Menu

شروط عصرنة العمل العربي المشترك

د. محمد السعيد إدريس

من بين المميزات الاستثنائية للقمة العربية في دورتها الـ 31 التي عقدت في العاصمة الجزائرية (1-2/11/2022) أنها تحدثت، ربما للمرة الأولى، عن موضوع شديد الأهمية بالنسبة للعمل العربي المشترك المتعثر والعاجز منذ عقود عن تحقيق نجاحات لها اعتبارها وهو الدعوة إلى "عصرنة العمل المشترك والرقي به إلى مستوى تطلعات وطموحات الشعوب العربية"، مع الأخذ في الاعتبار المقترحات المهمة بهذا الخصوص التي تقدم بها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون للقمة من خلال ثلاثة أطر رئيسية هي: تفعيل دور جامعة الدول العربية في الوقاية من النزاعات وحلّها، وتكريس الثقة للشعب في العمل العربي، وتعزيز مكانة الشباب والابتكار في هذا العمل الشعبي.

واضح من خلال هذه التوصيات أن الجامع المشترك بينها هو إعطاء اهتمام بأن يكون الشعب العربي، في كافة الأقطار طرفاً أساسياً في العمل المشترك الذي ظل حكراً، منذ تأسيس الجامعة العربية، على السلطات والحكومات دون الشعوب، وهذه بداية مهمة لنوع جديد من التفكير للحد من "سلطوية" مؤسسات العمل العربي المشترك والتوجه لجعلها أكثر شعبوية.

إدراك هذا المعنى التقطته "جمعية العلماء" في الجزائر التي بادرت منذ أيام بالدعوة إلى "عقد قمة موازية للعلماء العرب" بعد انفضاض قمة الملوك والرؤساء والأمراء، ليقول العلماء والخبراء من كافة التخصصات كلمتهم في كيفية النهوض بالعمل العربي المشترك الذي لم يعد، في ظل التحديات الهائلة الراهنة، على كافة المستويات الداخلية والإقليمية والدولية، مجرد طموح بقدر ما أضحى أمراً حتمياً لا فكاك منه.

فعلى الرغم من كل الركود الذي أصاب العمل العربي المشترك، وفى مقدمته المنظمة الرسمية العربية، أي جامعة الدول العربية، إلا أننا ندرك أن هذا الركود كان مستهدفاً في ذاته لطمس الهوية العربية وتفكيك الرابطة العربية المشتركة والوحيدة بين الدول العربية، ولذلك فإننا نعي أنه إذا كانت جامعة الدول العربية تمثل خيار الحد الأدنى للعمل العربي المشترك فإنها أضحت أمام خيار وحيد هو خيار التطوير واكتساب الفعالية اللازمة. تطوير وتفعيل دور الجامعة هو الخيار الوحيد لأن البديل هو خيار التفكيك: تفكيك النظام العربي، وقبله تفتيت وإعادة تقسيم الدول العربية إلى دويلات وكيانات دينية وعرقية وطائفية متناحرة، والفعالية التي نعنيها بالنسبة لجامعة الدول العربية هي؛ أولاً: القدرة على القيام بالوظائف المنوطة بها، وثانياً القدرة على مواجهة التحديات. هناك العديد من الوظائف المهمة والأساسية التي يجب أن تقوم بها جامعة الدول العربية ضمن مسعى إنجاز استراتيجية شاملة للنهوض العربي، يأتي في مقدمتها الوظيفة التكاملية، أي قيادة مسعى تحقيق الاتحاد بين الدول العربية، وثانياً الوظيفة التنموية، أي قيادة خطط التنمية المجتمعية الشاملة (الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتكنولوجية والتعليمية)، وثالثاً: الوظيفة الأمنية، أي صيانة الأمن القومي العربي ضمن مشروع للأمن الجماعي العربي يعي حقيقة التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه الأمة.

اكتساب الجامعة ومجمل مؤسسات العمل العربي المشترك تلك الفعالية يستلزم أولاً إنهاء "صراع الإرادات" الذي تلازم مع التأسيس للعمل المشترك. فقد تصارعت على هذا العمل ثلاث إرادات: إرادة تيار التوحيد ودمج الدول العربية في إطار دولة عربية موحدة أو اتحادية، وإرادة تيار الانعزال ورفض الاتحاد والتوحد والتشبث بالسيادة المطلقة للدولة الوطنية العربية (أي الدولة ال قطر ية) الذي يرفض كل شكل من أشكال الاندماج، وأخيراً إرادة القوى الدولية والإقليمية الحريصة على توسيع مناطق نفوذها على الأرض العربية، أو تلك الساعية لمنع تأسيس كيان عربي موحد يكون بمقدوره التأثير سلبياً على مصالحها، وتفضيل العمل مع الدول العربية منفردة.

