Menu

من أجل ممارسة مواطنية فعالة في منطقتنا

رابح لونيسي

تعاني منطقتنا من ممارسة مواطنية ضعيفة جدا، مما يهدد ليس وحدة دولنا، بل حتى الممارسة السياسية ذاتها، كما أن هناك عدم الترويج لمبدأ المواطنة في صفوف الشعب، وكذلك معارضتها من تيارات أيديولوجية تحمل فكرا شموليا، وتريد أن تفرض رؤاها على مجتمعاتنا، وهو ما يتطلب منا توضيح تداخل بعض المصطلحات وتحديد المفاهيم الدقيقة لمبدأ المواطنة ذاته قبل ان نطرح حلولا للحفاظ على وحدة الدولة والممارسة السياسية الفعالة من خلال تناولنا مستويات الممارسة المواطنية.      
هناك ثلاث مصطلحات ومفاهيم متداخلة فيما بينها، كما ترتبط بعضها ببعض، وهي الجنسية والمواطنة والوطنية، فلا يمكن مثلا أن نتحدث عن المواطنة دون اكتساب الجنسية لأنه يستحيل على أي فرد أن تكون له نفس حقوق وواجبات مواطن دولة ما دون اكتسابه لجنسيتها، فمصطلح المواطن يطلق قبل كل شيء على مكتسب الجنسية حتى ولو كان ذو أصول أجنبية حصل عليها حسب قانون الجنسية لتلك الدولة. كما أن هناك تمييز واضح بين الوطنية والمواطنة لدى البعض، ويرى هؤلاء أنه لا وجود لأي علاقة بينهما، فنحن لا نذهب هذا المذهب، لأن المواطنة ليست فقط حقوقا، بل هي أيضا واجبات وممارسات يجب الالتزام بها، وللقيام بتلك الواجبات على أكمل وجه لابد من دافع لذلك، وهو الوطنية، كما أن من مستلزمات المواطنة أيضا هو أن تغرس في المواطن روح الانتماء للدولة وللأمة، وهو ما يتطلب روحا وطنية منبثقة عن الانتماء إلى الأرض والتاريخ والذاكرة المشتركة بين المواطنين أين يجد كل مواطن نفسه في تلك الذاكرة والهوية الوطنية التي يجب أن تكون معبرة عن كل مكونات الأمة.
كما علينا الإشارة إلى مسألة هامة حول علاقة الوطنية بالممارسة المواطنية، خاصة في الدول الغير نامية أين يجب القيام بتضحيات كبرى من كل مواطن كي تحقق تقدمها وتطورها وخروجها من تخلفها، وهو ما يتطلب القيام بالواجبات أكثر من المطالبة بالحقوق كي تكون النتيجة إيجابية، فيحدث التراكم التنموي والحضاري، لأنه إن كانت نتيجة المعادلة بين الواجبات والحقوق سلبية فمعناه أننا نعود إلى الوراء، وعادة ما تكون متوازنة في الدول المتقدمة، ولتحقيق نتيجة إيجابية للمعادلة أي اكبر من صفر بين الواجبات والحقوق يتطلب دافع وطني قوي جدا لدى كل مواطن، والذي يغرس عبر المدرسة ودور العبادة ووسائل الإعلام وغيرها، فكلما تقوى الدافع الوطني ازدادت معه التضحيات، مما يؤدي إلى التقدم بازدياد التراكم التنموي أو ما نسميه بالنتيجة الإيجابية للمعادلة بين الواجبات والحقوق.   
ان تدقيقنا وتوضيحنا للعلاقة بين المواطنة والجنسية والوطنية يدفعنا أيضا إلى تدقيق مصطلح المواطنة التي ينبثق عنها الممارسة المواطنية.   
