية المصرية أن باب المستقلين هو الباب الذى تراهن عليه السلطة دائما في حسم معاركها وتحقيق أغلبيتها منذ أن كان الحزب الوطني المنحل بفعل ثورة 25 يناير 2011 يلحق بصفوفه عشرات النواب المستقلين ليحقق بهم أغلبيته البرلمانية، وهناك دليل صارخ على هذا الكلام حينما نكتشف أن أسماء كانت بارزة في لجنة سياسات الحزب الوطني قد اتخذت مواضعها داخل تشكيلات إدارة الحوار الوطني مثل الدكتور على الدين هلال والدكتور صفى الدين خربوش والدكتور حسام بدراوي الذى أصبح مستشارًا للأمانة العامة للحوار مؤخّرًا كما لو كان الحوار الوطني فرصة لإعادة بعث وإحياء وتلميع وجوه ساهمت في إدارة أسوأ مرحلة في تاريخ مصر هذا بخلاف مجموعات أخرى مستقلة من حيث الشكل ومن حيث المضمون فهي من خلال أنشطتها وأفكارها المعلنة تصطف ضمن صفوف المولاة مما يجعلنا نتساءل عن طبيعة مفاوضات الحركة المدنية وعن طبيعة الأوراق التي حملها ممثلو الحركة في حقائبهم التفاوضية وعن حقيقة ما تراه من (الوطني قد استوفى إلى حد مُرضٍ ما أُتفق عليه، وحقق توازنا من الضروري ومطلوب بين ممثلي السلطات والمعارضة).
3 – أن ينطلق الحوار في الأيام القليلة المقبلة، على أن يستمر حتى صياغة النتائج النهائية والاتفاق على برنامج واضح لكيفية ومواعيد تنفيذها، وأن يجرى كل ذلك تحت سمع وبصر الشعب عبر بث الجلسات من خلال وسائل الإعلام المتنوعة... والأيام القليلة وفقا لبيان الحركة المدنية في 8 مايو والذي يبدو أنه كتب وسط آمال عريضة وخيال سياسي جامح يقوده التفاؤل الذي غض بصره تماما عن تجارب الحوارات السابقة ومآلاتها ودروس التاريخ الذي يبدأ من ورقة أكتوبر 1974 مرورا بمؤتمر الإصلاح الاقتصادي في بدايات عهد مبارك انتهاء حتى بالحوارات التي دعت لها سلطة الإخوان المسلمين وعقدت منها بالفعل بعض الجلسات في بعض محافظات الجمهورية.. الأيام القليلة لم تكن تعنى شهور فكما عبرت الحركة في نفس البيان (فالوقت ملك الوطن الذي تتعقد أزماته والشعب الذي تتدهور)، وحتى تاريخ كتابة هذه السطور فلم تعقد جلسة واحدة للحوار الوطني الحقيقي ولم ترسل الدعوات للعديد من أحزاب الحركة المدنية، بل كل ما تم خلال الخمسة أشهر التي أعقبت الإعلان عن الحوار هو جلسات إجرائية لمجلس الأمناء وتشكيل الأمانات والمحاور ثم اللجان فاللجان المنبثقة ثم اختيار مقرري اللجان والمقررين المساعدين وهكذا، وهو أمر يفتح أبواب الأسئلة عن مدى جدية السلطة في الحوار ومدى تعاملها مع عنصر الوقت وتوظيفه في صالح تفريغ الطاقات وإنهاك قوى المعارضة الحقيقية ولفت الأنظار عن الدوافع الحقيقية لتوظيف شكلانية الحوار كخطاب للاستهلاك الخارجي المرتبط بمفاوضات صندوق النقد الدولي (مع ملاحظة أن الدعوة للحوار قد أعقبت بشكل مباشر تقديم طلب الحصول على قرض صندوق النقد الدولي في مارس 2022 )، كذلك توازيًا مع مساعي استضافة مؤتمر المناخ الدولي، وذلك خلال الفترة من 7 نوفمبر - 18 نوفمبر 2022 والذي سيقام بمدينة شرم الشيخ.
4- تتشكل أمانة فنية مسئولة عن الإعداد للحوار وإدارته وصياغة مخرجاته وكتابة تقرير ينشر دوريًّا على الرأي العام بما تم إنجازه مما اتفق عليه وما لم يتم وأسباب ذلك والمسؤول عنه، وهو المطلب الإجرائي الذي تحقق من الناحية الشكلية فقد تم الإعلان عن الأمانات واللجان الفنية للحوار وأن غاب شرط مناصفة الحكومة والمعارضة كما أوضحنا سلفا.
5 - كذلك ما يتعلق بالشرط الخامس كشرط فني إجرائي طبيعي يقتضي تجميع الأفكار والمقترحات والدراسات والمشروعات التي يقدمها الموقعون على هذا البيان وغيرهم ممن يشاء من الجهات والخبراء المصريين للأمانة الفنية المسئولة من جانبها عن وضع جدول الأعمال وتقسيم الجلسات وتوزيعها على المحاور بحسب الأولويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والحقوقية. أما فيما يتعلق بموضوعات الحفاظ على الأمن القومي المصري بمفهومه الشامل، وصياغة رؤية استراتيجية للتعامل مع القضايا الوطنية والقومية والإقليمية فهي خارج الحوار تماما وقد تم الاقتصار على المحاور السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية وهذا يطرح تساؤلات حول عدم اتساع جدول أعمال الحوار لمناقشة قضية وجودية تتعلق بقضية مياه نهر النيل وسد النهضة، كذلك حول غياب النقاش حول قضايا السياسة الخارجية وصياغة العلاقات العربية والشرق أوسطية والإقليمية والدولية بناء على المصالح العليا للشعب المصري.
6- وهكذا استقرت البنود المقترحة من الحركة الوطنية مع استبعاد بند لا يمكن استبعاده من المناقشات وهو بند (هـ- الأمن القومي والمصالح الوطنية).
7- وهو بند يتعلق بتفعيل مخرجات الحوار وينص على (وكذا حتى إذا ما تم الاتفاق على التوصيات النهائية في صورة تعديلات تشريعية أو إجراءات تنفيذية كان ذلك بمشاركتهما كجهتي اختصاص ما يعني التزامًا أدبيًا بالتنفيذ الأمين لما تم التوافق بشأنه)، وهو تصور رغم أنه يبدو منطقيا في طرحه إلا أننا الآن يمكننا القول بأن الحركة قد أفرطت في بناء الآمال وتصوراتها الخاطئة لأسقف عملية الحوار وهو تصور لا يضع في اعتباره ميراث السلطة في مصر مع قضايا الحوار، بحيث تكون مخرجات الحوار دائما موضوع التفاف من السلطة، بل أن عملية الحوار برمتها ما هي إلا محاولة لإدارة أزمة فشل السياسات الاقتصادية التي تصر السلطة عليها أيا كانت مخرجات الحوار إن تحقق ودارت عجلته الفعلية إلا ولم تكن قد استبقت الحوار بإصدار وثيقة ملكية الدولة التي تؤكد على عزم الحكومة تخارج الدولة من قطاعات الاقتصاد وبيعها إلى المستثمرين وهذا ما يتم الآن تحديدا تحت غطاء صخب الحوار.