الصراع بين هذه الإرادات جعل من جامعة الدول العربية مجرد كيان استشاري تنسيقي منعدم الإرادة السياسية. فقد توارى التيار العروبي الوحدوي عن العمل العربي المشترك منذ تأسيس جامعة الدول العربية وبالتحديد منذ إعلان بروتوكول الإسكندرية الذي أخذ بصيغة "جامعة الدول العربية" وليس صيغة "الاتحاد العربي" أو حتى صيغة "الجامعة العربية". فصيغة جامعة الدول العربية أعلت من شأن الدول على شأن الجامعة، وجعلت أول وأهم أهداف جامعة الدول العربية هو الحفاظ على وجود الدول وحمايتها ككيانات مستقلة وذات سيادة، وليس تحقيق الوحدة العربية أو حتى الاتحاد، وأعطت سمواً وأولوية لمبدأ "عدم التدخل في الشئون الداخلية" لمنع أي تواصل عربي يتجاوز سلطة أو سطوة نظم الحكم، الأمر الذى أدى بالتبعية إلى تهميش دور الشعوب في الشأن العربي، وجعل الجامعة جامعة حكومات وليست جامعة للشعوب، أو حتى  السماح بذلك النذر اليسير من المشاركة الشعبية في العمل العربي المشترك وفاقم من ذلك خصوصية نظم الحكم العربية التي تهمش المشاركة الشعبية في القرار السياسي الداخلي، ومن ثم ترفض بشدة أي نوع من أنواع المشاركة الشعبية من دول عربية في شئون توصف بأنها "شئون داخلية خاصة".

لذلك فإن أي محاولة لتطوير جامعة الدول العربية وتفعيل أدوارها لن يكتب لها النجاح إذا لم يحدث التغيير الأساسي في مفهوم "السلطة العربية". فاحتكار السلطة على المستوى الداخلي في الدول العربية امتد إلى المجال العربي في شكل الغياب الكامل للحد الأدنى من السلطة عند جامعة الدول العربية. إذا لم يحدث تغيير في علاقات السلطة في داخل الدول العربية لن يحدث تغيير في تقاسم السلطة بين جامعة الدول العربية والدول العربية، ولن يكون لدينا أمل في أن نطور العمل العربي المشترك وننهض به من الإطار المحدود التنسيقي لجامعة الدول العربية إلى إطار وحدوي أو على الأقل، إلى إطار اتحادي، وهو الأمل المرتجى لـ "عصرنة العمل العربي المشترك". فعصرنا الراهن هو عصر الكتل الكبرى الإقليمية، وليس عصر الدويلات الصغيرة، والنظام العالمي الذي نتلمس معالمه حالياً من نظام عالمي أحادي القطبية إلى نظام آخر متعدد الأقطاب يحقق الحد المطلوب من العدالة سيكون نظام الأمم والكتل الكبرى والدول الكبرى وليس الدول أو الدويلات.

هذه الفعالية المطلوبة لجامعة الدول العربية يصعب أن تتحقق في غياب شرطين أساسيين:

الشرط الأول: هو ضرورة إيجاد قيادة للنظام العربي تكون قادرة على تحمل مسئوليات النهوض بالعمل العربي الوحدوي نحو تحقيق الأهداف. فلابد من خلق قيادة عربية يكون في مقدورها تفعيل القدرات العربية واستنهاض الطاقات والعمل مجدداً في اتجاه إعادة التوحيد بعد مواجهة موجات الانفراط.

الشرط الثاني: هو التوافق العربي على أجندة عمل عربية ذات أولويات محددة، أجندة عمل للإنقاذ حتماً سيأتي على رأس أولوياتها الدفاع عن وحدة وتماسك الدولة الوطنية العربية والحيلولة دون انفراطها، إضافة إلى طرح مشروع لنظام عربي يؤسس لـ "اتحاد عربي" يضع نصب أعينه هدف تحقيق التكامل ثم الاندماج العربي الاقتصادي والسياسي والعسكري. وهكذا تكون "عصرنة" العمل العربي المشترك.