لم أكن مع الحرب العراقية الإيرانية، وقد دعيت لندوة في نادي في بيت ساحور بعد تحرري من الاعتقال وتحدثت فيها وأدنت هذه الحرب صراحة، وكنت أراقب وقتها مسار النظام السياسي الإيراني كظاهرة جديدة وأتتبع كل تفصيلة تنشرها الأخبار، ولفت انتباهي أن الحكم الجديد ومن الأيام الأولى قطع مع إسرائيل وأغلق عليها الحبل السريّ الذي واصله نظام الشاه وقدم موقع سفارتهم لفلسطين، وأعلنت السلطة الجديدة قطع كل الخيوط مع أمريكا والغرب الاستعماري ودخلت العلاقات في أزمة متصلة ومتصاعدة حتى يومنا هذا: "في 4 نوفمبر 1979م عند الساعة العاشرة صباحًا، قام طلاب من الثوار الإيرانيين الموالين للإمام الخميني بمهاجمة السفارة الأمريكية في طهران، فقاموا بكسر الأقفال، وفتحوا الأبواب، واقتحموا ساحة السفارة بسهولة، ثم استولوا على السفارة خلال ثلاث ساعات".
يهمني هنا أن أشير إلى أن إيران غادرت اصطفافات الشاه الذي كان أداة رخيصة بيد الغرب، وكان النفط بيد الغرب، ولكن "في عام 1980، تم تفويض الاستكشاف والإنتاج والبيع والتصدير للنفط إلى وزارة نفط الجمهورية الإسلامية الإيرانية"، وأصبحت ملكية النفط وحقول النفط إيرانية، وأخذت إيران تشق طريق تنمية رأسمالية وطنية مستقلة، وتحاول قدر طاقتها التخلص من الإرث الشاهنشاهي في كافة المجالات.
اليوم تتعرض لهجمة إمبريالية شرسة، تستهدف تقويضها وتدميرها والقضاء على نظام الحكم التحرري الذي يعادي الإمبريالية وامتداداتها الإقليمية، قولا وممارسة، قدر طاقته.
إن استهداف سوريا وحزب الله لا يمضي بسهولة ما دام السند الإيراني موجود، وبالنسبة لإسرائيل لا يمكنها المرور إلى حزب الله، ما دام يحظى بمساندة قوية من سوريا وإيران وثلاثتهم يشكلون محور المقاومة الصلب. صلب ويلجم إسرائيل، بل وقد اخضعها في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، ومزق تسلطها على لبنان، ومزق هيبتها وهيبة أمريكا معها.
العالم اليوم يمور بالصراعات والحروب والمؤامرات وتشكل الأقطاب والتحالفات، والغرب يعيش أزمات عميقة تطال معيشة السكان، من ارتفاع الأسعار والتضخم وارتفاع الفائدة البنكية والإقبال على الركود العام، ويعاني من إضرابات واحتجاجات تزيد الأوضاع سوءا. هنا كما علّمت دروس التاريخ، فالمخرج هو الحروب الإمبريالية ومزيد من الحروب ومزيد من اخضاع الشعوب في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية ومزيد من السيطرة على ثرواتها وأسواقها وكل مصادرها.
وفي المقابل تقف روسيا والصين وإيران والهند وفنزويلا وسوريا والعديد من الدول في المحور الآخر، والعملية الروسية في أوكرانيا، تحولت إلى حرب روسيا ضد الناتو وكل اتباعه. إن الصراع العالمي المحتدم على درجة عالية من الخطورة وتحتل إيران حيزا فاعلا وخطيرا فيه، ولهذا هي مستهدفة أضعافا مضاعفة مجددا ويتوجه الاستهداف للداخل الإيراني كما تجارب الثورة المضادة، ما يسمى بالثورات الملونة. وكما دلت تجارب البشرية، فإن لهذه الثورات سوقها الذي يغذيه معسكر الأعداء بكل ما لديه من أدوات، بما فيها شراء الذمم والكذب والتضليل وتجنيد العملاء والضخ الإعلامي واستغلال الأحداث الصغيرة وضائقة الناس تحت الحصار واستخدام الدين والمذهبية وقوى الاحتياط من الطابور الخامس المتمثل بالإسلام السني السياسي وقائمة الأعداء تطول.
إن النظام السياسي في إيران نظام وطني تحرري، وهو يدافع عن الوطن في وجه التدخل الخارجي الاستعماري الظالم. هنا يكون مزيدا من تحصين الجبهة الداخلية بداهة من الأولويات الحاسمة، وتوعية الشعب ورص الصفوف والحوار الداخلي، والاستفادة من العلاقات النزيهة مع الصين وروسيا، كما تمثُّل تجربة سوريا وغيرها من البلدان التي يتشابه فيها الوضع، مع الثبات بحزم وقوة في وجه الضغوط الأمريكية والإمبريالية لتمرير اتفاق نووي أكثر إجحافا من سابقه. وقد يفيد تكريس السيطرة على التجارة الخارجية وتوسيع القطاع العام وتأميم القطاعات الأساسية، مما يمكن من تحسين معيشة الجماهير الفقيرة والمحقة في مطاليبها المعيشية، بالإضافة إلى تقليص فرص تحرك القوى التي ترتبط مصالحها مع الغرب الاستعماري وتوسيع مدايات العلاقات مع أسواق الدول الصديقة، والتي بكل تأكيد لها مصلحة في تعميق صمود إيران.
شاهدت مظاهر الفلتان وإثارة الفوضى وإطلاق النار على الناس وفي الهواء، وسمعت عن الخلايا التي تم القبض عليها، وعن الجهات التي تثير الفوضى، وهذا يثير الألم والتساؤل: وأقول لا بد من قبضة حديدية تلجم مثل هذه الأفعال ومثيريها ودون أي تنازلات لها، وبدلا من أن تستثمر الثورة المضادة شرعية حق الجماهير في الاحتجاج، لا بد من تفهم الحراك الجماهيري وحمايته من تقدم الثورة المضادة لقيادته وتفجيره، فالحياة غنية بالدروس، فإما أن يبقى النظام ويحسّن معيشة الجماهير أو يسقط النظام ولا تحصل الجماهير سوى على مزيد من الفقر والجوع والتمزق وملايين الضحايا.

