Menu

أسطورة الفلاح: عديّ وغسان

إيمان البطاط

يتحدث غسان كنفاني في قصة البومة في غرفة بعيدة عن فأس الفلاح وبلطته حين تخونه البندقية، تلك الفؤوس الّتي لم تُسعف الفدائيين وقتها، فكان الفدائي يرفع الفأس بكلتا يديه معلناً اقتراب الارتطام العريض، مطبقاً كفيه على الفأس ببأس الفلاح الفلسطينيّ.

ثقافة فأس الفلاح يُجدّدها المشتبكون في زمن الاتفاقية، عندما يكون الرصاص صعباً كالخبز في زمن الكساد، فيلجأ الفلسطينيّ إلى روح الفلاح فيه، إلى خطته البديلة في كل الأزمان، هكذا يُقيم الفدائي الحجة على الناس، برفع فأسه، وعود الفدائي يشتدّ بعِظم ثأره، فيصير لفأسه كلمة لا يقطعها يقينُ العدوّ بهشاشة السكين أمام جنده، يُصبح ساعده أخشن كلّما رأى النسوة يبكينَ ما سلبت البلاد منهنّ، كأمّ سعد الّتي تلد الأطفال ليصيروا فدائيين، ووجهها الّذي يُشبه حزننا عندما تأخذهم منها فلسطين.

يقول باسل الأعرج: "ماذا قال عُدي لغسّان وقت قرار الخروج من الكنيس؟ يا ربي كلّ سيَر الأبطال تتلخص في تلك اللحظات!"، أي كلماتٍ تستطيع زفّ الثأر؟

خطط حمدي كثيراً في ليلة الانتظار، لِلحظة إعلان القصاص، حكمت عليكَ الثورة بالإعدام، باسم الله والشعب، باسم رُضّع عين الحلوة، باسم دماء الثوار في جرش باسم تل الزعتر، باسم سنين العبودية للأفارقة…، لكنه أيقن أنهُ لن يقتل زئيفي لسنين طويلة إذا بدأ العدّ، وانتهى الثأر ب"هيه غاندي" وثلاث رصاصات، ونظرة إلى جسد الطاغي، صريعاً يشخر وينقطع نفسه.

وأظنّ أن عزيز صالحة عندما دخل إلى قسم الشرطة أيضاً فكّر بكلماتٍ يقولها للناس عندما يخرج لهم، لكنه غمّس يديه بالدم، ورفع كفيه للناس إعلاناً أن رام الله اليوم طاهرة، وأبصر الناس وجهة يديه، وحبّوا على يديه.

وهكذا فعل عديّ وغسان، انتهى الثأر بكلماتٍ لا نعرفها، لكننا رأيناها، بالفأس والبارود، وبرؤوس الخمسة في الكنيس اللقيط، فعادت أسطورة الفلاح القديم على أكفّ مقاتلين جدد، ليثأر الفلسطينيّ، ويُحسن ثأره.