المواطنة لها ثلاث مستويات للممارسة    
1- المساواة في الحقوق والواجبات
ان الحصول على الجنسية ينبثق عنها حقوق مقابل واجبات، ويتساوى فيها كل المواطنين دون استثناء أو تمييز، وهو المفهوم الفرنسي الذي انبثق عن الثورة الفرنسية1789 بشعارها (حرية، إخاء، مساواة)، وهو في الحقيقة توسيع للمفهوم القديم للمواطنة في مدينة أثينا، لكن في أثينا يكتسب حقوق المواطنة فقط الأحرار الذين لا يتجاوز عددهم 40 ألف مواطن مقابل110 ألف من العبيد المحرومين من أبسط الحقوق- حسب الفيلسوف الفرنسي روجي غارودي-، ونجد نفس الأمر في روما أين كانت تعطى الجنسية الرومانية لكل من يترومن، وتتحقق فيه شروطها، ومنها ينبثق حقوق المواطنة الرومانية، أما العبيد، فلا يحق لهم ذلك، لكن كانت تعطى الجنسية الرومانية لكل من طلبها من أبناء مستعمرات الإمبراطورية الرومانية حتى ولو كان أصله غير روماني، لكن بشرط أن يكون قد ترومن، وأندمج كلية في الثقافة الرومانية، وهو تقريبا نفس ما كانت تشترطه فرنسا الاستعمارية في الجزائر التي استلهمت كثيرا من السياسة الاستعمارية الرومانية انطلاقا من فكرة أن الجزائر خاصة وشمال أفريقيا عامة هي أرض رومانية، ولم تقم فرنسا إلا باستعادة تلك الأرض كما كانت تروج الأيديولوجية الاستعمارية الفرنسية، وعلى رأسهم أحد أبرز المنظرين الاستعماريين، وهو لوي برتراند صاحب مجلة "شمال أفريقيا اللاتينية".
2- الاعتراف والاحترام المتبادل بين كل المواطنين 
ظهر مفهوم جديد للمواطنة بدأ ينتشر في عدة دول، وهو الاعتراف بالآخر أو بتعبير أدق الاعتراف المتبادل بين أفراد الأمة واحترام خصوصية كل فرد، ووصل الأمر في بعض الدول إلى درجة تحويل كل مسائل الهوية إلى مسائل شخصية مثل المعتقد والأصل واللسان وغيرها، وتعد الولايات المتحدة الأمريكية نموذجا لذلك رغم ظهور تيار يعارض ذلك، ويحرص على الحفاظ والدفاع على الهوية الأمريكية المتمثلة في ثنائية اللغة الإنجليزية الأمريكية والطابع الديني البروتستانتي، ويأتي على راس هؤلاء صموئيل هنتنغتون بكتابه الشهير " من نحن؟" أين يحذر من صعود هوية جديدة في الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة الهجرات خاصة المكسيكية، وتتمثل في الإسبانية بكاثوليكيتها ولغتها، ويرى أن ذلك سيهدد وحدة أمريكا. يطبق هذا المفهوم الجديد للمواطنة بشكل كبير في دول مثل كندا وحتى بريطانيا وأستراليا بحكم تعدد الهجرات إليها، مما أنتج مجتمعات متعددة الأصول والثقافات والهويات.
يرى أصحاب هذا المفهوم للمواطنة بأن ذلك كفيل بالقضاء نهائيا على فكرة الأقليات الإثنية او اللغوية او الدينية أو غيرها لأن الجميع متساوون في الحقوق والواجبات ومعترف من كل مواطن بمواطن آخر رغم الاختلاف بينهما، وهو ما ينهي كل الصراعات حول الاعتراف وذهاب كل الجهد إلى الصراع حول إثبات الذات ليس في المسألة الهوياتية التي تم الفصل فيها نهائيا، بل في الاقتصاد والعلم وغيره، لكن فرنسا لم تصل إلى ذلك اليوم بسبب يعقوبيتها أي الوحدة في كل شيء، وهو المفهوم السياسي الذي أثر سلبا على أغلب الدول العربية بحكم هذا التأثير الفرنسي عليها، ومنها الجزائر لأن ذلك سيؤدي إلى إقصاء شرائح وعدم الاعتراف بها، مما يهدد اللحمة الوطنية في هذه الدول.   
