Menu

الصّراعُ الأمريكيّ - الصينيّ في تايوان حساباتُ الربحِ والخسارة

د . عابد الزريعي

نشر هذا المقال في العدد 42 من مجلة الهدف الإلكترونية

اعتمدت السياسةُ الخارجيّةُ الأمريكيّةُ بعدَ الحربِ العالميّةِ الثانيةِ على الإرث النظريّ للجيوبولتيكيّ الهولندي المولد، والأكاديمي الأمريكي نيكولاس سبايكمان (1893 ــ 1934)، المنظّر الحقيقي لسياسة الاحتواء، التي وجدت تطبيقها العملي على يد زبيغنيو بريجينسكي (1928 - 2017) البولندي المولد ومستشار الأمن القومي الأميركي بين عامي 1977 و1981. ومثلما كانت نظريّةُ سبايكمان حاضرةً في خلفيّة الحرب الروسيّة على أوكرانيا، فهي حاضرةٌ أيضًا وبشكلٍ أكثرَ وضوحًا في خلفيّة الصّراع الأمريكيّ الصينيّ في تايوان. لذلك، وعلى الرغم من اشتعال الجبهة الأوكرانيّة إلّا أنّ أنظارَ العالم تتّجه وتسأل: ماذا يمكنُ أن يحدثَ هناك؟ ومن المستفيد والأقدر على الحسم؟ وهو ما يتناوله هذا المقال ضمنَ العناوين الواردة أدناه:

أوّلًا: الخلفيّةُ التاريخيّةُ للصّراع:

تقعُ جزيرةُ تايوان على بُعد نحو 100 ميل من ساحل جنوب شرقي الصين ضمنَ أرخبيل الجزر المطلّة على المحيط الهادي، التي تمرُّ بالفلبين حتى تصل فيتنام، وهي جزءٌ من أراضي الصين التاريخيّة؛ خضعت للاحتلال الياباني عام 1895، ثم استعيدت من قبل الصين عام 1945. ونتيجةً لانتصار الشيوعيّين وتأسيس جمهوريّة الصين الشعبيّة وعاصمتها بكين عام 1949، لجأ إليها زعيم الحزب القومي تشيانغ كاي شيك ومليونان من أنصاره، وأعلن مدينة تايبيه بالجزيرة عاصمةً مؤقّتةً لما أطلق عليه جمهوريّة الصين؛ معتبرًا إيّاها سلطةً شرعيّةً وحيدة، وممثّلًا رسميًّا للشعب الصيني. واحتفظت تايوان بعضويّة الصين في الأمم المتحدة، وشغلت مقعدها في مجلس الأمن الدولي، إلى أن استعادته الصين عام 1971. وفي عام 1991 أعلنت حكومة تايوان إنهاء الحرب مع الصين، مؤكّدةً الاستمرار في تكريس الاستقلال عنها؛ بحجّةِ أنّها لم تكن يومًا جزءًا من الدولة الصينيّة الحديثة التي تشكّلت عامَ 1911، أو جمهوريّة الصين الشعبيّة التي تأسّست في أكتوبر عام 1949؛ وبذلك ترى تايوان نفسها دولةً مستقلّة، وباتت تسعى منذ عام 1993، إلى خلق "صينين" أو "صين واحدة وتايوان واحدة". هذا ولا يتجاوز الاعتراف بتايوان دولةً مستقلّةً حدود الثلاثة عشر دولة، بينما تعدّها معظم دول العالم إحدى المقاطعات الصينيّة.

ثانيًا: استراتيجيّات الاحتواء والاحتواء المضادّ:  

انحصر الصّراعُ حولَ الجزيرة ومصيرها بشكلٍ أساسٍ بين الصين من ناحية، والولايات المتّحدة الأمريكيّة من ناحيةٍ ثانية، وعلى هذه الأرضيّة برزت استراتيجيتان رئيستان هما:

1 ــ استراتيجيّة الاحتواء الأمريكيّة:

