تواصلُ موسكو وبكين وبخطًى ثابتةٍ واثقةٍ إنهاءَ مرحلةِ القطب الأمريكيّ الواحد وتابعه الأوروبي التي سادت العقود السابقة التي تلت الانهيار السوفياتي، وصار ملحوظًا أنّ الخطوات الروسيّة والصينيّة، في المجال الاقتصادي والماليّ والعسكريّ والسياسيّ تتمُّ جميعها في إطار استعادة استراتيجيّة للجيوبوليتيك، الذي بات عنصرًا حاسمًا في تقرير شكل العالم المقبل.
ويشارُ هنا بشكلٍ خاصٍّ إلى كتابات ألكسندر دوغين، حولَ روسيا الأوراسيّة وآخرها كتابه (الجغرافيا السياسيّة لما بعد الحداثة) وهو، كما بريجنسكي الأمريكي، ينطلقان من الصّراع الأمريكيّ – الروسيّ على أوراسيا ومرجعيّاته التي ظهرت بين أواخر القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين، وتناولت الإمبراطوريّات البريّة والبحريّة وموقع أوراسيا فيها.
ولعلَّ أبرز مفكّري الجيوبوليتيك المشار إليهم هم: البريطاني ماكندر الذي ذهب إلى أنّ من يسيطر على الهارت لاند أو قلب أوراسيا (روسيا بشكلٍ خاص) يسيطر على العالم، والأمريكي ماهان الذي ركّز على الإمبراطوريات البحريّة والسيطرة على أطرافها البحريّة الحسّاسة. انطلاقًا من ذلك ركّز بريجنسكي على ضرورة تطويق روسيا من خلال أوكرانيا من جهة، وبناء حزامٍ أخضرَ إسلامويّ يضمّ ما كان يعرف بالجمهوريات السوفياتيّة الإسلاميّة من جهةٍ ثانية، وخاصّةً كازاخستان، وبالمقابل انتبهت موسكو مبكرًا (بوتين ودوغين) لخطورة الاستهدافات الأمريكيّة العدوانيّة، وكانت العمليّة العسكريّة الروسيّة في أوكرانيا أشبه بدفاعٍ استراتيجيٍّ قابل للتحوّل إلى هجومٍ بالمعنى التاريخي.
هكذا، وبحسب كتاب "الجرف الأوراسي": محور الصراع الدولي لمؤلفه علوان نعيم أمين الدين، وبالإضافة إلى خط العرض 33 عمومًا وحرب الممرّات الدوليّة البريّة والبحريّة، فإنّ الجرف الأوراسي هو الجبهةُ القادمةُ للحرب الباردة. وقد ركّز الكثير من الباحثين الجيوبوليتكيين على منطقة أوراسيا بشكلٍ كبير، فاعتبروها الأهمّ على صعيد المشهد العالمي المقبل.
من هذا المنطلق، قسَّموا العالم كلَّه إلى ثلاث مناطق جيوبوليتيكية:
1. الأرض الأم: وهي تشمل القسم الأعلى من أسيا ودولاً عدة من أوروبا خاصة الملاصقة للقارة الآسيوية؛
2. الهلال الداخلي: وهو نطاق من الشريط البري المحاذي للبحار (البلطيق، المتوسط، الأحمر، الخليج) والمحيطات (المحيط المتجمد الشمالي من الاعلى والمحيطين الهادي من ناحيتي روسيا والصين والمحيط الهندي من الأسفل)، إضافة إلى القسم الشمالي لإفريقيا؛ إذ يعتبر البعض أن هذه المنطقة “مفصولة عن باقي إفريقيا بواسطة الصحراء الكبرى”.
3. الهلال الخارجي: هو كل ما تبقى من أراضي غير تلك المشار إليها أعلاه. ومن الجدير ذكره هنا، أنه لم يتم إعطاء الولايات المتحدة الكثير من الأهمية، فهي لا تشكل سوى جزءاً من الهلال الخارجي ليس إلا.
وبالنظر إلى تعريف “الأوراسية”، نجدد عدداً منها:
المعنى الواسع: “أوراسيا هي كتلة أرضية مساحتها 54,000,000 كم2 وهي مكونة من قارتي أوروبا وآسيا… تقع أوراسيا في شمال الكرة الأرضية. اسم الكتلة مركب من كلمتي “أوروبا” و”آسيا”. يحدها من أقصى الغرب جزر آيرلندا والمحيط الأطلسي الذي يمتد بذراعه الجنوبي وهو متمثل في البحر المتوسط بأحواضه المختلفة، ومن الشرق مضيق بيرنج وبعض الجزر مثل كامشتكا وسخالين والمحيط الهندي، ومن الشمال يحده جزر فرانس جوزيف والمحيط المتجمد الشمالي، ومن الجنوب جزر تيمور والمحيط الهادي بذراعيه المتمثلين في البحر الأحمر والخليج العربي… اعتبرها العديد من الجغرافيين كقارة واحدة مثل الأمريكيتين وإفريقيا، حيث أن القارتين غير منفصلتين بمحيط أو بحر كبير”.
