في كتابه "مولد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين" يقدم نفسه بني موريس مؤرخاً جديداً محايداً، يتناول فيه بالمتابعة تطور الأحداث في أرض فلسطين، منذ بداية الهجرة اليهودية إليها، حتى قيام دولة إسرائيل ونشوء مشكلة اللاجئين، الذين أصبحوا خارج وطنهم وممتلكاتهم ويحرمون من العودة إليها والتمتع بها وحتى التعويض عما فقدوه.
وبني موريس يقدم نفسه كمؤرخ جديد لا يتبنى وجهة نظر الصهيونية، بل أنه يستعرض الأحداث كما حصلت، مستنداً إلى وثائق الهاغاناه والبريطانيين وأرشيف الدولة الصهيونية.
من قراءة الكتاب يلاحظ القارئ المتابع كيف أن بني موريس لم يستطع أن يحافظ على الصورة التي حاول أن يقدم نفسه فيها، "وكيف أنه انزلق" أو كشفته حقيقته بانحيازه المسبق في تقديم هذه الدراسة، ليبرر بلهجة صهيونية مخادعة ويلطف كل الاجراءات التي ارتكبتها العصابات الصهيونية ومعها الإدارة البريطانية وجيشها، وحيث يحاول أن يلقي باللوم والمسؤولية عما حدث على الضحايا اللاجئين، حيث حملهم المسؤولية الأكبر، وأن ما قامت به العصابات الصهيونية، ليس بالصورة التي قدمها الإعلام العربي وأن الصهيونية واليهود هم شعب يستحق العطف والمساندة.
ورغم أن بني موريس، يقول: أنه لم يذهب في بحثه لتبني أي من الروايتين الإسرائيلية أو العربية، ولم يبدأ بحثه بالتزام أيديولوجي أو اهتمام سياسي، بل سعى لمعرفة ما حدث، إلا أنه يتناول في بحثه مستندا على الرواية الإسرائيلية، حيث أنه كان مهتما بكتابة تاريخ البَلماخ والقوة العسكرية المناسبة للهاغاناه، أي القوة الرئيسية للمجتمع اليهودي كما يقول، وليس للمشروع الصهيوني. ويذكر بني موريس أنه أحجم عن الاعتماد على أسلوب المقابلات والحوادث، سواء مع العرب أو مع اليهود كمصادر للمعلومات، إلا أن الحقيقة تشير إلى أنه لا يعتمد على مقابلة العرب، لأنهم الضحايا
المطرودين من بلادهم والممنوعين من العودة، ولأن المقابلات هنا، تحمل الجوانب الحقيقية كاملة، رغم انه كان موفداً كمراسل حربي لتغطية أحداث غزو لبنان عام 1982، والتقى باللاجئين الفلسطينيين في مخيم الرشيدية الذي حطمته القوات الصهيونية الغازية وشهد بعينيه الدمار والقتل، إلا أنه لم يرف له جفن ولم يتساءل أو يذكر في نفسه أو يجيب: لماذا هؤلاء الناس الذين التقاهم ما يزالون مطرودين من وطنهم ومحرومين من العودة منذ عشرات السنين وما زالت الصهيونية وجيشها العدواني تلاحقهم وتدمر بيوتهم، بل يورد في تبريره للأعمال الإرهابية الصهيونية أن الأحداث في الحرب ساهمت بأحيان كثيرة في صياغة وضع القرار للإسرائيليين وتصرفاتهم على المستويات المحلية والقومية، أي الضرورة العسكرية، أي أنها كانت اضطرارية فرضتها وقائع الغزو العربي كما يقول ولم يكن لديهم النية أو التوجه للقيام بتلك الأعمال في القتل والتدمير والطرد.. الخ.
