Menu

انتخاباتٌ سادسةٌ أم سيناريو آخر؟

أكرم عطا الله

نشر هذا المقال في العدد 42 من مجلة الهدف الإلكترونية

لا حدثَ في إسرائيلَ في الأعوامِ الأخيرةِ سوى الانتخابات المتكرّرة، هذه هي الخامسة خلال ثلاث سنوات ونصف، تأمّل خلالها أن تنهي حالة الاضطراب التي سادت في السنوات القليلة الماضية وحولت مناخاتها إلى دعايةٍ انتخابيّةٍ مستمرّة، رصد بعض تداعياتها عدد من المتابعين الذين لاحظوا أن أخطر ما في الأمر أنها عززت خطاب الكراهية في المجتمع الإسرائيلي.

الجديد أيضا بما تحمله الاستطلاعات والتقديرات أن هذه الجولة التي يراد لها أن تجرب مرّةً أخرى، بأن تستدعي استقرارًا سياسيًّا، حيث تشيرُ إلى أنّها لن تتمكّن من ذلك، بل ستعمقُ الاستعصاء السياسي.

الأزمةُ التي تتبدّى بهذا العمق، التي تكرّر نفسها بلا مخرجٍ في الأفق، كما تشير الأرقام التي تحصي مزاج الرأي العام شديدة السخرية كالتي تحدث في دول العالم الثالث، إذ لا خلاف على برنامج سياسي تجاه الفلسطينيين، فلا انقسام بين يمين ويسار، ولا خلاف اقتصادي بين ليبرالية وسيطرة الدولة، ولا خلاف على أي شيء، إذ تكرر إسرائيل نفسها بهذا المأزق وتعيد الانتخابات وتعيدها من جديد باحثة عن حل، كل ذلك الانقسام يتلخص في "إما مع بنيامين نتنياهو وإما ضده".

لا يسار ويمين في إسرائيل، فقد ذابت الفروقات، وفي معارضة اليمين التي تجسدها كتلة نتنياهو يقف يمينا أشد ضراوة. صحيح أن كتلة نتنياهو قفزت للأمام مع الحضور الجديد لبن غفير، لكن المعارضة لا تقل تطرفا، فقد بات نتنياهو يعلق دولته على مستقبله السياسي هروبا من السجن ليس أكثر، في أغرب حادثة لم تحصل في أشد الدول تخلفا، وهذا مبشر لخصوم إسرائيل، وخصوصا أن التحذيرات تتكرر خوفا من فوز كتلة بن غفير – نتنياهو، بأنها إذا ما شكلت الحكومة ستقضي على الديمقراطية الداخلية وعلى القانون وعلى المجتمع.

الحرب على مقعد أو مقعدين وهذا يحدث طوال فترة الانتخابات، حيث لا تعطي الأرقام مع اقتراب الجولة يوم الثلاثاء الأول من الشهر لنتنياهو قدرة على تجاوز النصف + 1 وهي المطلوبة لتمرير الحكومة في كنيست عدد أعضاؤه 120 عضوا، وهو ما يعني على الأغلب الذهاب لدورة انتخابية سادسة، إذ تشير معظم التقديرات أن هذه الجولة أصعب من سابقاتها، من حيث التوازن، إلا إذا حدث شيء استثنائي ينتظره نتنياهو الذي لم تطمئنه الأرقام بعد، في ظل ملاحقة قضائية بتهم جنائية لا سبيل لوقفها إلا بحصانة يحصل عليها، حين يعود رئيسا للوزراء، لذا يقاتل من أجل حياته.

اللافت أن فترة الاضطراب السياسي التي تميز الساحة السياسية، لم تؤثر على الدولة ومسارها السياسي والاقتصادي، فقد تمكنت من إدارة نفسها ومن تحقيق اختراقات في الإقليم، وبقي الاقتصاد مستقرا، وارتفعت قيمة العملة، كأن الطبقة السياسية ليست ذات صلة، لكن الحقيقة أن هذا حدث لأن هناك دولة عميقة، ولأن هناك مؤسسة تدير نفسها بغض النظر عن استقرار الطبقة السياسية أو عدمه، وهذا يحدث في كثير من دول العالم ومنها بريطانيا التي تتخلخل فيها الطبقة السياسية منذ سنوات، وهو تماما ما ينقص الحالة العربية، وأكثر الحالة الفلسطينية التي تجمدت حد الموت، بسبب خلافات الطبقة السياسية، فيما لم يكف الإسرائيليون عن الخلاف، لكن كل شيء يسير كما هو مخطط، ألا يثير ذلك غيرة الفلسطينيين الذين يريدون أن يكونوا ندا لهذا المشروع ولتلك الدولة؟

