لن أناقش مقالة الصديق غازي الصوراني تفصيلياً، مع أنها تستحق أن تُناقش بالتفصيل الذي تستحقه؛ فهي مقالة غنية بالأفكار العميقة وتستحق أن تناقش بالعمق، ليس من جانب المفكرين والمشتغلين بالفكر وحسب، وإنما أيضًا من جانب الأحزاب والفصائل الماركسية العربية بعامة لأهميتها وعمقها وجديتها، لكني سأكتفي هنا بإضافة بعض الملاحظات التي تؤكد بعض النقاط التي عالجتها الورقة وتوسع النظر في بعضها الآخر لأهميتها، وربما تضيء بعض الجوانب المبهمة في الورقة.
أرى أنه علينا أن نشتق مفهوم التحرر الوطني العربي من الواقع التاريخي للأمة العربية الذي تبلور في آخر قرنين من الزمان؛ علينا أن نشخص هذا الواقع ونحدد إشكالاته، ومن ثم تحديد أولويات العمل التحرري؛ فالوطن العربي خضع لاستعمار إقطاعي لأربعة قرون، حالت دون تشكل دولة عربية حتى بالمعنى الإقطاعي للكلمة وفي تفكيك المجتمع العربي إلى تجمعات بدوية وفلاحية وحرفية معزولة وتحت رحمة المستبد العثماني في الآستانة، الذي عمل على لجم التطور التاريخي للمنطقة وامتص الفائض لصالحه على حساب تطور المنطقة.
ومنذ حملة نابليون، وربما قبلها، بدأ العالم العربي يخضع للرأسمالية الغربية بصورة تدريجية، مع ما صاحب ذلك من تفكيك للقدرات الإنتاجية العربية هنا وهناك، وتعاظم اختراق الاستعمار الغربي للوطن العربي حتى تسنى له أن ينهي السيطرة العثمانية عليه وأن يمزق الوطن العربي إلى أشلاء ومناطق نفوذ بين الدول الإمبريالية؛ فالأقطار العربية نشأت على أنقاض الوطن العربي بالعنف والقرار الإمبريالي، وليس بمشيئة سكان الوطن العربي. لكن الهيمنة الإمبريالية الغربية تخطت التمزيق إلى أقطار إلى تمزيق ال قطر الواحد وإلى إقامة بنى سياسية شبه حداثوية ومنقوصة، بحيث لا تقوم لها قائمة من دون إعادة إنتاج البنى القديمة ما قبل الرأسمالية رافداً للبنى الحديثة.
والخلاصة أن الوطن العربي أُلحق بهذه الصورة بالمراكز الإمبريالية وبالسوق العالمية وما زال يلحق بها، وهذا الإلحاق يتمثل في زرع الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي وفي استئثار الأسر البدوية الحاكمة بثروات الأمة، لصالح المنظومة الاستعمارية ولجم قوى الإنتاج العربية وتطورها والتحكم بموارد الأمة ونهبها واحتلال الأرض. والنتيجة الأولى أن الوطن العربي أُخضع لمنظومة صهيوإمبريالية؛ أركانها: الكيان الصهيوني، وأمراء النفط، والكمبرادور العربي، والقواعد والقوة العسكرية الأميركية، والمنظمات المالية العالمية. والنتيجة الثانية لجم التطور الحداثوي برمته في الوطن العربي، وتعطيل قوى الإنتاج العربية، وإعادة إنتاج البنى ما قبل الرأسمالية. إن ما يسود الوطن العربي اليوم هو رأسمالية ملجومة، منقوصة؛ تقع مقومات إعادة إنتاجها في المراكز الرأسمالية التي تتحكم تمامًا في نموها وتطورها.
