من نافلة القول أن منجزات أي حضارة إنسانية، لا تُقاس بما حققته من تقدم في المجالات العلمية والصناعية والتكنولوجية فقط، وإنما بما حققته أيضاً من منجزات في المجالات الثقافية والروحية والفكرية أيضاً، وبما ترمز كل هذه المجالات أو تحويه من قيم إنسانية عليا. ومع أن الغرب الرأسمالي أستطاع أن يحقق طفرة هائلة في الجانب المادي، كما تمثل في الثورة الصناعية الأولى التي تحققت خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر، إلا أن منجزه من القيم والمبادئ الإنسانية، سرعان ما أخذ في التلاشي تدريجياً في الواقع التطبيقي، بدءاً من الاستغلال الطبقي للطبقة العاملة، ومروراً بالتمييز الجندري في الحقوق بين المرأة والرجل، وليس انتهاءً باسترقاق ونهب شعوب العالم الثالث من خلال الاستعمار الكولونيالي. صحيح أن ثمة منجزات تحققت في المجالات الثقافية والفكرية السياسية، بما في ذلك تطور النظم السياسية ودمقرطتها، إلا أن ثمة مفارقة لا ينبغي تجاهلها، تتمثل في الازدواجية بين ما يتحقق من تطور في المنجز الروحي من جهة، وبين الممارسة أو التطبيق على صعيد الواقع المعاش من جهة أخرى. وليس من قبيل المبالغة القول أن الغرب الرأسمالي في رحلته التاريخية الطويلة لهذه المفارقة منذ الثورة الصناعية الأولى قد بلغت حضارته ذروة خوائها الروحية، وباتت تعيش في مأزق حقيقي، ويعترف بذلك في الغرب مفكرون ومحللون ينتمون إلى مدارس فكري مختلفة من اليمين واليسار على السواء.
لقد تحولت تلك الازدواجية في الانفصال بين الأقوال، وبضمنها ما يُدبج في الدساتير والتشريعات والشعارات والدساتير، وبين ما يُمارس على أرض الواقع إلى حالة مستديمة، يصعب اختزالها في أزماته الاقتصادية الرأسمالية الدورية المعهودة، وقد تعزز هذا الانكشاف خلال السنوات القليلة الماضية، على نحو ما تابعنا مؤشراته السياسية خلال أوج أزمتي وباء كورونا العالمية، والحرب المندلعة بين روسيا وأوكرانيا منذ أوائل السنة الجارية (فبراير/ شباط).
ومع أن ثمة شواهد سياسية عديدة بعيدة المغزى، تعكس الأزمة الروحية الأخلاقية الروحية التي تعاني منها الحضارة الغربية الرأسمالية في طورها الراهن، برزت على وجه الخصوص إبان الأزمتين العالميتين، إلا أننا سنكتفي هنا بتحليل خمسة منها نراها على درجة من الأهمية:
الشاهد الأول: ويتمثل في انكشاف أنانية الرأسمالية الغربية الفظة، وعلى الأخص الأميركية، كما تجلت في عدم جاهزية دولها للتعامل مع كوارث الأوبئة الطارئة، وآخرها "كوفيد19"، والذي أقترن أيضاً بلا مبالاتها بأعراضه ونتائجه البالغة الخطورة ليس تجاه شعوبها فحسب، بل تجاه البشرية برمتها، فقد تجردت الرأسمالية من مسؤوليتها الأخلاقية تجاه شعوب العالم التي فتك الوباء بالملايين من أبنائها، ناهيك عن عدم تورع شرائح عليا من الرأسمالية المرتبطة بصناعة وتجارة الدواء عن المتاجرة -داخلياً ودولياً- بأدوات ومستلزمات الوقاية من "الوباء"، وكذلك بأمصال التحصين ضده، حيث درت عليها مثل هذه "التجارة الانتهازية"، التي تترجم المثل القائل: مصائب عند قوم فوائد، إن صح التعبير، عشرات المليارات من الدولارات.
الشاهد الثاني: مع أن أزمة كورونا العالمية لم تتبدد كليا بعد، بكل ما ألقته من ظلال قاتمة فادحة-اقتصادية واجتماعية ونفسية وتربوية وتعليمية- انعكست ضرراً على شعوب البلدان الغربية وبقية شعوب العالم الأخرى على السواء، إلا أن الأنظمة الرأسمالية الغربية، لم تتورع عن تدفيع كل هذه الشعوب، سيما طبقاتها الدُنيا الفقيرة والمعدمة، فواتير سياساتها الاقتصادية الاستغلالية والتي أفضت إلى الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة، جراء قيود كورونا في العزل من جهة، وفواتير الحرب الباهظة التي تخوضها أوكرانيا ضد روسيا أوكرانيا. كما لم تتراجع الدول الكبرى الرأسمالية، عن مكابرتها في الاصرار على مواصلة دعمها لأوكرانيا، حتى لو كلفها ذلك زج شعوبها ذاتها في أزمة طاقة شديدة طاحنة غير مسبوقة تاريخيا، وما فتئت تعاني منها!