المعنى الضيق: تشمتل أوراسيا على المناطق التي تلتقي فيها القارة الأسيوية بالقارة الأوروبية، متمثلة بالجمهوريات السوفياتية السابقة والمناطق المطلة على البحر الأسود، والشرق الأوسط من الجانب الآسيوي، ودول كـ “بلغاريا ورومانيا وكذلك دول شرق أوربا المتوسطية كاليونان ومقدونيا في الجانب الأوروبي”.
يعطي هؤلاء الباحثين أهمية كبيرة لـــ “الأرض الأم” فهي بنظرهم العالم الحضاري والقسم الثابت في الصراع بين “قوى البر” و“قوى البحر”، ويعتبرون أن قوى البر هي الثابت كونها تستند على واقع جغرافي، بينما قوى البحر تتمدد وتنحسر بحسب المعطيات. وما بين الأرض الأم والهلال الخارجي، يتمحور لبُّ الحديث حول الهلال الداخلي، والذي يطلق عليه أيضاً “الحيّز الحضاري من التاريخ”، أو الهارت لاند بحسب ماكندر، وبنظر هؤلاء المفكرين “أن من يسيطر على هذا الجزء يحكم العالم”.
إن ما يحدث اليوم على الساحة الدولية من أحداث وتطورات بين محوري الولايات المتحدة من جهة، والاتحاد الروسي والصين الشعبية من جهة أخرى، يقودنا إلى إحداث نوع من الإسقاط لهذه النظرية على الواقع الحالي، حيث يتكشف من خلال الأحداث صحة التقسيمات الواردة أعلاه، إذ أن ثقل الصراع الدولي يتمركز في هذه المنطقة أو الهلال الداخلي.
يرى الكثيرون بأن الولايات المتحدة الأميركية تستخدم أوكرانيا من جهة، وما يعرف بــ “الإسلام السياسي”، من جهة أخرى، من أجل خلق الأزمات بهدف السيطرة على المناطق الاستراتيجية في الحوض الأوراسي.
في كتابه “رقعة الشطرنج الكبرى”، يقول مستشار الأمن القومي الأميركي السابق زبيغنيو بريجنسكي عن المنطقة التي يشملها “الحزام” بأنها شاسعة جداً، وهي التي “تمزقها الأحقاد المتأججة والتي يحيط بها جيران منافسون أقوياء، مرشحة لأن تتحول إلى ساحة معركة كبرى للحروب فيما بين الدول القومية، وعلى شكل أرجح، للعنف العرقي والديني طويل الأمد”.
ويعود تشبيه السيناريو المفترض بحزام “النيران المشتعلة” إلى عدة أمور، أبرزها:
1. ارتفاع النار بشكل عامودي (استهداف الصين وروسيا بالتحديد المتواجدة جغرافياً فوق الحزام)؛
2. توسعها أفقياً (حيث من الممكن أن تمتد على كامل الخط) دون أن تتمدد نزولاً (وجود المياه في المحيط الهندي والخليج العربي، ووجود الرمال في شرق شبه الجزيرة العربية التي تمنع تمدد “النار” إليها، فدولها تعتبر حليفاً أساسياً للولايات المتحدة في المنطقة حالياً).
3. تترك “جمراً” بعد “الحريق” مما قد يسبب إعادة إحياء النيران من جديد (والمقصود بالجمر هنا الأزمات التي يمكن إعادة تفعيلها ضمن الدول كلما دعت الحاجة)؛
4. استعملت كلمة “النيران” وليس “النار” لأنها قد تشتعل في منطقة بعد منطقة وليس بالضروري أن تشتعل كلها مرة واحدة.
