في الذكرى (105) لإصدار وعد بلفور، من قبل وزير خارجية بريطانيا آنذاك، والذي نص على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، على حساب الحقوق الوطنية والتاريخية للشعب العربي الفلسطيني، نستذكر الفصل الرئيسي في المؤامرة الصهيو بريطانية الأمريكية والتي تم اشتقاق آليات لتنفيذها عبر صك الانتداب البريطاني على فلسطين الصادر عن عصبة الأمم في 11 سبتمبر ( أيلول) 1922.
لقد شكل هذا الوعد الاستعماري الظالم، بداية المخطط التآمري لاغتصاب أرض فلسطين وتهجير أصحابها الشرعيين العرب، من خلال مجازر التطهير العرقي وتسهيلات هجرة اليهود إلى فلسطين، وتمكينهم من السيطرة على 78 في المائة من فلسطين التاريخية عام 1948 ومن ثم استكمال احتلالها بعد حرب 1967.
في ذكرى ذلك الوعد المشؤوم، الذي أرسى الأساس الظالم وغير الشرعي لهذا السلوك الاستعماري العنصري- بدعم غير محدود من الإمبرياليتين البريطانية والأميركية- والذي كلف الشعب الفلسطيني معاناة اللجوء والتشريد، ومئات الآلاف من الشهداء والجرحى والأسرى، ما تزال بريطانيا والولايات المتحدة، تمارسان ذات الدور الاستعماري البشع بحق الشعب الفلسطيني، وتتنكران للحد الأدنى من حقوقه الوطنية المشروعة، ولا زالتا تلعبا ذات الدور التآمري والعدواني على الأمة العربية وقضاياها العادلة، وما تزال العديد من الدول العربية تواصل ارتهانها وتبعيتها لدول المعسكر الامبريالي وخدمة مشاريعه في الوطن العربي.
وفي هذه الذكرى لا بد من التوقف بجرأة أمام الوضع الفلسطيني الراهن والوضع العربي الرسمي، فعلى الصعيد الفلسطيني نشهد حالة صراعية بين نهجين، نهج مقاوم يعيد الصراع إلى مربعه الأول بوصفه صراع وجود وليس صراع حدود، تلتزم به العديد من الفصائل الفلسطينية مثل الجبهة الشعبية وحركة الجهاد الاسلامي و حركة حماس وطلائع مقاومة جديدة عابرة للفصائل مثل كتائب جنين ونابلس وطوباس وبلاطة وعرين الأسود وغيرها تعلن تمسكها بالكفاح المسلح طريقاً لتحرير فلسطين.
ونهج أوسلوي مساوم يرفض عملياً نهج المقاومة، رغم تشدقه بالمقاومة الشعبية، ولا يكتف برفض نهج المقاومة بل يزاول يومياً التنسيق الأمني مع الاحتلال في مجال إلقاء القبض على رجال المقاومة واعتقالهم، وإفشال العمليات الفدائية في الضفة الغربية وإبلاغ سلطات الاحتلال عن عمليات في طريقها للتنفيذ في مناطق 1948، وما بين النهجين فصائل قزمية أو شبه قزمية تصارع من أجل البقاء عبر التذيل للنهجين السابقين. وهذه الحالة الصراعية قائمة منذ توقيع اتفاقيات أوسلو وترسخت بعد عام 2007 عندما تمكنت حركة حماس من حسم الأمور السلطوية لصالحها في قطاع غزة، لتصار بعدها محاولات للمصالحة وإنهاء الانقسام في أكثر من محطة في مكة والدوحة والقاهرة ومخيم الشاطئ والجزائر مؤخراً.
وهذه المحاولات لم ولن تجد نفعاً، لسب رئيسي هو أن قيادة المنظمة المتنفذة (قيادة السلطة) تشترط سياسياً للمصالحة ولم الشمل، أن يوافق الفريق الآخر صاحب نهج المقاومة على شروطها وهي: الموافقة على الاعتراف بالكيان الصهيوني وعلى شروط الرباعية الدولية وعلى تسليم سلاح فصائل المقاومة للسلطة تحت شعار "لا سلاح سوى سلاح الأجهزة الأمنية"، وأن ما ينطبق على رام الله ينطبق أمنياً على غزة، وفق تصريح سابق لمدير الأمن في السلطة الفلسطينية "حازم عطا الله"، وهذه الاشتراطات مستحيلة التنفيذ، ما يعني أن الساحة الفلسطينية باتت أمام خطين متوازيين لن يلتقيا، وستظل الساحة الفلسطينية تدور في حلقة مفرغة بدون أية مخرجات حقيقية لهذا الاتفاق أو ذاك، إلا إذا حصل تطور دراماتيكي في حركة فتح يقلب الطاولة على مخرجات أوسلو والرباعية الدولية والتنسيق الأمني.
