Menu

أزمةُ الدّيونِ في الدولِ الناشئة

د. أدهم شقير

نشر هذا المقال في العدد 43 من مجلة الهدف الإلكترونية

تضخّمٌ اقتصاديٌّ وماليّ، تباطؤٌ اقتصاديّ، تشديدٌ بالسياسات النقديّة؛ ثالوثٌ مقلقٌ يواجهُ العالمَ هذه الأيّام، وهنا البنكُ الدوليّ يضيفُ على هذا الثالوث أزمةَ المديونيّةِ للدول الناشئة.

نظرةٌ بسيطةٌ لتوضيح بعض الأمور في هذا المشهد المشؤوم من ديون العالم، وحجم هذه الأزمة، فهل الدينُ العالميّ عندما يتمُّ جمعُهُ هو رقمٌ ضخمٌ ومقلق؟

نعم، إنّه رقمٌ ضخمٌ، وأصبح مقلقًا، خاصّةً مع تشديد السياسة النقديّة في أميركا، لكن لنوضح الرقم بدايةً؛ فقد وصلت الديونُ العالميّةُ إلى ما يتجاوز ٣٠٠ ترليون دولار، على صعيد ديون الحكومات والأفراد والشّركات، ويمكنُ أن يرتفعَ الرقم إلى350 تريليون دولار، إذا أضفنا ديون القطاع المصرفيّ والبنكيّ؛ أي أنّ الدين يساوي ثلاثة أضعاف ونصف من قيمة الناتج الإجمالي للعالم. هذا الرقم مرشح للازدياد هذا العام؛ بسبب الحرب الروسيّة - الأوكرانيّة، حيث توجّهت العديد من الدول إلى صندوق النقد الدولي للاقتراض. إذا كان العالم مديون بثلاث أضعاف ونصف الدخل القومي للعالم كله، فمن أين تأتي الأموال؟ ومن أين تستدين دول العالم كل هذه الديون وهي جميعها غارقة بالديون، إذا كان الدين أكبر من الناتج الكلي لكل دول العالم؟

 صراحةً هذا سؤالٌ مهمٌّ ومحوريّ، خلال العشر سنين الأولى التي مرّت على الأزمة الماليّة العالميّة، كثير من البنوك المركزيّة، خاصّةً في الدول المتقدّمة، كأمريكا وأوروبا واليابان؛ بدأت في سياسة طبع النقود وما يسمى بالتسهيل النقدي، ومن ثَمَّ هناك سيولة كافية لإقراض حكومات هذه الدول، وبالتدريج هذه السيولة وجدت طريقها إلى الدول الناشئة؛ بسبب انخفاض أسعار الفائدة في جميع العالم، وزيادة السيولة، وهذه الأموال تسعى إلى إيجاد فرصٍ تجني فيها فوائد أعلى في الدول الناشئة، ومن ثَمَّ وجدت طريقها عن طريق مديوناتٍ للدول الناشئة وعن طريق استثمارات، ولكن للأسف المديونات كانت أكثر؛ أي الولايات المتحدة طبعت نقودًا على أمل أنه عند طباعتها لها؛ تتيحها ضمن البنوك، فيحصل عليها المستثمرين بسعر رخيص، فينتعش الاقتصاد الذي كان متعرض لأزمة بعد عام ٢٠٠٨، وبالتالي أصبحت هذه الدول متاح لها أن تقترض، كشركات، وحكومات، وكأفراد، وبدورها البنوك هذه بدأت تطارد فرص استثمارية، بسبب وجود أموال كثيرة لديها، ومن ثم تخرج خارج حدودها وتقرض الدول النامية والدول الفقيرة.

على مدار الخمسين عام الفائتة حصلت أربع أزمات للأسواق الناشئة، بسبب هذه الدورة التي نتكلم عنها، والتي دائمًا ما كانت تبدأ بسياسة نقدية تيسيرية في الدول المتقدمة، على الرغم من قيام أمريكا ودول أوروبا بتقليل سعر الفائدة؛ تبقى هناك سيولة، حيث كانت هذه الخطوة الأولى أو مقدمة تفاقم أزمات الديون في الدول الناشئة، لماذا؟

للأسف هذه الأموال الكثيرة تشوه وتسبب مخاطر في اقتصادات الدول الناشئة، لأن أسعار الفائدة تنخفض بقوة، حيث تشجع أسعار الفائدة المنخفضة من يستحق من هذه الدول ومن لا يستحق في أن يقترض؛ فهم يقترضوا لأن تكلفة هذه الأموال رخيصة، فتبدأ الدول، وخاصّةً الناشئة منها، والتي تملك مشروعات تنموية كبيرة ومحتاجة دولار، بالتفكير بأنّه يمكنها الاستلاف بالدولار على سعر 1 أو 2%، بدلًا من أن تستلف من السوق المحلية بنسبة 10 أو 11%، وهذا يعد تشوهًا في أسعار الفائدة؛ يشجع في زيادة الاقتراض والاستدانة حتّى تصل المرحلة بالدول المتقدمة التي طبعت الأوراق النقدية في تشديد السياسة النقديّة وشروط الاقتراض التي ترهق هذه الدول وتجعلها مرتبطة بدورة رأس المال في الدول المتقدمة أو الإمبريالية كما حالة الولايات المتحدة الأمريكية والمؤسّسات الماليّة التابعة لها أو المهيمن عليها من قبلها، حيث تجد الدول الناشئة التي اقترضت أموالًا كثيرة على مدار هذه الدورة نفسها في مأزق أو في مصيدة، بعد سياسة التشديد النقدي، بحيث أن أسعار الفائدة مرتفعة والسيولة غير متوفرة، مما يسبب ارتفاع معدلات الدين بشكل كبير.