لاحظ أن بني موريس هنا يبرر الاحتلال والطرد، بسبب دفاع الفلسطينيين عن أرضهم وحقوقهم وممتلكاتهم، حيث يقول: أنه حاول شرح السياق الذي دارت به الأحداث والمواجهات والتي أدت إلى الفرار أو الطرد، وهنا يحاول بلهجته الصهيونية أن يخفف من المسؤولية عن الغزاة، ويتحدث عن فرار، أي "فروا" من تلقاء أنفسهم، ثم يذكر الطرد مضطراً، وللاستنتاج الأكثر انحيازاً وينفي صفة الحياد بالبحث والدراسة يقول: (إلا أن التهديد بالمعركة والإقدام عليها شكلا خلفية للعديد من مكونات النزوح الجماعي)، وهذه النتيجة يصل إليها منفصلة عن جذور المشكلة وأصل الصراع، بأنه هناك غزو واحتلال أرض وطرد أهلها وتدمير ومسح القرى عن الوجود، ليتحدث عن حرب بدأها الفلسطينيون، ويقصد بذلك، أن الفلسطينيون يتحملون المسؤولية، محاولا تصوير الفلسطينيين بأنهم كانوا قوات احتلال غازية، ويطلب أن نتذكر الإطار الأوسع للأحداث، ويورد في حديثه الصراع بين الميليشيات، وفي هذه اللهجة، يحاول: إنكار
مشروعية المقاومة الفلسطينية، بأنهم ميليشيات، أي قوى ليست رسمية وغير مسؤولة، ويشير إلى نوايا القيادة الفلسطينية والعربية وجيوشها في أيار عام 1948، في تدمير الدولة اليهودية، ويقول: ربما كذلك تدمير اليشوف، وهذه الكلمة يمررها وكأنما يسميه اليشوف، مجتمع أصيل في هذه الأرض وصاحب حق، وليس مجتمع غزاة، تسللوا للأرض في إطار التهيئة لتنفيذ مشروع الاحتلال والطرد لأصحاب الأرض الأصلانيين. ويضيف بأن مخاوف اليشوف وكأنهم منفصلين عن المشروع العام بسلب الأرض، وليس جزءاً ثابتاً منه، وأن مخاوفهم من أن العرب، ربما يقدمون على نسخة شرق أوسطية عن الهولوكوست، ويذكر التفاوت الضخم بين الجانبين في العدد 65000، مقارنة مع مليون وربع عربي، وفي الإشارة لهذه المخاوف والتهويل بالهولوكوست ،محاولة لتبرير العدوان وحرف الأنظار عن حقيقة المشروع الذي يتم تنفيذه بخطوات مدروسة، ويغيّب بني موريس عن الأنظار، حقيقه أن 65,000 أنهم جنود مدججين بالسلاح ومدربين ومن أعمار الجندية المعدة مسبقاً لتنفيذ الاحتلال والطرد والسلب والنهب، مقابل أصحاب الأرض البسطاء المحُتلِين من قبل بريطانيا العظمى التي ترعى مشروع الاحتلال وتدعمه إلى جانب الدعم الغربي المطلق، إلا أن بني موريس يتحدث فقط عن نوايا العرب ويتجاهل نوايا الصهيونية وتوجهاتها وأهدافها في الاستيلاء على الأرض وطرد أصحابها وتنفيذ المشروع الاحتلالي.
ويدعي بني موريس أنه سعى إلى وصف ميلاد المشكلة ويقصد مشكلة اللاجئين، بأنها كانت بالتوازي مع قيام دولة إسرائيل وأنها كانت النتيجة السياسية الرئيسية لحرب 1948، في محاولة لتخفيف تأثير السبب على النتيجة، بأنها كانت مع قيام دولة إسرائيل، ويهدف من خلال هذا الوصف: إلى تغييب الحقيقة، بأن هذه المشكلة طرد الفلسطينيين من أرضهم كانت الضرورة الحتمية، لتسهيل إقامة تلك الدولة التي يتحدث عنها وكأنها مولود طبيعي بريء بين الجرائم، وهذا ما أكدته الأحداث، انسجاماً مع الرؤية الصهيونية (عرب أقل)، ويتابع الكاتب انحيازه والتزامه الصهيوني بأفكاره، صدور دراسة عربية حول مشكلة اللاجئين، متجاهلاً كل ما كتب حول المشكلة، وذلك لعدم رضاه عما كُتبَ من كُتبٍ وروايات صادقة، ليس أقلها ما صدر عن كتّاب يهود أصحاب ضمير وأخلاق إنسانية كالكاتب والباحث إيلان بابيه، المدرس الجامعي الشهير الذي فصل من جامعة تل أبيب، بسبب اعطائه درجة الدكتوراه لطالب عربي قدم أطروحة صادقة عن مشكلة اللاجئين، وغيره من الجانب العربي وليد الخالدي وعارف العارف ونور الدين مصالحة، تجاهل كل هؤلاء لحرف الأنظار عن الوقائع والحقائق التي لا يمكن تجاهلها مع مرور الزمن.
ويتابع الكاتب محاولته بتقديم الكفاح الفلسطيني بصورة مشوهة، في حديثه عن أعمال عصابات وغارات تمت داخل إسرائيل من قبل هؤلاء اللاجئين (الغزاة الإرهابيين)، ساعدت على إشعال ثلاث حروب، ويتابع كذلك بقوله: أن الإرهاب الفلسطيني، وخاصة الاعتداء على ركاب الخطوط الجوية واختطاف الطائرات، أدى إلى عدم استقرار المنطقة. ويضيف عن أسباب عدم استقرار المنطقة أيضاً الانتفاضة منذ عام 2000 ميلادي التي تمت تغذيتها من مخيمات اللاجئين، كذلك ضربت (عملية السلام العربية الإسرائيلية).