           هل ستحسم هذه الانتخابات مستقبل بنيامين نتنياهو ويعود النظام السياسي للاستقرار؟ وبشكل أكثر وضوحا: ماذا لو لم يتمكن نتنياهو من واحد وستين عضوا لتشكيل الحكومة؟ ماذا سيكون موقف حزب الليكود؟ هل سيتمر الحزب الأكبر المحروم من السلطة؟ هل سيستمروا بالقبول بإبقائهم كحزب أول خارج الحكم وصلاحياته وامتيازاته فقط بسبب شخص رئيس الحزب؟ هذا يحدث في دول عالمثالثية، أن يتم تدمير الدولة والحزب من أجل مستقبل فرد، ولكن النظام الإسرائيلي يقدم نفسه على أنه نظام متقدم، فما الذي يحدث له منذ سنوات؟

             الحقيقة ليس من المبالغة القول أن زعيم حزب الليكود الحالي هو أكثر زعماء إسرائيل دهاء وذكاء فقد تمكن من قطع الطريق على كل خصومه، حيث أضعفهم جميعا في حروب لا تتوقف وأسقطهم جميعا، آخرهم بيني غانتس الذي كاد أن يشكل حكومة، ليستدرجه نحوه في خديعة كانت الأبرز، ليعود غانتس في الانتخابات بعدها مكسورا بعد أن بدا نجما صاعدا في عالم السياسة.

        لكن الأهم هنا وإن لم تنغلق تماما الاحتمالات على بقاء الوضع عليه وعدم قدرة نتنياهو على إحداث هزة في الوسط السياسي، فالمراهنة على بقاء غانتس رافضا لنتنياهو تحتاج إلى تأني، وكذلك منصور عباس، فيما لو تخلى عن بن غفير سموتريتش، وإن كانت احتمالية ضئيلة، لكن في السياسة يجب أن تكون كل الخيارات حاضرة، وخصوصا في إسرائيل التي تتحرك فيها الأحزاب بانسيابية كبيرة.

لو لم يستطع نتنياهو من الحصول على نصف الكنيست زائد واحد هذا يعني أنه يصنع مشكلة لحزب الليكود، فهل سيتحرك الليكود لإبعاده؟ واحد من الأسئلة التي ينبغي حضورها في ظل شخصية صنعت هذا القدر من الاستعصاء، وفي دولة اعتادت على تغيير قادتها، سواء على رأس الأحزاب أو على رأس الحكومات، وهنا المسألة تبدو صعبة على حزب الليكود لسببين:

الأول أن نتنياهو تمكن من إضعاف كل منافسيه في الحزب على امتداد السنوات الماضية، مثل داني دانون الذي أرسله ممثلا لإسرائيل في الأمم المتحدة أو جدعون ساعر الذي نافسه في الانتخابات الأخيرة التي جرت على زعامة حزب الليكود، ليجد نفسه خارج الحزب.

الثاني انتخابات قائمة الليكود الأخيرة أكمل نتنياهو خلالها شطب ما تبقى من معارضة، حيث وجد أبرز قادة الحزب الذين اعتادوا أن يكونوا في الخمسة الأولى وأنفسهم في أماكن بعيدة مثل نير بركات رئيس بلدية القدس السابق، وكذلك يولي أدلتشاين رئيس الكنيست السابق هؤلاء ألقى بهم نتنياهو إلى أماكن متراجعة.

أزمة نشطاء الليكود وما يضعف موقفهم هو أن نتنياهو يستمر بجعل الليكود هو الحزب الأول في أية انتخابات، وليس كما درجت العادة التي يقدم فيها رئيس الحزب استقالته بعد التصويت عندما ينهزم، لكن نتنياهو ينتصر دوما وهو ما يعقد مهمة الخصوم، حيث تكمن الأزمة في القوى التي لا تأتلف مع نتنياهو، هذا يستمر في اعطائه ما يكفي من القوة للاستمرار وفي إطارها يستمر في إضعاف خصومه، فلديه من الدهاء ما يجعله ينجو من الإسقاط، رغم الفشل المتكرر ورغم القضايا الجنائية التي تلاحقه، فالتجربة تقول أن من الصعب الاستعجال بدفن نتنياهو.

سيناريوهات الانتخابات مفتوحة على ذهاب إسرائيل نحو انتخابات سادسة، وهذا يعطي للابيد الاستمرار كرئيس حكومة حتى الانتخابات اللاحقة، وتلك ليست في مصلحة نتنياهو: فهل يستطيع الاستغناء عن بن غفير وإقناع غانتس وعباس للانضمام إليه؟ سيناريو ضعيف، لكن لا ينبغي استبعاده تماما.