فمنظمة التحرير الفلسطينية سبق وأن قدمت وعداً لا يقل سوءةً عن وعد بلفور من خلال اتفاقيات أوسلو (1) و أسلو (2) التي تفوقت على وعد بلفور من زاوية "أن من يملك أعطى وعداً لمن لا يستحق" ومن خلال اتفاق الاعتراف المتبادل بين الراحل ياسر عرفات مع رئيس وزراء العدو آنذاك اسحق رابين، الذي اعترف فيه بحق (إسرائيل) في الوجود ونبذ الإرهاب (المقاومة) وجرى التخلي فيها عن أكثر من 80 في المائة من فلسطين التاريخية دون الحصول على الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية، حيث قبلت قيادة المنظمة بسلطة للحكم الذاتي المحدود تتطابق مع مشروع الحكم الذاتي في اتفاقيات كامب ديفيد، وإن عملت على تغليفه بمسمى الدولة، ناهيك أنها رحلت قضايا الصراع الرئيسية ( القدس – اللاجئين المستوطنات) إلى ما يسمى مفاوضات الحل النهائي دون إسنادها بقرارات الشرعية الدولية، ما مكن العدو من تطبيق سياسة الأمر الواقع بخصوصها.
وما يجب الإشارة إليه هنا ونحن نقارب وعد بلفور مع اتفاقيات أوسلو، أن اتفاقيات أوسلو وما انطوت عليه من تنازلات خطيرة جداً، سهلت مهمة الإدارات الأمريكية في تقديم وعوداً أخرى للكيان الصهيوني مثل:
1-وعد الرئيس الأميركي جورج بوش الابن عام 2004 ممثلاً (برسالة الضمانات) التي قدمها بوش لشارون في نيسان 2004 التي تؤبد المستوطنات في الضفة الغربية، وتضمن عدم العودة إلى حدود 1949 في أية تسوية قادمة، وتشطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين.
2- وعد أوباما عام 2009 الذي يضمن الاعتراف بشرعية الكتل الاستيطانية الرئيسية القائمة في الضفة الفلسطينية، ويضمن الالتزام بيهودية دولة (إسرائيل) ويرفض تجميد الاستيطان كشرط لاستئناف عملية السلام المزعومة، ناهيك عن خطابه في الجامعة العبرية التي اعتبر فيها الحركة الصهيونية حركة تحرر وطني كافحت على مدى عصور وعقود من أجل العودة إلى أرض الآباء والأجداد.
3- صفقة القرن الترامبية في 28 يناير (كانون ثاني) التي أكدت على يهودية الدولة، والقدس عاصمة للكيان الصهيوني وعلى شطب قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة، وعلى شرعية الاستيطان في الأراضي الفلسطينية وعلى السلام الاقتصادي.. الخ.
وفي السياق العربي الرسمي نشهد تكالب المشروع الصهيوأمريكي المستند إلى أدوات إقليمية مطبعة مع الكيان الصهيوني، لتمرير مؤامرة تصفية القضية الفلسطينية من بوابة شطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وتهويد القدس واعتبارها عاصمة للكيان الصهيوني، إذ لم تعد الأمور التطبيعية مرتبطة باتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة وادي عربة، بل تجاوزتها بما هو أخطر من ذلك عبر اتفاقية التطبيع الابراهيمية، التي دشنتها دولة الإمارات مع الكيان الصهيوني في 13 أغسطس (آب) 2020، لتكر المسبحة بعدها بالتوالي، لتلتحق بعدها البحرين و السودان والمغرب، والحبل على الجرار، وباتت الأمة أمام نسق خياني بامتياز يتآمر بالملموس على القضية الفلسطينية، ويعطي الأولوية للتحالف مع الكيان الصهيوني في مواجهة خطر إيران المزعوم.
ما تقدم يستدعي من قوى المقاومة أن تراكم فعلها المقاوم على الأرض في إطار وحدة الساحات وأن توفر الظروف لاندلاع انتفاضة ثالثة، تقطع بالمطلق مع نهج المفاوضات، وفق برنامج سياسي يؤكد على التحرير الكامل للتراب الوطني الفلسطيني، وعلى ثوابت الصراع مع العدو الصهيوني بأنه صراع وجود وليس صراع حدود، وأن سمة الصراع – كما أكد حكيم الثورة د. جورج حبش - مع المشروع الصهيوني في فلسطين والوطن العربي سمة تناحرية، ويؤكد على التحالف المركزي مع محور المقاومة ومع القوى والتقدمية العربية، وعلى عدم الارتهان لشعارات التضامن العربي الرسمي الجوفاء في (القمم- النقم) العربية.