الشاهد الثالث: يتمثل في تآكل ثقة القاعدة العريضة من الناخبين بمخرجات آليات النظم الديمقراطية التي شيدتها الدول الغربية واعتبرتها نموذجاً عالمياً يُحتذى به، وهي المخرجات التي تأتي دوما بمرشحي الأحزاب التقليدية لتتناوب دوريا على السلطة، وجلها من اليمين واليمين المتطرف، وفي عدادها أيضاً الأحزاب الشعبوية التي لا تخفي شعاراتها العنصرية المنافية لحقوق الإنسان، في وقت تمر فيه مجتمعات تلك الدول بأزمات اقتصادية ومعيشية حادة متعددة، ولعل آخر حلقة من هذا المشهد السياسي الكارثي، يتمثل في نجاح جورجيا ميلوني عن حزب "أخوة ايطاليا" الفاشي، في استلام رئاسة الوزراء بموجب نتائج الانتخابات الإيطالية الأخيرة.
الشاهد الرابع: لعل واحداً من مظاهر مأزق البلدان الرأسمالية يتجلى فيما تشهده أحزابه اليمينية التقليدية والمتناوبة على السلطة من عجز في إيصال شخصيات قيادية على رأس الدولة والحكومة كفؤة وقادرة على التحلي بقدر معقول من المسؤولية، ففي الولايات المتحدة -على سبيل المثال لا الحصر- وهي الدولة العظمى القائدة لقاطرة النظام الرأسمالي العالمي، فباستثناء باراك اوباما الذي فاز بالرئاسة لولايتين متتاليتين منذ عام 2009، فإن كل الرؤساء الذين جاءوا قبله وبعده لم يكونوا جديرين بالقيادة السياسية، بدءاً من بيل كلينتون (بطل فضيحة مونيكا جيت الجنسية داخل البيت الأبيض/ مقر القيادة السياسية) ومروراً بالموصوف بالغباء والضحالة السياسية جورج بوش الابن، فالمهرج النرجسي المعتوة الملياردير دونالد ترامب، وانتهاء بالرئيس الحالي جو بايدن الذي ظهرت عليه علامات الشيخوخة المبكرة، ومنها كثرة النسيان الممتزجة بنسبة من أعراض الزهايمر. وهذه الظاهرة اللافتة منذ نحو ثلاثة عقود لا تقتصر على الولايات المتحدة، بل تشاركها فيها عدد من الدول الحليفة، لعل أبرزها من بريطانيا وفرنسا، ففي الأولى تناوب ثلاثة رؤساء حكومات من حزب المحافظين خلال أقل من ثماني سنوات، جميعهم فاشلون وقدموا استقالاتهم قبل انتهاء ولاياتهم، أو حُملوا على ذلك، إثر أزمات سياسية واقتصادية حادة، وهم على التوالي: تيريزا ماي، وبوريس جونسون، وليز تراس التي لم تحكم 44 يوماً، حتى انتهى المطاف بحزب المحافظين مؤخراً بأن ينتخب ريشي سوناك المرشح من أصل هندي، دون أن يكون لهذا الأصل أية علاقة بمسألة كفاءته السياسية في تولي هذا المنصب. أما في فرنسا في مسلسل هذه المهازل فقد رأينا كيف نجح الرئيس اليميني الفاشل، حيث جرى ترشيحه لولاية ثانية لضعف المشاركة الانتخابية، عدا عدم كفاءة معظم وزراء حكومته الهشة!
الشاهد الخامس: تلاشي تمسك الغرب بالقيم الليبرالية وشعاراتها عن الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية أكثر من أي وقت مضى، ومن ثم انفصال الأقوال عن الأفعال عند التباهي بها منذ انبثاق الثورة الصناعية الأولى بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهي القيم التي ما انفكت الدول الغربية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تتشدق بها، وينعكس هذا التلاشي في داخلياً في ازدياد معدلات الجريمة والسطو والاغتصاب والسرقة والعنف والقتل وإدمان المخدرات. وبموازاة ذلك يجري تبني واعتماد الشذوذ الذي يُطلق عليه تأدباً "المثلية" كحق من حقوق الإنسان، ولا تخجل الدول الغربية عن التنديد بمنتهكي هذا "الحق" غير الحضاري المزعوم، رغم مما له من أضرار صحية جسيمة بالغة الخطورة على الإنسان، وسبق لعلماء الغرب وكبار أطبائه أن اعترفوا بها!

