Menu

ثلاث معوقات للهوية الوطنية

د. محمد السعيد إدريس

المبادرات المهمة التي بدأت تفرض نفسها حالياً في لبنان للخروج من حالة العجز والإنهاك غير المسبوقة التي تواجه كلا من النظام السياسي والمجتمع تتشابه في غاياتها مع مبادرات أخرى مشابهة في دول عربية تواجه ظروفاً مشابهة مثل العراق، لكن هذه المبادرات، وإن كان في مقدورها تشخيص حالة التردي، أو حتى التعرف على أسبابها، وإن كان في مقدورها أيضاً طرح مشروع متكامل للإصلاح أو حتى للتغيير للخروج من مأزق العجز والفشل على نحو ما هو في لبنان أو للخروج من مأزق "الانسداد السياسي" الذى باتت تُعرَّف به الأزمة العراقية الراهنة، فإنها تعجز عن الإجابة عن السؤال المحوري أو المركزي وهو: كيف يمكن إحداث الإصلاح إذا كانت الطبقة الحاكمة، وهى بالمناسبة طبقة تدين بالفضل إلى مبدأ "المحاصصة السياسية" الذى هو أصل تكوينها في البلدين، تعتبر طبقة متحالفة أو على الأقل "متضامنة" مع بعضها البعض للحفاظ على النظام الحاكم، بل وربما النظام السياسي كله، رغم عمق ما بينها من تناقضات وصراعات، لأنها تدرك وتعي أن التغيير ، بل وحتى الإصلاح، سوف يستهدفها في الأساس، لأنه لا تغيير أو إصلاح في ظل استمرار بقاء هذه الطبقة الحاكمة والمتضامنة، لأنها بحكم المصالح والأهداف صاحبة مصلحة في بقاء النظام كما هو دون تغيير.

القضية تزداد تعقيداً في ظل ثلاثة عوامل أساسية تقف جنباً إلى جنب مع هذه الطبقة للحيلولة دون حدوث الإصلاح الذي يستهدف القضاء على كل أنواع التمايز والتقسيم داخل الوطن الواحد لصالح إرساء قواعد ومبادئ "المواطنة المتساوية"، التي تؤدى إلى "توحد المواطنة" وتركزها حول "الانتماء للوطن" دون غيره من الانتماءات الفرعية سواء كانت عرقية أو دينية أو طائفية أو جهوية (أي الانتماء لمناطق جغرافية داخل الوطن الواحد). هذا التوحد في الانتماء هو الذي يكون في مقدوره صياغة "الهوية الوطنية الموحدة"، التي تؤسس لتمايز الوطن عن غيره من الدول الأخرى، وتقود إلى صهر المواطنين في بوتقة الولاء لهذا الوطن والزود عن أراضيه وقيمه ومقدساته.

أول هذه العوامل هو تأصل وجود الانقسامات العرقية والدينية والطائفية داخل الأوطان، إذ يكاد لا توجد دولة عربية واحدة خالية من هذه الانقسامات، لكن هناك من هو غارق في جذرية انقساماته، ومن هو مبرأ من أمراض هذه الانقسامات إما لمحدوديتها، كما هو الحال مثلاً في مصر، التي تتعرض في السنوات الأخيرة لمحاولات دؤوبة لتخليق مثل هذه الانقسامات وافتعالها، وإما لامتلاك أدوات متطورة لإدارة الخلاف حول هذه الانقسامات. هناك دول عربية مفعمة بهذه الانقسامات العرقية والدينية والطائفية وبالذات في المشرق العربي مثل العراق و سوريا ولبنان، على عكس الوضع في المغرب العربي المبرأ من داء الانقسام الديني والطائفي، وإن كانت قضية "الأمازيغ" تجد من يشعل نارها في هذه الدول، وأيضاً دول الخليج العربي التي تتميز بدرجة عالية من التوحد الوطني العرقي والديني وإن كان بعضها يعيش رياح وتداعيات تعددية طائفية (سنة – شيعة) تعتبر أحد مخرجات الصراع مع إيران، لكن التحدي الأخطر الذى يهدد ليس فقط الهوية الموحدة للدول العربية الخليجية ، بل وجود هذه الدول هو الخلل الكثيف والمتفاقم في التركيبة السكنية، بسبب الخلل في هذه التركيبة بين من هم مواطنون عرب وبين من هم وافدون خاصة في الدول الآسيوية، حيث لا يزيد عدد السكان المواطنين في عدد من بعض هذه الدول عن 20 أو 25% فقط من العدد الإجمالي للسكان.

الانقسام إذن موجود كحقيقة عامة، وتتحول إلى سبب أصيل للصراع إذا لم تجد الحلول الناجعة لتحويله من نقمة إلى نعمة، وهذا بالطبع يتوقف من ناحية على وعى ورشادة الطبقة الحاكمة، ويتوقف على منظومة العلاقات التاريخية بين هذه المكونات هل هي تعاونية تكاملية أم هي صراعية وتنافسية. نظرة سريعة للعراق كدولة وكمجتمع قبل نكبتي الغزو العراقي للكويت عام 1990 وما نتج عنه من حرب التحالف الدولي ضد العراق بقيادته الأمريكية عام 1991، والغزو الأمريكي – البريطاني للعراق عام 2003 ستكشف أن العراق كان موحداً طائفياً بشهادة انخراط كل المواطنين في أتون حرب الثماني سنوات مع إيران (1980 – 1988) باستثناء التمرد الكردي الذى كانت تغذيه الصراعات الإسرائيلية- الإيرانية – الأميركية مع العراق، لأسباب كثيرة أبرزها على الإطلاق إشغال العراق بصراعاته الداخلية لإبعاده عن الانخراط، كقوة عربية مميزة، في الصراع ضد إسرائيل دعماً للقضية الفلسطينية.