فكيف يعمل حزام “النيران المشتعلة” على الدول التي يمر بها؟ وما هي امكانية المواجهة والصمود؟
في مواجهة روسيا والحرب على الجرف الأوراسي
الدرع الصاروخي في أوروبا: وهو مثار جدل كبير في العلاقة بين موسكو وواشنطن ومحل خلاف حقيقي، إذ تعتبره الأولى موجهاً ضدها وتريد توضيحات عليه، ويرى البعض أن “التهديد الروسي بضرب بولندا بالنووي في حال وافقت على نشر الدرع الصاروخي على أرضها لهو تهديد على محمل الجد لحماية الأمن القومي الروسي”، فيما تعتبره الثانية ضرورة للمحافظة على وجودها والدفاع الاستباقي عنها وعن الدول الحليفة لها في أوروبا من تهديدات “الدول المارقة”.
حرب الطاقة
وهذا ما أكد عليه الرئيس الأميركي باراك أوباما كانون الثاني/ يناير 2015 خلال خطابه عن حالة الاتحاد، بأنه نجح في تحجيم الاقتصاد الروسي من خلال التخفيض الكبير لأسعار النفط.
أزمة أوكرانيا
وبالاستناد إلى قول شهير لبريجنسكي “بدون أوكرانيا لا تعود روسيا امبراطورية أوراسية”، يرى الباحثون السياسيون بأن أزمة أوكرانيا تم افتعالها بوجه الاتحاد الروسي لجعله يتورط في “وحل” التدخل العسكري، وهو ما أشار إليه دبلوماسي روسي رفيع في بيروت ضمن لقاء خاص. فالهدف هو “جرهم إلى مستنقع” التدخل العسكري للوصول لنتائج عديدة أبرزها التنازل في سوريا، بعد صمود النظام الذي تدعمه موسكو، وإدخال روسيا في أزمة مع الاتحاد الأوروبي تستفيد هي منها اقتصادياً، والحد من النمو الاقتصادي الروسي بضرب عصب مداخيله من خلال تصدير الغاز الذي يشكل أساس الإيرادات المالية للخزينة.
توظيف الإسلام الأمريكي في القوقاز
وذلك بإشعال النزاعات الطائفية خصوصاً مع تفشي ظاهرة “الجهاد” بين العديد من سكان هذا الجزء وذهابهم إلى الكثير من الدول، بينها سوريا، للقتال.
الخط “الجيو-ديومغرافي” الآخر الروسي – الصيني المشترك، يضم في دوله أكثرية سكانية إسلامية ساحقة. فأندونيسيا، على سبيل المثال، هي أكبر دولة إسلامية في العالم من حيث عدد السكان. وإذا ما بنينا على ما ورد أعلاه حول الاستفادة الأميركية (وربما تبنيها) من المنظمات التكفيرية، تكون دول كالفيليبين وأندونيسيا إحدى هذه الدول التي قد تستخدم على “حزام النيران” لــ “تسخين المياه الفاصلة” بينها وبين الصين، خاصة مع وجود العديد من الازمات بينها في بحر الصين الجنوبي (الجزر)، ناهيك عن مضيق ملقا (بين أندونيسيا وماليزيا) الذي يعتبر الشريان المائي الذي يصل المحيط الهادئ بالمحيط الهندي.
في 13/9/2014، نقلت قناة الــ “بي.بي.سي” عن الرئيس الصيني “شي جي بينغ” حثه قادة دول آسيا الوسطى على “مضاعفة جهودهم لمحاربة التطرف الديني، في إشارة إلى الهجمات التي تشنها عناصر تنتمي إلى أقلية (الإيغور) المسلمة في إقليم شينجيانغ غربي البلاد. وتقول بكين إن جماعات انفصالية في شينجيانغ تسعى إلى تأسيس دولة خاصة بالإويغور يطلقون عليها اسم “تركستان الشرقية”، وأن هؤلاء لديهم ارتباطات بجماعات متطرفة في آسيا الوسطى وباكستان.
استراتيجية موسكو
بالإضافة لتوسيع منظمة شنغهاي وللعملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا لإعادة الدونباس والقرم إلى روسيا الاتحادية ولتطوير موسكو استراتيجية مواجهة الأمريكان والأطلسي بفتح الجبهة (الاقتصادية والمالية النقدية) من خلال روبلة التجارة الخارجية الخارجية مقابل الدولار، واستبدال خط الغاز الشمالي مع أوروبا بخط غاز مع الصين، بدأت موسكو منذ عقدين بسلسة من الخطوات العسكرية والاستراتيجية مثل:
الصواريخ البالستية: لقد أثبتت الصواريخ مجدداً أنها من القدرات العسكرية الاستراتيجية للدول، لما تحمله من تقنيات عالية وقوة تدميرية فائقة. وتتمتع هذه الصواريخ بالقدرة على حمل الرؤوس النووية مما يجعل خطرها يفوق التوقعات، أو تسديدها إلى أهداف معينة (معامل كيميائية، مفاعلات نووية، محطات بترولية… الخ) لتحدث دماراً قد يوازي بآثاره ما تحدثه بعض من الأسلحة النووية.
