Menu

المُسيّراتُ رسولُ السّلام: تفاوضٌ بالنار في اليمن

عرفات الحاج

نشر في العدد 43 من مجلة الهدف الرقمية

مسؤولُ قسمِ الشؤونِ العربيّةِ والدوليّةِ في الهدف/ تركيا

أثارتْ سلسلةُ الهجماتِ التي نفّذتها حركةُ أنصار الله بالطائرات المسيّرة على أهدافٍ نفطيّةٍ باليمن؛ توقّعاتٌ بانهيارِ المساعي المبذولة لتمديد الهدنة مع التحالف السعودي والحكومة التابعة له في اليمن، لكن مؤشّراتٌ متزايدةٌ تشيرُ إلى أن هذه الهجمات، ربّما قد تكونُ أنقذت فرص الوصول لتهدئة بشكلٍ أو بآخر.

حتّى لحظة وقوع هذه الهجمات لم تأخذ قوى التحالف؛ تهديدات حركة أنصار الله والجيش اليمني بجديّة، وواصلت تعنّتها إزاء مطالب اليمنيين الموضوعة على طاولة المفاوضات شرطًا لتمديد التهدئة، ذلك رغم تحذيرٍ واضحٍ من زعيم حركة أنصار الله عبد الملك الحوثي للشركات النفطيّة من نهب الثروة اليمنيّة النفطيّة.

في الأوّل من أكتوبر كان موعدٌ لمهلةٍ أعلنها أنصار الله مدتها ٢٤ ساعة، لوقف نشاط الشركات النفطيّة التي تعمل في الأراضي اليمنيّة، بموجب اتفاقيات مع الإطار الحكومي الذي نصبته قوى التحالف في المناطق التي تسيطر عليها، وهو ما قاد لأنشطةٍ ميدانيّة؛ أعطت لهذه التهديدات مصداقيتها، بدأت بتهديداتٍ من قوّات خفر السواحل اليمنية لسفن هذه الشركات وتحذير لها من دخول ميناء الضبة النفطي؛ الإطار الحكومي التابع للسعودية استبدل سفينة ماران التي تعرّضت للتهديد بسفينةٍ أخرى وهي نيسوس كيا، التي كانت هدفًا لهجمة بطائرتين مسيرتين الجمعة ٢١ أكتوبر ٢٠٢٢؛ اتّخذت طابعًا تحذيريًّا أكثرَ من كونه تدميريًّا.

الهجومُ قاد على ما يبدو لتغير في مواقف الأطراف التي تعمل على خط تمديد الهدنة، حيث سارع المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، للتصريح بأن الهجمات تصعيدا عسكريا مقلقا للغاية؛ داعيا -في بيان- الأطراف للتحلي بأقصى درجات ضبط النفس ومضاعفة جهودهم لتجديد وتوسيع الهدنة، ووضع الأُسس نحو وقف دائم لإطلاق النار، وتفعيل مسار العملية السياسية لإنهاء الصراع.

الحديث عن إنهاء الصراع وتوسيع الهدنة والصول لوقف دائم لإطلاق النار؛ يتجاوز إلى حد كبير حدود الطروحات السابقة التي حاولت التعامل مع تمديد الهدنة كإجراء آلي سقفه بضعة تعديلات إضافية قد تضاف على إجراءات الحصار المفروض على اليمنيين، وهو ما كان موضع للرفض من قبل انصار الله والسلطات في صنعاء.

الهدنة التي دار التفاوض حول تمديدها بدأت بين الطرفين بوساطة ورعاية أممية في 2 أبريل/ نيسان الماضي، وجرى تمديدها مرتين لمدة شهرين في كل منهما، وقد انتهت الفترة الزمنية للهدنة في الأسبوع الأول من أكتوبر، دون إعلان تمديدها، ولم يتم الإعلان عن تمديدها.

يدرك الطرف اليمني في المفاوضات أن تمديد الهدنة بذات الشروط السابقة أو مع تعديلات طفيفة؛ يعني استمرار الحصار في الفتك باليمنيين، وإعطاء الجوع والمرض فرصته ليقوم بما فشل الرصاص والغارات بتحقيقه؛ فرهان قوى التحالف العدواني على هدنة تحفظ الحصار، فيما قرار صنعاء واضح بضرورة إحداث خرق واضح في الحصار وتحول في الواقع القائم يعين اليمنيين على الوصول لاحتياجاتهم ويوقف نزيفهم اليومي، إن لم يكن باتفاق هدنة، ففي ساحات الحرب التي استعدوا لها جيدا، وكانت لهم اليد العليا في جولاتها، فرغم ما نصت عليه الهدنة السابقة من إجراءات تسهم في رفع الحصار أو تخفيفه، وتشغيل مطار صنعاء وميناء الحديدة، إلا أنّ هذه الإجراءات لم تكن إلا غطاء لمرحلة جديدة من الحصار لا تقل فتكًا، وهو ما يدفع أنصار الله للتمسك بشروطهم من أجل هدنة جديدة ذات طابع مختلف، فلقد أدرك صناع القرار في صنعاء، كما عموم اليمنيين قدرة عدوهم على استخدام الهدنة كأداة للقتل البطيء.