 اعتمدت أمريكيا استراتيجية الاحتواء في مواجهة الاتحاد السوفييتي والصين منذ الحرب الثانية، وحددت هدفها في محاصرة الصين وتقويض مساعيها لتجسيد نفوذها الاقتصادي والسياسي في تلك المنطقة؛ وذلك من خلال ترسيخ الوجود الأمريكي في منطقة المحيط الهادي الآسيوي؛ عن طريق توسيع علاقاتها مع دول منطقة المحيط الهادي الآسيوي؛ فعقدت معاهدات أمنية وعسكرية مع أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية، وبنت شراكات جديدة مع دول مثل الفلبين وماليزيا وإندونيسيا. وضمن سياسة الاحتواء العام مثلت تايوان حالة خاصة؛ نتيجة لما يسمح به وضعها من اضعاف موقف الصين الداخلي؛ إضافة إلى أن مضيق تايوان وقناة باشي الممرين البحريين الرئيسيين اللذين يربطان شمال شرق آسيا بجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط؛ يشكلان أهمية خاصة لحلفاء أمريكيا في آسيا مثل اليابان التي تعتبر تايوان مهمة لأمن حدودها الجنوبية، وكذلك الفلبين فيما يتعلق بحدودها الشمالية. وفي جوف هذه الاستراتيجية نشأت استراتيجية الاحتماء التايوانية، من موقع الإدراك بأنها لا تستطيع خوض مواجهة حاسمة مع الصين، ووجدت في التحالف مع أمريكيا ضمانا لمصالحها العسكرية والأمنية، وفي هذا السياق سعت دوما للحصول على حماية أمنية أمريكية عن طريق الوجود العسكري الأمريكي المنتشر في المحيط الهادي الآسيوي. ولذلك كانت دوما إلى جانب أمريكيا منذ الحرب الكورية عام 1950، وعملت على تطوير الشراكات السياسية والعسكرية والقنصلية مع الولايات المتحدة، وقد أدارت الولايات المتحدة استراتيجيتها بالاعتماد على ثلاث آليات تتمثل فيما يلي:

الآلية الاقتصادية: وعملت من خلالها على تطوير التعاون التقني مع تايوان، وضخ الاستثمارات المالية الضخمة في اقتصادها، بهدف التأثير على الصناعات الصينية.

الآلية السياسية: وتمثلت في الحفاظ على مستوى معين من الزيارات والاتصالات السياسية مع تايوان. وفي هذا السياق جاءت زيارة الوفد الأمريكي عام 1996 برئاسة رئيس مجلس النواب الأمريكي، وزيارة رئيسة مجلس النواب بتاريخ 2 /8/2022، وكذلك مهاتفة الرئيس ترامب لرئيسة تايوان. وضمن هذه الآلية اشتغلت استراتيجية الاحتماء التايوانية، التي تقوم على الإيحاء بعلاقات رسمية مع أمريكيا. ومن ذلك قرار رئيس تايوان، عام 1995 زيارة الولايات المتحدة بحجة زيارة الجامعة التي تخرج فيها، ومحاولة رئيسة تايوان في ديسمبر 2016 التوقف في أمريكيا وهي في طريقها إلى أمريكا اللاتينية، وغير بعيد عن ذلك محاولة الانضمام إلى منظمات دولية بتغطية أمريكية مثل محاولتها الانضمام إلى منظمة الصحة العالمية.

الآلية العسكرية: وتجسدت في بيع وتقديم المساعدات عسكرية لتايوان، وسبق وأرسلت حاملتي طائرات لمنع الصين من الاستمرار في إجراء التجارب الصاروخية بالقرب من تايوان، وكذلك اللجوء إلى التلميح بالاستعداد للدفاع عن تايوان أمام أي هجوم صيني (تصريح بايدن مايو 2022 وسبتمبر من نفس العام). والإشارة إلى أن الاجراءات الأمريكية بشأن أوكرانيا ستطبق على الصين. كما عملت على تعزيز قدراتها العسكرية في جنوب شرق آسيا وبناء تحالفات دفاعية مع دول المحيطين الهندي والهادي.

2 ـــ استراتيجية الاحتواء المضاد الصينية:

وقامت على عامل وطني واستراتيجي يعتبر تايوان مقاطعة انفصالية يجب اخضاعها للحكومة المركزية؛ من أجل تأمين الحدود، وبناء قوة عسكرية رادعة في منطقة بحر الصين والمحيط الهادي الآسيوي، بما يسمح بتهديد القواعد العسكرية الأميركية، في جزر غوام وهاوا؛ إضافة إلى أن استعادة تايوان يوفر فرصة للتحكم في الصناعة الإلكترونية التي تحوزها تايوان؛ خاصة صناعة الرقائق الإلكترونية. وقد تجسدت استراتيجية الاحتواء المضاد الصينية في أطروحة "دولة واحدة ونظامان" وهي الصيغة التي تمنح بموجبها تايوان استقلالية كبيرة ضمن دولة الصين الواحدة، وهو ما رفضته تايوان. وقد أدارت الصين استراتيجيتها من خلال الآليات الآتية:

الآلية الاقتصادية: حافظت الصين على علاقات اقتصادية مع تايوان، وفتحت المجال للاستثمارات التايوانية، التي وصلت خلال العقود الثلاثة المنصرمة تقترب من 200 مليار دولار، والتبادل التجاري بينهما خلال عام 2020 وحده، بلغ 166 مليار دولار، وأن هناك 400 ألف تايواني يقيمون في الصين الشعبية بشكل دائم، لإدارة أعمالهم الصناعية والتجارية والخدمية.

