Menu

عُدي التميمي درس المطارِد الجمعي

عدنان الصباح 

لم يكن عدي التميمي شهيدا عاديا أبدا، بل كان الدرس الجمعي الأول لكل الفلسطينيين، وتحديدا أولئك الذين يشكلون الجانب الرسمي في حياتنا بكل تلاوينهم وأشكالهم، من سلطة وفصائل ومنظمة تحرير الذين ما زالوا يغردون كل على هواه، وبالتالي فإن تغريدات الغالبية العظمى لا تأتي في داخل السرب ولا في القناة الجمعية الحقيقية.

شاب صغير معزولا إلا من إرادته وإرث شعبي حقيقي رافض للاحتلال وتواق إلى الحرية، استطاع وعلى مدى عشرة أيام أن يجعل جيش وأجهزة أمن أقوى دولة في الشرق الأوسط، تقف على قدميها ولا تدري كيف تتصرف وبات اسمه هو الحاضنة لشعبه، وليس العكس وراحت الفصائل جميعا تلهث من خلفه وصار نموذجا يحتذى.

لم يكتف عدي التميمي بالفعل المقاوم الأول، بل أراد أن يرسل لنا درسا جديدا في المقاومة، وهو أن الفعل المقاوم لا نهاية له إلا الحرية، فعاد هو بقدمية صانعا ولأول مرة اسما جديدا للمطارَدين ليصبحوا المطارِدين بعد أن تقدم إليهم مطارِدا لهم في مواقعهم. 

عدي التميمي قال أيضا أن الرصاص لا يقتل المقاومة وأن ما يقتلها هو العجز والتراجع وقد شاهده العالم يرفض الركوع ويقاتل ولو أن أعظم مخرجي الأرض، أراد تصوير فيلما عن البطولة، لما استطاع أن يأتي بمثل ما رأينا، وبذا صار رغما عن كل شيء، نجما شبابيا ورمزا للبطولة سيكتشفها الجميع إلى الأمام، بعد أن نرى كيف أن دقيقة واحدة من حياة عدي تحولت إلى مدرسة كاملة ومنحت شبابنا تجربة وتدريبا عمليا ما كان ممكنا الحصول عليه إلا بتجربة هذا البطل المختلف.     

الدرس الأخطر الذي قاله عدي للفصائل، أن الأمر ممكن، وأن مواجهة هذا الجيش أسهل بكثير من إشعال عود ثقاب لإشعال سيجارة، وأن معاودة المواجهة مرة ومرات أيضا ممكنة، وبالتالي فإن الحرية ممكنة وكل ما هو مطلوب منكم أن تستديروا بجميع مؤشراتكم وكفاحكم ضد المحتل وجيشه ومستوطنيه على أرض فلسطين وأن تتوقفوا عن المناكفات والاختلافات وتقسيم الوطن والشعب إلى أقسام قد لا تنتهي.  

في وصيته كتب عدي بخط يده أنا لم أحرر فلسطين، وقد كانت أخطر كلمة في كل فعل وقول أتى من عدي، فهو أراد القول: أن تحرير فلسطين يستحيل أن يكون فعلا فرديا، مهما كان عدد الأفراد المستعدين لنفس الفعل وغيره، ودون أن يصطف الشعب كل الشعب بقواه كل قواه خلف برنامج سياسي وكفاحي مقاوم، فإن التحرير والحرية سيبقيان أمران مستحيلان وأن البطل الفردي حتى ينتصر ينبغي له أن يكون جزءا من مكون جمعي هو المكون الوطني الذي اسمه الفلسطيني، شعبا وأرضا، وأي ابتعاد عن بوصلة الوحدة هو ابتعاد عن درب الحرية والتحرير، وبالتالي فإن الوصول إلى ذلك دون الوحدة أمر مستحيل.     

لم يكن عدي التميمي وحيدا، بل سبقه الكثيرين وسيأتي الأكثر من بعده وحسب تطورات فعل المقاومة، فإن كل خطوة إلى الأمام باتت تأتي ببطل فهم الدرس الذي سبقه جيدا وراكم عليه، وبالتالي فإن عدم التحاق القوى والفصائل واستعادة مكانتها في قيادة المقاومة والشعب، قد تذهب بنا إلى الكارثة.

إنني أدق ناقوس الخطر اليوم، فإذا اكتفت الفصائل والسلطة والمنظمة بدور المتفرج، فسيجد هؤلاء الأبطال أنفسهم وقد أجبروا على المشاركة في الفعل السياسي، دون خبرة، ولكن بعد أن يكونوا قد قطعوا كل علاقة لهم بالساسة العاجزين والغائبين، وما زيارة مبعوث الأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط إلى مخيم جنين والبلدة القديمة في نابلس، إلا بداية مشوار الكارثة إذا تطور هذا الفعل إلى ما هو أبعد، وبالتالي فإن غياب الجمعي الفلسطيني المقاوم، سيمهد الطريق إلى ما هو غير ذلك وحينها لن ينفع اللطم على الخدود ندما.