نحن حاليا في الدورة الرابعة من تفاقم المديونيات، وكنا قد تعاملنا ثلاث مرات مع الأزمات السابقة التي انتهت بأزمات مالية حادة في الدول الناشئة؛ حاليا بدأت بعض البوادر في إعادة الكرّة الرابعة، في إفلاس سيرلانكا، ووقوف باكستان على الدور باتجاه الإفلاس، وكذلك لبنان تعثر حد ما يشبه الانهيار، وتونس مهددة بشكل قوي.

منذ أواخر 2021، حدث اهتزاز عنيف جدًا في الدول الناشئة، من حيث حجم المديونيات الكبير القادم من صناديق الاستثمار التي تضخ نقودها ضمن البلدان الناشئة عن طريق ما يسمى بالأموال الساخنة، حيث يبحث مدير صندوق الاستثمار على أعلى عائد، حيث يمكن أن يقترض الصندوق بسعر فائدة رخيص جدًا ويحول هذه النقود إلى أي عملة محلية لدولة تعطي فائدة مرتفعة جدًا. للأسف بعض الدول تجد في الأموال الساخنة وسيلة تمويل سهلة، لأنها بدون شروط، مما يؤدي إلى تفاقم هذه التدفقات، بسبب سياسة سعر الصرف، حيث يمكن أن تؤدي انطباع للمستثمر الأجنبي بأنه وهو خارج، سيخرج بنفس سعر الصرف، لأن العملة مثبتة بسعر أقل من حقيقتها، ولكن تعتبر هذه كما المتعة الزائلة للجهتين: المستثمر والبلد، من خلال الوصول اللحظة الحاسمة، عندما نكتشف أن المُستثمِر الأجنبي؛ ترتفع عليه سعر الفائدة ويبدأ بإخراج استثماره من البلد، وتأتي لحظة الحقيقة للدولة المقترضة، وتكتشف أن سعر الصرف كان مقوم بأكثر من قيمته.

بتشريح هذا الدين أولًا على مستوى طبيعة المُقترِض: هناك حكومة وشركات تابعة لها، تسمى الحكومة العامة، وهناك فئات أخرى هي الشركات المالية، كالبنوك، والشركات غير المالية، والصنف الأخير هو الأفراد، وهناك تصنيف آخر هو اقتراض خارجي؛ دولة من دولة، واقتراض داخلي؛ حكومة تقترض من بنك في نفس الدولة، وآخر تقسيم هو دول لديها عملات احتياط ودول أخرى لا تملك عملات احتياط.

عند تحليل أي أزمة يجب علينا معرفة عدة أمور لدينا: ديون خارجية، وديون داخلية، ونوع القرض، ومصدر القرض، والمقترض، وطبيعة العملة التي يتم الاقتراض بها صعبة أم لا، ورغم ضخامة الأزمة المالية العالمية، فقد "تمكنت" الولايات المتحدة الأمريكية، من الخروج من هذه الأزمة، بسبب الاحتياط، حيث قامت بطباعة أموال، وصدرتها هذه إلى الدول الناشئة وبفائدة وصلت إلى صفر.

الأزمة العالمية كانت بداية ما يسمى أزمة المديونات الرابعة للدول الناشئة، خلال الخمسين عام السابقة، والتي هي إتاحة أموال كثيرة رخيصة، وبضخ أموال هائلة، ولكن لم يكن لها مردود على الدول الناشئة في وقتها، لأن العالم كله بعد الأزمة المالية العالمية كان في حالة تحفظ؛ فكل الدول في العالم حصنت القطاع المصرفي، وبالتالي خلال السبع سنين الأولى بعد الأزمة لم يؤثر سعر الفائدة المنخفض في أمريكا أو ارتفاع الديون في الدول الناشئة. لكن حدث انفجار في مديونات بعض الدول بعد كورونا والحرب الروسية الأوكرانية؛ فمثلًا الديون الخارجية لتونس تساوي الناتج المحلي الإجمالي، وهنا الخطورة، حيث يكون امكانية خدمة وسداد الدين أمرًا صعب جدًا، إن لم يكن مستحيلًا.

الأثر الآخر للأزمة الروسية الأوكرانية على الدول الناشئة، وهي أن الأزمة قد أدت إلى زيادة أسعار السلع الأساسية، فقد زادت المدفوعات للسلع الأساسية، وزادت المدفوعات للمديونات؛ علاوة عن ضغط سداد لمديونات سابقة، كما مصر التي لديها مشكلة حالية، وهي بأنها كانت قد استدانت من قبل، مع صعوبة الاستيراد الحالي. كذلك الحرب أدت إلى سبب رابع وهو انخفاض الدخل الدولاري، وخاصة في قطاع السياحة؛ فسيرلانكا ومصر وكثير من الدول التي تعتمد على الدخل السياحي تعاني بشدة من هذا العامل.

إنّ الدورات الثلاث في الثمانينات دورة، وفي التسعينات دورة، ودورة في الألفينات حتى الـ 2010، وتبدأ هذه الدورات بإتاحة أموال رخيصة، وتنتهي بسحب هذه الأموال بفوائد تراكمية مرتفعة جدًّا. وعليه، فإنّ المؤشّرات التي تقول إنّ الكثير من الدول الناشئة من المحتمل أن تتعثر هي احتمالاتٌ ضخمة، وهنا فهل سيواجه العالم أزمة أخرى؟

نعم، هناك ملامحُ أزمهٍ قادمةٍ على المستوى الدولي؛ بسبب التضخم والركود الاقتصادي وأزمة الطاقة والحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها، ولكن كم شدة هذه الأزمة؟ وما مدتها؟ وما هي نتائجها الدولية والسياسية في مستقبل العالم؟ فلذلك حديث آخر.