لقد أفلحت الإمبريالية الغربية في بناء منظومة صهيونفطية عسكرية تحكم أقطار الوطن العربي وتحول دون بناء الأمة العربية أمة حداثوية مستقلة؛ تشارك في صنع الحضارة الحديثة؛ فوظيفة نظام الهيمنة هذا، هو لجم قوى الإنتاج العربية والحيلولة دون لملمة أشلاء الوطن العربي، لا بل أشلاء القطر الواحد، في قوة إنتاج مستقلة واحدة تُسخِر الموارد العربية في بناء الإنسان العربي الحر وقدراته الإنتاجية وتاريخه الحديث؛ فالموارد العربية، بما في ذلك الأرض العربية، محتلة وتخضع لإرادة المراكز الإمبريالية، التي تعمل على نهبها وحرمان الجماهير العربية منها. وقد فرض على الوطن العربي في العقدين الأخيرين نهج النيوليبرالية؛ تسهيلًا لنهب مقدرات الوطن العربي من الموارد، وسحق الطبقات الكادحة والمهمشة، من عمال وفلاحين وحرفيين، وإثقال الأوطان بمديونيات خيالية؛ ترهن الوطن العربي برمته للبنوك الكبرى وشركات السلاح والاحتكارات الكبرى وتلجم قوى الإنتاج العربية، الأمر الذي يفاقم مشكلات البطالة والفقر.
ما العمل؟
إن التحدي الأكبر الذي يجابهنا اليوم هو إعادة بناء حركة التحرر القومي العربية على أسس علمية ثورية على رأس جماهير الكادحين والمهمشين، على غرار ما سبق أن تم في الصين والهند الصينية وكوريا وكوبا، وفي ضوء تشخيصنا الواقع العربي؛ نستطيع أن نحدد معالم هذه الحركة.
إن الإمبريالية تسعى بحكم طبيعتها إلى تفكيك الوطن العربي على الصعيدين القومي والقطري، لذلك؛ ينبغي على حركة التحرر القومي العربية أن توحد ما تفككه الإمبريالية، وأن تسخر وحدة اللغة والوجدان القومي والثقافة والجغرافيا والتاريخ، من أجل توحيد كادحي الأمة وتنظيمهم؛ قوة ثورية قادرة على الفعل التاريخي المؤثر، أي ينبغي أن تكون هذه الحركة أولًا وحدوية.
ثانيًا، على هذه الحركة أن تطيح بالمنظومة الصهيوإمبريالية الكمبرادورية وإقامة دكتاتورية الكادحين على أنقاضها، من أجل تحقيق مهمات الاستقلال والتنمية المستقلة، أي على هذه الحركة أن تكون ثورية بالمعنى الماركسي ال لينين ي للكلمة.
ثالثًا، على هذه الحركة أن تحرر الموارد العربية، بما في ذلك الأرض العربية، من هيمنة الصهيوإمبريالية ووكلائها ونقل ملكيتها إلى مؤسسات ديموقراطية تمثل الجماهير الكادحة، وهذا فعل اشتراكي. إن مسألة الملكية هي المسألة الجوهرية في قضية التحرر القومي. وعليه؛ فإن حركة التحرر القومي العربية ينبغي أن تكون وحدوية استقلالية تنموية ثورية واشتراكية.
هذه هي الملامح العامة التي ينبغي أن تتحلى بها هذه الحركة. والسؤال هو: ما السبيل إلى بناء مثل هذه الحركة في ظروف سيطرة قوى الثورة المضادة بأجنحتها المتنوعة؟ وهل يمكن تحويل المقاومة الشعبية الفلسطينية واللبنانية والسورية إلى مثل هذه الحركة؟
يبدو لي أن قوى الثورة المضادة قد انتكست في العشرية الأخيرة، الأمر الذي يخلق فرصة؛ مهما صغرت، لاختراق ظلام الثورة المضادة؛ صوب نور ثورة التحرر الوطني. لكن، على أي حال، لا مفر من المحاولة وإلا ظللنا تائهين نتخبط في التبعية والاحتلال.
وأخيرًا، تحية إلى رفيقنا المتميز غازي الصوراني على جهوده العميقة في اتجاه خلق وعي تقدمي تحرري أصيل؛ مبني على أسس فلسفية ونظرية عميقة. جهودك مقدرة دومًا أيها الرفيق العزيز.