وخلال الشهور السابقة للتهدئة كانت قوات أنصار الله والجيش اليمني، تمكنت من إلحاق هزائم متتالية بالتحالف والقوات التابعة له، كما باتت القدرة العسكرية اليمنية تطال عواصم تحالف العدوان متى ما صدر القرار بذلك، وهو ما جعل من وقف العمليات العسكرية مطلب لقوى العدوان فيما تمحورت مطالب اليمنيين حول رفع الحصار وإعادة تشغيل المطار والميناء، وهي بنود أثبتت قوى التحالف المعادي قدرتها على الالتفاف عليها والمناورة ضدها والاستمرار في الحصار بشكل أو بآخر؛ خصوصا أنه كان يفترض بهذه الهدنة أن تكون مدخلًا لمسار يضمن إنهاء كامل للعنوان والحصار، فيما ترغب قوى العدوان بهدنة تديم الحصار والموت البطيء لليمنيين.

أثمان الحصار يدفعها الشعب اليمني بطرق عدة، وفي أقل وصف هي مميتة بالفعل، وما أثبتته شهور الهدنة أن ما أحدثه العدوان من دمار في اليمن؛ قادر على صناعة الموت يوميًا لسنوات عدة قادمة ما لم يتم تدارك الوضع بإجراءات عاجلة لإنقاذ اليمن؛ تعيد بناء قطاع الصحة وتوفير الغذاء للسكان ومواجهة المجاعة القائمة بالفعل والتفشي الخطير للأمراض.

وردت الحكومة اليمنية بأن كل الخيارات مفتوحة للتعامل مع الهجوم الذي يعد تدشينا لـ"مرحلة أكثر إجراما من الحرب وأشد وقعا على الأزمة الإنسانية في اليمن وأكثر اضطرابا في أمن الملاحة الدولية".

التصعيد الذي أظهره أتباع التحالف، في بيان صادر عن مجلس الدفاع الوطني - وهو أعلى سلطة دفاعية وأمنية في اليمن - تابعة للتحالف يرأسه رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي باعتبار حركة أنصار الله منظمة إرهابية لا يعني شيء لمن تطلق عليه هذه القوى النار يوميا منذ حوالي ثماني سنوات؛ خصوصا أنه صدر ممن لا يملك من قراره شيء؛ فالكلمة في هذا المعسكر للسعودية والإمارات وليس لموظفيها في اليمن.

مفاوضات بالنار وحصار بحصار

في إطار احتمالات المجابهة؛ يبدو استهداف ميناء الضبة في اليمن نسخة مخففة عما ينتظر الموانئ والمنشآت النفطية السعودية والإماراتية؛ فثمن الحصار المفروض على اليمن قد يكون حصارا مماثلا يفرض بالقوة النارية بعيدة المدى على المنشآت والمصالح النفطية السعودية والإماراتية، وهو ما أشارت له تهديدات المتحدث العسكري اليمني العميد يحيى سريع، في الثاني من أكتوبر الجاري، أنّ "القوات المسلحة تمنح الشركات النفطية العاملة في السعودية والإمارات فرصة لترتيب وضعها والمغادرة"، بسبب ما وصفه بعدم التزام التحالف "بهدنة تمنح الشعب اليمني حقه في استغلال ثرواته النفطية".

الإجراء اليمني الجاري حاليا هو تفاوض بطريقة أخرى، حيث تضع صنعاء معادلة جديدة مفادها أن احتجاز أي سفينة من سفن الغاز والطاقة القادمة لليمن سيقابل بتعطيل مماثل للمنشآت النفطية، وأن استمرار حالة المناورة لها ثمن باهظ ستدفعه قوى التحالف وأتباعها.

أربعة سيناريوهات تفصح عنها الأحداث حتى الآن تبدو حظوظها متساوية؛ الأول: وهو استمرار أشكال المواجهة المنخفضة بالنار دون العودة للحرب بشكلها الواسع؛ والثاني: وهو التوصل لتهدئة بشروط أنصار الله التي يبدو أنهم عازمين على التمسك بها أي كان الثمن، وهو ما يبدو مرجحا تحققه في ظل عدم استعداد المنظومة الدولية للمغامرة بالإمدادات النفطية السعودية في هذه المرحلة بالذات، وعدم استعداد السعودية ذاتها لدمار غير مسبوق في منشآتها النفطية؛ والسيناريو الثالث: هو عودة الحرب بالوكالة؛ تخوضها السعودية والإمارات، عبر أدواتها في اليمن وهو ما يبدو مستبعدا أن يسمح به أنصار الله، وهو ما يأخذنا لرابع السيناريوهات، أي الذهاب لحرب مفتوحة تتجاوز ساحة اليمن وتتلقى فيه عواصم العدوان ومصالحها من الهجمات ما لم تعهده من قبل سواء في هذه الحرب أو في أي مرحلة من تاريخها.