الآلية السياسية: وتمثلت في رد الفعل والتنديد بكل خطوة تقوم بها أمريكا (اتصال أو زيارة أو تصريح)، واعتبارها دعما لانفصال تايوان، وتجاوزا للالتزام الأمريكي بسياسة الصين الواحدة الذي اعلنته عام 1979؛ وذلك بهدف الضغط السياسي ومنع الإقدام على أية خطوات توحي بالاعتراف بتايوان. وفي ذات الوقت السماح لتايوان بالمشاركة في بعض المنظمات الدولية بصفتها منطقة تابعة للصين باسم "تايبي الصينية" أو "تايوان الصينية".

الآلية العسكرية: وتبدت في إجراء المناورات والتجارب العسكرية بالقرب من المياه المحيطة بتايوان؛ ردا على الخطوات الأمريكية (عام 1996 وعام 2022)؛ وذلك على أساس قانون مناهضة الانفصال الذي أقرته عام 2004، والذي يسمح باستخدام الوسائل العسكرية ضد أي مشروع للانفصال تطرحه تايوان.

ثالثًا: تناقض الأهداف وتعدد الاحتمالات:

يقف الطرفان الصيني والأمريكي على حدي التناقض، فيما يخص أهداف كل منهما؛ فبالنسبة للصين يشكل ضم تايوان جزءا من استراتيجيتها في الدفاع عن سيادتها وصد أطماع أمريكا في آسيا. وبالنسبة لأمريكيا فإن خسارة تايوان سيقود إلى إضعاف حلفائها ويقوض مصداقيتها أمامهم في جنوب شرق آسيا، وبالنتيجة يفقدها موقعا للتأثير في السياسة العالمية. وعلى هذه الأرضية تبرز ثلاثة احتمالات، تتلخص في أن تتجه الأحداث نحو التصعيد والمواجهة العسكرية في المنطقة المحيطة بتايوان أو أن تراوح في مكانها أو أن يجنح الطرفان إلى التهدئة، بسبب العلاقات الاقتصادية بينهما المتمثلة في الاستثمارات الصينية في أدوات الدين الأمريكية، والاستثمارات الأمريكية في الصين، وكذلك الأوضاع الدولية. ويجب النظر إلى أي من الاحتمالات الثلاثة في ضوء قدرات طرفي الصراع في المجال الجغرافي للصراع، كونه يوفر الأفضلية لأحدهما بحكم المسافة. وتمتلك الصين في هذا الجانب ميزة جيواستراتيجية؛ إضافة إلى حيازتها لقدرات حربية هائلة تفوق قدرات تايوان وما يمكن حشده أمريكيا. وإذا كانت أمريكيا تراهن بشكل أساسي على تحالفاتها في المنطقة ضمن استراتيجية الاحتواء، فإن الصين بدورها ليست معزولة، في ظل توفر عديد الشروط لبناء تحالف عسكري صيني ــ روسي. ويمكن تلمس الوعي الصيني بهذه الأفضلية، عبر تصريحين صدرا يوم 21 سبتمبر 2022، الأول على لسان المتحدث باسم مكتب شؤون تايوان التابع لمجلس الدولة الصيني، وجاء فيه: إذا تجاوزت استفزازات القوات الانفصالية والقوات الأجنبية الخط الأحمر؛ فسنكون مضطرين لاتخاذ إجراءات حاسمة". والثاني كان بمثابة أمر من الرئيس الصيني خلال ندوة حول الدفاع الوطني وجاء فيه: إن القوات الصينية المسلحة يجب أن تركز على الاستعداد للمشاركة في اعمال قتالية حقيقية. ومن جهة ثانية فإن ضغط المتغيرات العالمية الجارية التي تهدد أمريكيا بفقدان موقعها المهيمن، يدفعها لأن تكون أكثر عدوانية ورغبة في التصعيد أملا في حسم الصراع لصالحها في تلك المنطقة؛ الأمر الذي يشكل كابحا مهما لانحدارها على الصعيد العالمي. ولكن حساب المخاطر قد يلعب دورا رئيسا في تجنبها المواجهة في تلك المنطقة، مع الحفاظ على مستوى معين من التصعيد، كعنصر إشغال في خاصرة الصين، ومحاولة الحسم في مناطق أخرى؛ خاصة في القارة الإفريقية بوصفها ساحة رئيسية للاستثمار السياسي والدبلوماسي الصيني، وفي هذا السياق تأتي دعوتها لانعقاد القمة الإفريقية الأمريكية بواشنطن يوم 13 ديسمبر 2022.