مع اشتعالِ الحربِ الروسيّةِ الأوكرانيّة، برزت تداعياتُ الحرب، وأخذت بالظهور، فانكشف الاتّحادُ الأوروبي، الذي قدّم نفسه منذ عقود، باعتباره النموذج الفذ للقوى الغربية الصاعدة، ومع أوّل حربٍ تدور على الجغرافية الأوروبيّة، بدأت الدول الأوروبيّة المنضوية ضمن الاتحاد، بالتمايز في مواقفها، سواءً تجاه روسيا أو بحثها عن حلولٍ فرديّةٍ لأزماتها الاقتصاديّة المترتّبة على هذه الحرب.
من المعروف أنّ فرنسا وألمانيا وإيطاليا، مثّلت طوال عقود الرافعة الأساسيّة لهذا الاتّحاد، بعد انسحاب المملكة المتّحدة منه، وحاولت هذه الدول بناء مقارباتٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ وثقافيّة، تجاهَ القضايا الداخليّة والخارجيّة، مع بناء التصوّرات الموحّدة تجاهَ القضايا الدوليّة، مصحوبةً بكل المقولات التي أنشأها اقتصاد السوق، والشعارات التي طرحتها العولمة، باعتبار أنّ الحضارة البشريّة تعيش مرحلة القرية الكونيّة، مع الثورة التكنولوجيّة التي اجتاحت العالم، وبقينا أسرى تلك الشعارات الكبرى التي رفعتها المنظومة الغربية والاتحاد الأوروبي، حتى بداية الحرب في اوكرانيا، فانكشف الاتحاد على وضعيّةٍ جديدة، خاصّةً بعد اشتعال أزمة الطاقة المحتدمة اليوم بين الروس والغرب مجتمعًا.
هذا الانكشاف ظهر جليًّا، بمسار تلك الدول، لكن الموقف الفرنسي الذي يقوده الرئيس الفرنسي ماكرون، يعد نموذجًا لقراءة الوضع الأوروبي على كل المستويات؛ فالدبلوماسية الفرنسية كانت لها مواقفها المتميزة من الحرب في أوكرانيا، حيث اندفعت نحو بناء خط سياسي مع موسكو؛ محاولة البحث عن حلول خلاقة لهذه الحرب، تضمن بها مصالحها المتباينة بين الخصوم؛ محاولة شق عصا الطاعة عن الولايات المتحدة الأمريكية الداعية للذهاب إلى أقصى درجات العزل لروسيا الاتحادية وحصارها وخنقها وفرض شروط الاستسلام عليها، وبغض النظر عن نجاح المحاولة الفرنسية من عدمها، إلا أنها كاشفة لحركة بلدان الاتحاد الأوروبي، في تعاملها مع المأزق التاريخي الذي لم تعشه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فهي أسيرة القرار الأمريكي من جهة، ومن جهة أخرى أسيرة الجغرافية مع روسيا، إضافة المصالح المشتركة المرتبطة بروسيا، وبالتحديد قطاع الطاقة الروسية، الذي يوفر ٤٠% من حاجة السوق الأوروبي.
ولمعالجة هذه الأزمة لجأت فرنسا إلى حلولها الخاصة للدفاع عن مصالحها الوجودية؛ فصوتها السياسي الخافت، بفعل الضغط الأمريكي دفعها نحو اجتراح حلول خاصة لها؛ خارج الاتحاد الأوروبي الذي يتجه بفعل الأزمة نحو التفكك، على الرغم من كل الادعاءات الزائفة التي تطلقها مؤسسات الاتحاد الأوروبي بين الفينة والأخرى.
