كتبتْ آنا بورشيفسكايا الباحثةُ بمعهدِ واشنطن، ومؤلّفةُ كتاب "حرب بوتين في سوريا: السياسة الخارجيّة الروسيّة وثمن غياب أمريكا". مقالًا بعنوان «كيف نجعلُ روسيا تدفعُ الثمنَ في أوكرانيا؟ ندرسُ ما حصل في سوريا" نشر بموقع ناينتين فورتي فايف، وأعاد مركز واشنطن نشره بتاريخ 15 فبراير 2022، أي قبل أسبوعٍ من اندلاع الحرب. ختمته بفقرةٍ لافتةٍ نصُّها: "أنّ الأزمة قد تؤدّي إلى مكسبٍ لم يسبقْ للعالم رؤيته من قبل - وهو تغيّر روسيا بصورةٍ جذريّة، تخسرُ فيه طبقة "سيلو فيكي" شرعيّتها بعد أن كانت قد استولتْ على تطوّر روسيا الديمقراطي بعد الحرب الباردة، ذلك يعني أنّ المعركةَ العسكريّةَ في أوكرانيا، هي المعركةُ السياسيّةُ على مستوى العالم، فإلى أيِّ حدودٍ كان كلُّ طرفٍ على وعي بأهداف الطرف الأخر؟ وكيف يدير الصّراع لتحقيق أهدافه وإجهاض أهداف الخصم؟
أوّلًا: أوكرانيا وجغرافية المصير:
جاءتْ أوكرانيا بحكمِ موقعِها الجغرافيّ على نقطة التقاطع الاستراتيجيّ بين الإرادة الروسيّة، التي انتقلتْ على مدى عقودٍ من احتواء صدمة انهيار الاتّحاد السوفييتي، إلى حيازة ممكناتِ قوّةٍ تسمحُ لها بصياغةِ علاقاتٍ جديدةٍ على المستوى الدولي، وبين الإرادة الأمريكيّة والأوربيّة التي تعملُ على منع ذلك، بجعل أوكرانيا موقع إشغال واستنزاف استراتيجيّة لروسيا. وفي هذا السياق عملت الولايات المتّحدة ودول الحلف على تعزيز وجودها العسكري من جمهوريات البلطيق في الشمال إلى رومانيا في الجنوب. كما فعلت دور أوكرانيا، خاصّةً بعد ضمِّ روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014، واشتغلت على تحفيز ردّة فعلٍ روسيّة؛ بهدفِ وضعِها بين خيارين؛ أمّا القَبول بما يجري لتجد نفسها قد حوصرت وسقطت كثمرةٍ ناضجةٍ في سلة الغرب. او قيامها بردٍّ عسكريٍّ محدودٍ يتمُّ استغلالُهُ لإغراقها في مستنقع أوكرانيا، بينما كانت روسيا تستعد لإبعاده بشكلٍ كليٍّ وتفكيك عوامل استمراره. لذلك، فإنَّ المعركة على أرض أوكرانيا تجري على خط الصدام الاستراتيجي الدولي الشامل لإعادة ترتيب التوازنات وعوامل القوى على مستوى العالم؛ بهدف إعادة تشكيل النظام الدولي أو منع ذلك.