العامل الثاني الذي يفاقم من أزمة الانقسامات والصراعات الداخلية في الدول العربية الدور الذي يلعبه الصراع العربي – الإسرائيلي، في ظل وجود المخطط الغربي – الإسرائيلي للإمعان في تقسيم وتفتيت وحدة الدول العربية والحيلولة دون توحدها لسبب أساسي وهو "أن تبقى إسرائيل آمنة" على أساس أن التوحد العربي هو الخطر الذي يعنى بالنسبة لهم "زوال كيان الاحتلال الإسرائيلي".

الأمر هنا ليس حديث مؤامرة كما يروج "اللوبي" الأمريكي – الإسرائيلي في بلادنا العربية، فالحقيقة في هذا الأمر، أنه ليس محض "هاجس مؤامرة" بقدر ما هو "واقع مخططات" مكتوبة ومنشورة وجرى تنفيذها ومازال تنفيذها مستمراً ولم ولن يتوقف، طالما بقي كيان الاحتلال الإسرائيلي "مصلحة غربية أمريكية- إسرائيلية".

  • هذه المخططات تمتد إلى سنوات التأسيس لكيان الاحتلال الإسرائيلي ابتداءً من مؤتمر بازل عام 1897، الذي اتخذ قرارات تأسيس "الوكالة اليهودية" لتتولى تمويل هجرة اليهود من كافة أنحاء العالم إلى فلسطين بالتنسيق مع سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين، تمهيداً لإعلان قيام دولة إسرائيل. فبعد سبعة أعوام فقط من مؤتمر بازل عقد "مؤتمر لندن" الذي امتد لعامين (1905 – 1907) وحمل اسم منظمه وراعيه "هنرى كاميل ليزمان" وزير المستعمرات البريطاني في ذلك الوقت. ومن هذا المؤتمر صدرت قرارات تقسيم الوطن العربي، بل والإمعان في التقسيم والتمزيق بهدف "الحيلولة دون توحد العرب" إضافة إلى دعم مشروع قيام دولة إسرائيل باعتبارها أنها ستكون أهم عامل لهذا التقسيم بعزل المشرق العربي عن مغربه، وباعتبارها أنها ستتكفل، بعد قيامها، بمهمة الحيلولة دون توحد العرب، باعتبار أن هذا التوحد الخطر الأكبر على المصالح الغربية في الشرق الأوسط وعلى وجود هذه الدولة.

من مخرجات هذا المؤتمر كان مشروع التقسيم الكبير للعرب الذي حمل اسم "سايكس – بيكو" عام 1916، ومنه جاء وعد بلفور عام 1917 بإعطاء فلسطين لليهود تحت غطاء إقامة "وطن قومي لليهود في فلسطين" ثم مشروعات تقسيم دول الخليج إلى دويلات متشابكة ومتصارعة حدودياً ليبقى الصراع بينها هو أصل العلاقات. وتوالت المخططات بعد ذلك وعلى مدى أكثر من قرن كامل والتي كان أبرزها مشروع "الشرق الأوسط الكبير"، الذي استهدف إعادة تقسيم المقسم وتمزيق الدول داخلياً إلى دويلات عرقية ودينية وطائفية للقضاء نهائياً على ما يمكن اعتباره "خطراً عربياً" على إسرائيل وعلى المصالح الغربية من ناحية، ومن ناحية أخرى لإسقاط "النظام العربي" واستبداله بنظام إقليمي بديل، يجمع كل هذه الدويلات العرقية والطائفية والدينية مع كيان الاحتلال الإسرائيلي في نظام إقليمي شرق أوسطي على أنقاض النظام العربي. ما حدث في العراق وما يحدث الآن في سوريا وفى اليمن وفى ليبيا هو امتداد بشكل أو آخر لهذا المخطط.

العامل الثالث الذى يفاقم من خطر الانقسام والتفكك الداخلي في الدول العربية ويؤثر بقوة في تمييع مشاعر الانتماء والتوحد لـ "هوية وطنية جامعة" هو تأثير مضاعفات ثورتي العولمة والتكنولوجيا خاصة تكنولوجيا الاتصالات الذى يفرض تحديات جديدة لـ "الذات المكانية" (الجغرافيا) و"الولائية" (التاريخ)، لصالح هويات جديدة بسبب التدفق الهائل للمعلومات والأفكار القادرة على تخليق ولاءات جديدة واهتمامات جديدة لدى قطاعات شعبية واسعة، خاصة في أوساط الشباب، على حساب الولاءات التي تفرضها الجغرافيا (العيش في وطن واحد) والتاريخ (التجارب الحياتية المشتركة).

هذا العامل يُعد من أخطر التحديات التي تواجه مهمة مسعى التأسيس لهوية وطنية جامعة في بلادنا العربية. تحدٍ في حاجة إلى المزيد من التحليل.