فرنسا شرقا وغربا
مع بدء الحرب أدركت الدبلوماسية الفرنسية أن لا حلول قريبة للحرب الأوكرانية؛ فمعرفة قدرت الخصم الروسي على المواجهة المستدامة مع الغرب مجتمعا؛ دفعها لبناء مروحة من العلاقات مع الدول خارج الحدود الأوروبية؛ فحاست الاستنشاق لمشتقات النفطية والغاز، مدفوعة بالحاجة الفعلية لإدارة عجلة المصانع الفرنسية، توسعت وامتدت إلى البلدان القريبة والبعيدة، واختارت الجزائر الغنية بالغاز والنفط، لتوقع معها اتفاق شراكة استراتيجية يطال كافة المستويات؛ فالزيارة الأخيرة للرئيس الفرنسي ماكرون للجزائر كان عنوانها الأول والأخير بالنسبة له، الخروج من المستنقع الأخذ بالتوسع، والذي يريد ابتلاع النموذج الأوروبي الوحدوي.
هذا الاتفاق جاء بعد مخاضات متشعبة نتيجة العلاقة التاريخية المأزومة مع الجزائر؛ فاجتازت فرنسا البعد السيادي بالنسبة لها، وكانت قاب قوسين أو أدنى لتقديم اعتذار تاريخي للجزائر عن سنوات الاستعمار التي طالت في هذا البلد، وتركت جروحا في الجسد الجزائري لم تشفَ حتى هذا الوقت، حيث تطرق ماكرون إلى قضية الذاكرة التاريخية؛ مشيرا إلى ضرورة مواجهة الماضي وجها لوجه، وهذا مؤشر على أن وجهته الهدف منها وضع حد للأزمات المزمنة بين البلدين، والتي تسير نحو الحل التاريخي الذي يبدأ بالاعتذار وهذا مطلب جزائري واضح لا لبس فيه لكن على ما يبدو ان فرنسا تخاف من تبعاته؛ فعلى سبيل المثال، فإن الاعتذار يترتب عليه حقوق قانونية ومادية للجزائريين، وفرنسا ليست قادرة على الوفاء بتلك التبعات، على الرغم من أن المطلب الجزائري المحق؛ هدفه الأول والأساس إعادة الاعتبار للأمة الجزائرية وهي مسألة سيادية لا تستطيع الجزائر تخطيها، حتى لو خسرت في حقل الإقتصاد.
المهم في النموذج الفرنسي الساعي إلى حل الأزمة الخانقة والتي تواجه أوروبا في هذا الشتاء البارد والكاشف لحقيقة الغرب؛ تظهر بوجهها الحقيقي، وإن حاولت رسم صورة مختلفة عن نفسها؛ فالأسباب الحقيقية التي دفعت لتلك الزيارة، القناعة التامة لفرنسا أن زمن الاتحاد الأوروبي قد ولى، وحان الوقت للبحث عن المصالح الفرنسية بمعزل عن هذا الاتحاد، وعلى الرغم أيضا من أن زيارة ماكرون للجزائر لم تثمر عن عملي آني لمشكلتها؛ فكل الاتفاقيات التي وقعت لم تتجاوز إعلان نوايا، إلا أنها في الحساب السياسي الفرنسي؛ تمهد الطريق لبناء علاقة استراتيجية متينة مع هذا البلد الغني بالنفط والغاز، بالمقابل فإن الجزائر الحاضرة على طاولة المفاوضات غير جزائر الثمانينيات من القرن الماضي؛ جزائر بدأت مرحلة نهوض على كل المستويات، وربما تستقيم العلاقة بين البلدين، لكن استقامتها تلك، لم يكن لها أن تتم لولا تلك الحرب، ولولا المواجهة الفعلية بالحديد والنار بين روسيا وكامل المنظومة الغربية.
خلاصات عامة
من الواضح أن الاهتمام الغربي في المواجهة المفتوحة على مصراعيها مع روسيا، قد خلق واقعا سياسيا دوليا؛ أجبر بلدان الغرب الأوروبي على إعادة حساباتهم مع الكثير من الدول، عبر سياسية الانفتاح الغير مسبوقة، بالمقابل فإن المسعى الروسي محمولا بالصين والهند وباقي الخلفاء يهدف إلى إنهاء سياسة القطب الواحد الذي حكم العالم منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي، وحتى هذا الوقت، لبناء عالم متعدد الأقطاب، وربما الفرنسي يدرك ذلك، لهذا بنوع الخيارات.