هذا الإنكار لحق اللاجئين الفلسطينيين وكل الفلسطينيين بالنضال من أجل استرجاع حقوقهم من الغزاة المحتلين ومواجهة عدوانهم، لانتزاع حقوقهم بالعودة والعيش في أرض وطنهم، وبهذه الصورة التي يستعرض بها مشوهاً الكفاح الفلسطيني وأهدافه النبيلة، يستهدف التغطية على إجراءات العدو الإجرامية في احتلال الأرض وطرد أهلها، ويستمر في ممارسة العدوان على البلاد العربية المجاورة ويتنكر لحق اللاجئين بالعودة إلى ديارهم وفق قرارات الشرعية الدولية، ويتجاهل كل أعمال الإجرام الصهيوني التي طالت حتى الوسيط الدولي الكونت فولك برنادوت، لدعوته إلى حق عودة اللاجئين الذين طردوا إلى ديارهم وممتلكاتهم وتعويض من لا يرغب بالعودة والتعويض عن الأضرار. وينفي بني موريس إقدام اليهود على الطرد بشكل متعمد أو بتخطيط مسبق، ويدعي أن العرب يوظفون هذا القول، لتأكيد التصوير العربي لإسرائيل باعتبارها دولة سارقة وشريرة لا أخلاق لها!.. وهل هناك وصف آخر غير هذا الوصف لهذه الدولة وما قامت به في الحقيقة الواقع يؤكد ما تجاهله هذا الكاتب؟
أما في حديثه عن الرواية الإسرائيلية، فهو يتبناها فعلاً ولا تسعفه حياديته المدعاة، ويقول: أن الفلسطينيين فرّوا طواعية، بمعنى أن فرارهم لم يأتِ، نتيجة الإكراه والطرد الذي مارسته العصابات الصهيونية أو أنه طلب إليهم!.. وهنا يصمت الكاتب ولا يشير إلى أن هذا القول لا يستند إلى أي دليل ملموس أو قرار من جهة مسؤولة، ويقول: أن هذه الصورة ساعدت في الحفاظ على صورة الدولة اليهودية سليمة كملاذ للشعب الأكثر تعرضاً للاضطهاد والظلم في العالم، وهنا لا يذكر الجهة الظالمة لهم ولا يذكر ما هي علاقة الفلسطينيين بهذا الظلم وبأي حق يجب أن يتوفر للمظلومين الحماية والملاذ على حساب ظلم شعب آخر (الفلسطينيين)!.. بل يرى مشروعية دعم الظالمين له في العدوان على شعب وأرض الفلسطينيين.. بهذه اللهجة يؤكد بني موريس في كتابه، انحيازه وتبنيه للفكر والرواية الصهيونية العدوانية التوسعية، حيث يصف أمته اليهودية في هذا السياق، بأنها أكثر عدلاً، وتستحق التعاطف والمساندة من الغرب أكثر من المحيط العربي ذي المجتمعات الرجعية والديكتاتورية، بهذا ورغم سقوط حياديته وبراءته المدعاة لا يذكر (ما شأن الفلسطينيين بذلك)، لتسرق أرضهم ويطردون من بلادهم ويتم الاستيلاء على ممتلكاتهم التي نهبت وبشكل مخزي، ليبين ما أسماه: حقيقة الصهاينة ومجتمعه النبيل الذي يصفه ويدافع عنه وهو يذكر جوانب من صورة هذا السلب والنهب والعدوان والوحشية والمجازر، إلا أنه كغيره من الصهاينة، يعرف حقيقة هذا الغرب الاستعماري القائم على استعمار الشعوب وسلب خيراتها واحتلال أراضيها ونهب ممتلكاتها، وفي حديثه هذا يؤكد التطابق التام بين مشروع الصهاينة مع كل مشاريع العدوان والاحتلال الاستعماري الغربي، بل يفوقها ظلماً وعدواناً ووحشيةً. فهذه "الأمة" الأكثر عدلاً والتي يتحدث عنها الباحث "المحايد"، تحتل الأرض وتقتل الشعب وتطرد مئات آلاف اللاجئين وتنهب ممتلكاتهم، تستحق تعاطف الغرب الاستعماري القائم على الاستعمار والاحتلال ونهب خيرات الشعوب وممارسة العنصرية البغيضة بحق الإنسانية.
في الحقيقة يا بني موريس هذه هي الصهيونية وهؤلاء هم حلفاؤها، وفي هذا الحديث تأخذ موقعك الطبيعي المنسجم مع فكرك المنحاز لتشريع وتبرير الاحتلال والقتل والتدمير.
إنما يتضح من لهجة هذا الكاتب في أبحاثه واستنتاجاته كغيره من المؤرخين الجدد، رغم كل ما يتعرضون له من انتقادات، من قبل بني جنسهم، بسبب بعض التأثير السلبي على الخطاب الصهيوني السائد، إلا إنهم ليسوا ملائكة، ولا يصل شعورهم وإدراكهم واعترافهم بمستوى الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني.. لا يصل إلى مستوى وضرورة الاعتذار الحقيقي الذي يستوجب الدعوة إلى الحلول العادلة التي تقتضي الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني بأرضه ووطنه وحق اللاجئين، ضحايا هذا الإجرام بالعودة إلى وطنهم وديارهم وتعويضهم عن ممتلكاتهم المنهوبة، من قبل الصهاينة، ورغم أبحاثه التي يعرضها ويجهد في تقديمها ويكشف مدى الظلم الذي وقع على اللاجئين، لكن ينتهي بتحليله إلى أن: طرد الفلسطينيين كان عملاً لا أخلاقياً، إلا أنه كان ضرورياً!!!
في الحقيقة يا بني موريس هذه هي الصهيونية "حركة عدوانية استعمارية.. لا أخلاقية".