ثانيًا: الاستراتيجيّة الأطلسيّة:
تبلورتْ استراتيجيّةُ الناتو في مؤتمر مدريد لوزراء خارجيّة الناتو بتاريخ 28/6/2022، بصياغة مبدأ يعدُّ روسيا «أكبر تهديد مباشر للحلفاء والأمن والاستقرار في المنطقة الأوروبيّة الأطلسيّة»، ومن أجل تحييد هذا التهديد وإنهائه، أعلن وزير الدفاع الأمريكي بأنّ الهدف هو "إضعاف" روسيا إلى حدٍّ تصبحُ فيه عاجزةً عن تهديد أيٍّ من جيرانها"، ولتحقيق ذلك تم تحديد مبدأين أساسين هما:
1ــ الإغراق والحصار:
ويتمثّلُ أوّلًا في منع روسيا من تحقيق مكاسبَ سريعةً تسمح لها بتعزيز موقعها ودورها، وذلك بإشغالها بأزمةٍ إقليميّةٍ في محيطِها تؤثّرُ على قدرتها ودورها الدولي، ووضعها في معضلةٍ عسكريّة، تنخرط بموجبها في نطاقٍ أوسعَ مما تريد، وذلك بإغراقها في المستنقع الأوكراني في حربٍ طويلةٍ تنهكها وتستنزفُ طاقاتها وقواها الاقتصاديّة والعسكريّة. وقد اقتدى الغرب في هذا التصوّر بتجربة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان. وتمثّلُ ثانيًا في العمل على محاصرة روسيا على المستوى الداخلي، وذلك بفرض العقوبات الاقتصادية من أجل تقويض اقتصادها، بما يترتب على ذلك من انعكاسات سلبية على المستويين الشعبي والعسكري، واختلاق هزائم عسكرية روسية وتصديرها الى الداخل الروسي. وهنا نجد تفسيرًا للحديث المبالغ فيه عن المقاومة الأوكرانية الباسلة، والهزائم الروسية في كييف، وخيرسون، وخاركوف وغيرها، واختلاق قصص الانهيارات وفرار الجنود من جبهات القتال. وعلى المستوى الخارجي بتصويرها كدولة مجرمة تمارس حرب إبادة ضد المدنيين الأوكرانيين، وتساهم في تجويع العالم بمنع شحنات الحبوب الأوكرانية من عبور البحر الأسود، ومسؤولة عن الكارثة الإنسانية وأزمة الغذاء والطاقة، دولة يقودها حسب الرئيس بايدن "مجرم حرب" يرتكب "إبادة جماعية" و"يجب ألا يبقى في السلطة". وفي ذات الوقت محاولة اضعاف التحالف الروسي – الصيني وتفكيكه، واعتبار الصين ليست خصما، لكنها تشكل تحديا منهجيا، بسبب علاقاتها المتنامية مع روسيا، وذلك حسب الأمين عام للحلف. وفي سياق الحصار والعزل فتح الباب للمتطوعين بشكل كاريكاتوري يجمع بين المجاهدين الإسلاميين ضد الشيوعية في أفغانستان، والمتطوعين الشيوعيين من أجل الديمقراطية في إسبانيا.
2ـــ دعم ساحة وتمتين الأدوات:
ويتمثّلُ أوّلًا في تدعيم الحلف الأطلسي بأعضاء جدد، وتوطيد العلاقة بين أعضائه، وفي هذا السياق تمَّ ضمُّ السويد وفنلندا، وتأكيد الشراكة الاستراتيجيّة بين الاتّحاد الأوروبي والناتو، وإبراز علاقة الحلف مع أمريكيا. وكان الرئيس الأميركي قد أعلن نية بلاده تعزيز وجودها العسكري في القارة الأوروبية، لكي يتمكن الحلف من "الرد على التهديدات الآتية من كافة الاتجاهات". ومن ناحية ثانية في تقديم المساعدات العسكرية والمالية لأوكرانيا بوصفها دولة شريكة وليست عضوا، لتكون قادرة على الاستمرار في المعركة، مع التأكيد على عدم تجاوز الحدود إلى التدخل المباشر، الذي قد ينجم عنه التورط في مواجهة مباشرة مع روسيا. لذلك، امتنع الحلف عن فرض منطقة حظر طيران فوق أراضي أوكرانيا.
ثالثًا: الاستراتيجيّة الروسيّة:
تقومُ الاستراتيجيّةُ الروسيّةُ على توظيف الأعمال والأنشطة الدبلوماسيّة والمعلوماتيّة والعسكريّة والاقتصاديّة، من أجل تحقيق الأهداف السياسيّة، وهذا يقود إلى التفريق بين الحسم السريع للمعركة، والأهداف السياسية الكبرى المراد تحقيقها، بغض النظر عن المدى الزمني، ذلك يعني أنها لم تكن في عجلة من أمرها كما تصور الحلف الأطلسي، الذي يبدو أنه أخطأ في فهم ما يدور في العقل الروسي. والمرجح أن الاستعدادات الروسية كانت أكبر كثيرا من معركة قصيرة، كونها تتجاوز أوكرانيا، إلى بناء شكل جديد للعالم، عبرت عنه القيادة الروسية بالنظام العالمي الجديد، وتبدت الاستراتيجية الروسية في مسألتين:
1ـــ المعرفة العميقة بالخصم والذات:
وتجلى ذلك في معرفة القيادة الروسية بأن الغرب يريد استنزافها في أوكرانيا. لذلك، رأت أن قمة مدريد "تعزز مسار الاحتواء العدواني الذي ينتهجه الحلف حيال روسيا"، واتهم بوتين واشنطن والحلفاء بمحاولة "تدمير روسيا من الداخل"، وكانت على معرفة بإمكاناتها الذاتية وقدراتها. ومن جهة ثانية، اعتبرت أن التوسع الإضافي للناتو سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار، ولن يحقق الأمن لأعضائه، وأن تزويد أوكرانيا بالسلاح سيرتد على الغرب، فالأسلحة قد تصل إلى السوق السوداء؛ ما يزيد معدل الجريمة في أوروبا. ومن جهة ثالثة رأت أن محاولات الغرب العدوانية لفرض نظام عالمي يناسبه، يثبت صحة هدف العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا. وهنا يتقدم الهدف السياسي الاستراتيجي وهو: عدم السماح لأوكرانيا بالانضمام إلى الناتو، لأن ذلك سيجلب الناتو إلى فنائها الخلفي، والسيطرة على المناطق الساحلية الأوكرانية، والجزء الشرقي بأكمله من أوكرانيا، بما يمنحها نفوذاً أكبر على المنطقة، وقدرة على فرض نفوذها في منطقة البحر المتوسط. وكل ذلك في سياق تفكيك نظام الأحادية القطبية وبناء نظام دولي جديد.
