بعد عدة أيام، وتحديدًا في الأول من نوفمبر القادم، يتم إجراء انتخابات الكنيست في دولة الكيان الصهيوني، هذه (الدولة) التي قامت على أنقاض الشعب الفلسطيني وبعد تدمير مدنه وقراه وقتله وتهجيره، إلى كافة بقاع الأرض، تحت سمع وبصر الأمم المتحدة والأنظمة العربية وتحديًا لقراراتها، واستجلبت المستوطنين كي يحلوا مكانهم ويستولوا على أراضيهم. ومن المعروف أن هذه الدولة هي الوحيدة في العالم التي قامت بموجب قرار من الأمم المتحدة ولم تكن موجودة أصلًا، وهي لم تنفذ أي قرار من قراراتها على مدار ٧٤ عامًا يتعلق بالشأن الفلسطيني وحقوق الشعب الفلسطيني.
لقد تكررت هذه الانتخابات خلال الأعوام الثلاثة الماضية وبلغت حدًا قياسيًا، مما يضع مؤشرًا حقيقيًا ويرسم سؤالًا كبيرًا على حجم التناقضات داخل هذا المجتمع والتي باتت تنبئ بزواله.
لا أريد في هذه المقالة السريعة التحدث عن هذه الموضوعات، لكنني سوف أركز على موضوع الساعة الآن وهو موضوع الانتخابات، والدور المطلوب القيام به من قبل جماهير شعبنا الفلسطيني في المحتل من أرضنا عام ١٩٤٨، وأنا لست أستاذًا، ولا أدعي أنني أكثر حرصًا على فلسطين من غيري.
من المعروف أنه عند كل محطة انتخابية للكنيست ومنذ قيام دولة العدو الصهيوني، يحتدم ويشتد النقاش وتختلف المواقف في أوساط الجماهير الفلسطينية، حول المشاركة أو المقاطعة لهذه الانتخابات، وما هو الموقف الأسلم؟ وأين يجب ان تقف؟ وأين تكمن مصلحة الشعب الفلسطيني؟
بعد قراءة دقيقة معمقة للواقع الفلسطيني الذي يعيشه شعبنا تحت الاحتلال، وبعد دراسة عميقة لجذرية المشروع الصهيوني، وبعد تمحيص كافة جولات الانتخابات التي حصلت منذ النكبة وحتى الآن، وصلت إلى قناعة راسخة، أن مقاومة المشروع الصهيوني، الذي تميز بجذريته، لا يمكن التصدي له ومقاومته إلا من خلال مشروع جذري مقاوم ومواقف جذرية، وهذا بالتأكيد لن يتم عبر المشاركة في الانتخابات، كون المشاركة في هذه الانتخابات، ألحقت ضررًا كبيرًا بالشعب الفلسطيني وقزمت أهدافه، وأحدثت انقسامًا في صفوفه، بما يخدم العدو الصهيوني، ولم تحقق انجازًا جديًا واحدًا لمصلحة شعبنا.
كنت ولا زلت أتمنى لو أن اللذين شاركوا في هذه الانتخابات على مدار الأعوام الماضية ومنذ قيام دولة الكيان، أن يقدموا لنا دليلًا واحدًا على صحة خيارهم، وما هي الإنجازات التي حققوها حتى نعتذر منهم.
مع الأسف الشديد نقول أن عملية المشاركة هذه والتي وصلت إلى ٩٠% في بعض الحالات وأقل من ٤٠ % في حالات أخرى، لم تقدم لشعبنا سوى خسارة صافية، ولم تحقق أي ربح منها في أي وقت، وأرست معادلة واضحة كل الوضوح، تؤكد أن خسارة شعبنا أكثر من ربحه وربح عدونا أكثر من خسارته، وهو لم يخسر شيئًا.
وفيما يلي أستعرض بشكل سريع أهم عناوين الخسارة وهي:
١_ أن هذه المشاركة تعني وتؤكد الاعتراف بدولة الكيان الصهيوني وقوانينها ومؤسساتها، وتضفي الشرعية عليها، وينزع عنها صفة الاحتلال، ألا يكفي للدلالة على ذلك يمين القسم الذي يؤديه الأعضاء العرب في الكنيست، وبالتالي يقدمون أكبر خدمة للعدو، قد يقال أن هذا الكيان نال شرعيته من خلال قرارات الأمم المتحدة والاعتراف به من قبل الكثير من دول العالم وخاصة من بعض الدول العربية... واسمحوا لي أن أقول لكم: أن اعتراف هؤلاء جميعا بهذه (الدولة) سيبقى ناقصًا ومطعونًا فيه ولن يكتسب شرعيته دون اعتراف من قبل الشعب الفلسطيني وهو صاحب الأرض.