الغواصات النووية: لقد عانت الغواصات الروسية من الإهمال في عصر الاتحاد السوفياتي السابق، من هنا بدأ العمل على جيل جديد من الغواصات النووية الروسية.
طرق المواصلات وثروات القطب الشمالي
في السنوات الأخيرة، يولى الاهتمام الكبير بمسألة الملاحة في المحيط المتجمد الشمالي، إذ أن الخبراء يرون أنه سيصلح للملاحة تماما في موسم الصيف بحلول عام 2030 لذوبان الجليد فيه. وشهد سبتمبر/أيلول عام 2009 مرور سفينتي شحن المانيتين عبر هذا الطريق، ويسمى هذا الممر “بالدرب البحري الشمالي” وهو طريق يمتد من كوريا الجنوبية مروراً بساحل روسيا الشمالي وصولا إلى أوروبا، حيث “تسير السفن التجارية عادة من آسيا إلى أوروبا عبر المضائق الجنوبية وقناة السويس”.
ويبلغ طول هذا الطريق 11 ألف ميل بحري. أما الطريق الشرقي الذي يمر بالمنطقة القطبية فيبلغ طوله 3 آلاف ميل بحري. وشهد عام 2007 التحرر من الجليد للدرب. وتبرز أهمية القطب الشمالي في العديد من النقاط، أبرزها:
الموارد الطبيعية: يقدر الخبراء حجم هذه الثروات في القطب بـ 13 % من حجم الاحتياطي النفطي العالمي و30 % من الغاز الطبيعي، ونظراً للأهمية المستقبلية لهذه المنطقة، تم إدخالها ضمن اتفاقية الأمن القومي الروسي ففي 17 أيلول/سبتمبر 2008، أقر مجلس الأمن لروسيا الإتحادية “مبادئ سياسة الدولة في منطقة القطب الشمالي وتأمين امدادات أنابيب الغاز المتوقع استخراجها من القطب الشمالي وحمايتها، ومنع الاضرار بمصالح روسيا من خلالها على غرار ما يخطط له في الأزمة الأوكرانية الحالية.
استراتيجية بكين
بالإضافة للمناطق الحرة وتوسيع الاهتمامات العسكرية ذات البعد الاستراتيجي تولي بكين أهميتها للمشاريع التالية:
- طريق الحرير القديم، الذي يبدأ من الصين ويمر بمناطق وسط وجنوب آسيا وبلاد فارس والمنطقة العربية وصولاً الى مصر وشرق إفريقيا وجنوب غربي أوروبا، هو طريق التجارة الرئيسي والأهم في العالم، لقد جرت على محوره اهم التبادلات التجارية التي ازدهرت بين الحضارات الواقعة على شقيه.
- منظمة شنغهاي: تقع الأهداف المعلنة للمنظمة في عدد النقاط، أبرزها توسيع الأسواق المشتركة، مكافحة الإرهاب ومواجهة التطرف، والحركات الانفصالية، والتصدي لتجارة الأسلحة والمخدرات.
- خيط اللؤلؤة الصيني: والمقصود مراكز إسناد القوات البحرية والجوية الصينية الممتدة من جزير هاينان في بحر الصين الجنوبي حتى مضيق هرمز. ومن خلال القواعد المندرجة ضمن "خيط اللؤلؤ" تتحدى الصين التواجد العسكري الأميركي في بحار المنطقة وتسعى إلى ضمان أمن طرق استيراد النفط والغاز من الأقطار العربية و إيران وإفريقيا".
على أن العديد من الباحثين في الشؤون الدولية يتوسعون في جغرافية "خيط اللؤلؤ" ليصل إلى الصومال وتنزانيا، ثم صعوداً نحو "بور سودان" وصولاً إلى مرفأ "بيريه" اليوناني، مروراً بالمناطق الاقتصادية على قناة السويس.
- مشروع قناة "كرا": الصين "تفلت" من مضيق ملقا: برز اهتمام الصين في مشروع يقيها “شر” المرور في مناطق قد تصبح مقفلة عليها مستقبلاً، حيث أبدت اهتماماً كبيراً بالاستثمار في “قناة سيتم شقها عبر (برزخ) كرا ايسثموس في جنوب تايلاند كقناة آسيوية على غرار قناة بنما، لتخفيف الضغط على مضيق ملقا ومشاريع ربط منطقة البحر الكاريبي بالمحيط الهادي”.