2ــ التقدّمُ بثقةٍ والردُّ بحزم:
عملت القيادة الروسية على صناعة النصر العسكري دون استعجال وتهور، وربما كان التعبير الوارد على لسان أكثر من مسؤول روسي هو أن العملية تسير حسب الخطة الموضوعة لها وأنها ستستمر حتى تحقيق أهدافها، خاصة وأنها تمكنت من القضاء على حرية المناورة للقوات البرية الأوكرانية، وخلقت مجموعة حقائق ميدانية من الصعب تغييرها باختراق هنا أو هناك، وأظهرت قدرتها على الرد بحزم، الأمر الذي تبدى في الرد على تفجير جسر القرم، وامتلكت الإرادة التلويح بالسلاح النووي، وذلك من أجل ضبط سلوك حلفاء أوكرانيا وضبط حركتهم في حدود يمكن استيعابها وتفريغها من مضمونها، وإزاء ذلك وضع الرئيس الروسي القوات النووية في "حالة تأهب خاصة" بعد "التصريحات العدوانية" - بحسب وصفه - للغرب. ولا يعني هذا الإعلان أن روسيا تعتزم استخدام تلك الأسلحة، ولكن الولايات المتحدة سرعان ما أدانت قراره، ووصفته بأنه "تصعيد غير مقبول". كما عملت بذكاء على تحويل العقوبات الاقتصادية إلى فرصة من خلال قرارات اقتصادية مضادة وحاسمة، نقلت الصراع إلى داخل الحلف، بل وخلقت شروخا بين أطرافه. ففشل أوروبا في إيجاد بديل لإمدادات الطاقة الروسية، قاد إلى ارتفاع أسعار الغاز، وتضرر اقتصاديات الغرب، بينما تدفقت الأموال إلى الخزينة الروسية. ومن ناحية ثانية تفجرت الاضطرابات الاجتماعية في أوروبا وليس في روسيا، واشتغلت بثبات العمل على خلق التناقضات بين الولايات المتحدة ودول الناتو، وتفكيك العلاقة بين دول الحلف وبعضها، بل وبين كل دولة وقاعدتها الاجتماعية، واستقطاب بعض الدول المحسوبة على الولايات المتحدة الأمريكية، مثلما تم الاتفاق مع السعودية والإمارات في الأوبك، موفرة بذلك البيئة اللازمة لتحلل وتفكك عرى نظام الأحادية القطبية وميلاد نظام دولي جديد.
خاتمة:
بعد اندلاع الحرب وفي سياقها وردت ثلاث مفردات عابرة في البيان الختامي الصادر عن اجتماع وزراء خارجية الناتو في سياق التأكيد على دعم أوكرانيا بعد قصف كييف، وهي: "مهما طال الوقت". لقد كشفت تلك المفردات ــ العرضية ــ عن المأزق الاستراتيجي الذي بات يواجه الحلف الأطلسي في الميدان الأوكراني، الأمر الذي تأكد فيما ورد على لسان رئيس وزراء المجر، حيث قال حرفيا: "يبدو أننا نواجه حربا طويلة الأمد" واستنادا إلى هذا التوصيف اتخذت حكومته قرارا بعدم المشاركة في تدريب الجنود الأوكرانيين، حسبما قررت بقية دول الناتو. كل ذلك يشير بمستوى معين إلى أن الناتو قد بنى حساباته على قراءة خاطئة للاستراتيجية الروسية في إدارة الحرب في أوكرانيا.