٢_ لقد اثبتت التجربة أن شعبنا لم يحقق إنجازًا مهما من المشاركة، حتى ولو انجازًا بسيطًا: المشاركة لم تنهِ الاحتلال، ولم تمنع سن القوانين العنصرية، ولم تمنع مصادرة الأراضي ولم تحرر شبرا، ولم تمنع هدم البيوت.. وقلع الأشجار، ولم تمنع حدوث مجزرة واحدة، ولم تمنع سن قانون عنصري واحد، ولم تؤدِ إلى المساواة، ولم توقف أو تمنع الاعتداءات المتكررة على شعبنا في الضفة وغزة، ولم تحرر أسيرًا، ولم تمنع الاقتحامات المتكررة للأماكن المقدسة وفي مقدمتها الأقصى، ولم تمنع من إقامة المستوطنات وزرع المستوطنين فيها هذه وغيرها من النقاط الهامة هنا.
٣_ إن المشاركة في هذه الانتخابات تغطي على جرائم الاحتلال وكل ما يفعله، وتروج لديمقراطية الاحتلال الزائفة وتجميلها، من خلال إشاعة أن دولة الكيان هي واحة الديمقراطية في المنطقة. والسؤال: هل هذا صحيحًا؟ ولماذا القبول به بدلًا من مقاومته؟
والسؤال الأهم والأبرز المطلوب الإجابة عليه من قبل أبناء شعبنا في ال٤٨: هل تعتبرون دولة الكيان دولة محتلة للأراضي الفلسطينية ويتوجب مقاومتها وأن شعبنا في الداخل صاحب الأرض وهم محتلين؟
قد يكون هذا السؤال بديهيًا إلا أن الاجابة عليه تحدد أشكال وطرق مواجهته، وإذا كانت إجابتكم نعم هذا احتلال فهذا يستوجب المقاومة، وهل المقاومة تكون عبر المشاركة في الانتخابات؟
أما إذا كان الجواب: نحن أقلية تبحث عن حقوق ومساواة... أقول لكم لقد أخطأتم في تحديد الموقف ولا أريد القول أكثر من ذلك.
لقد كتب وتحدث الكثيرين عن الانتخابات، من حيث المشاركة والمقاطعة على شاشات الفضائيات وفي الراديو وعلى صفحات المجلات والجرائد وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، ولكنني بصفتي فلسطيني من أبناء الشتات، اللذين هدمت بيوتهم وشردت عائلاتهم ولم أتمكن من رؤية أرضي وبلدي، رغم بلوغي السبعين، أسألكم: هل تستطيعون من خلال مشاركتكم في الانتخابات والحصول على عضوية الكنيست ان تؤمنوا لي فقط تأشيرة دخول إلى بلدي وأنا صاحب الأرض التي لم أراها في حياتي؟
للأسف أنتم أعجز من ذلك.
الأفضل ألف مرة لكافة أبناء شعبنا مقاطعة هذه الانتخابات ومقاومة العدو وكشف ممارساته بدلًا من المشاركة فيها وتجميل وجه العدو القبيح...هل أنتم فاعلون على الجميع أن يقاطع...؟ وهنا يبرز سؤال: إذا قاطعنا ما العمل؟
أعتقد أن الجواب لديكم وأنتم أصحاب الخبرة والتجربة مع هذا العدو، وأنتم من شاركتم، وقاطعتم سابقًا.
على الكل الوطني أن يلتقي ويحدد برنامجًا للمواجهة باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، كما أثبت ذلك دوما على امتداد سنوات الاحتلال وتشهد له مقاومته ومعركته في يوم الأرض، وهبته دفاعًا عن القدس ، ووقوفه إلى جانب أخوته في معركة سيف القدس، كما وقف سابقا في كل معارك المواجهة ضد الاحتلال في غزة والضفة، وكما كان سندًا شريكًا في انتفاضة الحجارة والأقصى، وقبل ذلك وبعده.
ختامًا، هذه وجهة نظر متواضعة قد تحتمل الاجتهاد عند البعض، لكنني أقول لا اجتهاد في ظل الاحتلال.. الاجتهاد الوحيد هو الجهاد في مقاومة المحتل ولن يكون ذلك عبر تلميعه والمشاركة في الانتخابات.