وكي نوضح هذا المفهوم الجديد نعود إلى الفيلسوف الفرنسي ألكسندر كوجيف، فهذا الفيلسوف ذو الأصول الروسية يعد أبرز مفسر للفيلسوف الألماني هيغل، وكتب عنه كتابا شهيرا بعنوان "مقدمة لقراءة هيغل" في 1947. قدم كوجيف قراءة أخرى لهيغل غير معروفة عنه، فإن كان ماركس أخذ وقلب الجدلية الهيغيلية القائلة بأن حركة التاريخ تتحكم فيها التناقضات الفكرية، أي أطروحة في مواجهة أطروحة نقيضة لها، فينتج عنها فكرة أو أطروحة جديدة، وهلم جرى حتى نصل إلى نهاية التاريخ بالوصول إلى الفكرة النهائية التي لخصها هيغل في فكرة الحرية التي أتت بها الثورة الفرنسية لدرجة ترحيبه بدخول نابليون إلى ألمانيا في 1806، لكن قلب ماركس نظرية هيغل بالقول بأنها تمشي على رأسها، فجعلها تمشي على قدميها بالقول بأن الأفكار هي نتاج الصراع الطبقي، وأن البنية التحتية الممثلة في قوى الإنتاج هي التي تنتج البنية الفوقية الممثلة في الأفكار والثقافة والدين والأخلاق وشكل الدولة، وان الصراع الطبقي هو محرك التاريخ الذي سيصل إلى نهايته بعد انتصار الشيوعية أين ستنعدم نهائيا الطبقية وصراعاتها. 
لكن أبرز ما قاله كوجيف، وأهمله الكثير هو أن هيغل يرى أيضا أن حركة التاريخ وراءها السعي لإثبات الذات، وأن حركة التاريخ ستنتهي بعد اعتراف كل إنسان بالآخر الذي أثبت ذاته، ومنه أخذ فرانسيس فوكوياما فكرة نهاية التاريخ في كتابه الشهير "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" بالاستناد على إثبات الذات بردها إلى ما أسماه افلاطون ب"التيموس"، وقد شرحها بالعودة إلى هيغل وعلاقة العبد بالسيد، فكوجيف يقول أن نهاية التاريخ، سيتم بعد أن يعترف بالإنسان، فيصبح هذا الأخير راضيا على نفسه وذاته، فلا يتحرك، ولا يجتهد لإثبات ذاته.    
أنطلق كل هؤلاء من العالم الغربي، فهل فعلا انتهت حركة التاريخ عندهم أم انتهت الحروب الداخلية فيما بينهم؟

نعتقد أن ما وقع في الغرب هو نهاية هذه الصراعات الهوياتية والدينية وغيرها لتفسح المجال للتنافس في المجالات العلمية والاقتصادية كي يثبت كل شخص ذاته، وهو ما يشير إليه فوكوياما بوضوح في كتابه، كما انتقلت هذه الظاهرة إلى العلاقة بين الأمم، فأصبحت كل أمة من أمم الغرب تسعى للتفوق العلمي والاقتصادي والعسكري وغيره لإثبات وفرض ذاتها عالميا، وهو ما يسمى عند الأمريكيين مثلا ب"المشروع الإمبراطوري"، لكن منطقتنا بعيدة كل البعد عن ذلك، ولازالت تعيش صراعات دينية ولغوية وهوياتية وطائفية.    
نعتقد أن هذه الصراعات في منطقتنا تعود إلى عدم الاعتراف بالآخر أو ما يسميه صراحة الفرنسي ذو الأصل البلغاري تزفيتان تودوروف بالاعتراف المتبادل"، ويعود عدم الاعتراف إلى اليعقوبية الفرنسية التي أثرت كثيرا في فكرنا السياسي، فسعى الحكام إلى فرض هويات ولغات وأديان على مجموع الأمة كما وقع في فرنسا بعد ثورتها في1789 أين فرضت مثلا لغة إيل دوفرانس على كل الفرنسيين، لكن يختلف الظرف الفرنسي في القرن19عن الظرف العالمي اليوم، فقد خلقت لنا محاولة تطبيق فكرة اليعقوبية في بلداننا مشاكل وحروب عويصة، لأنها تنفي هويات الكثير من الأفراد داخل هذه الدول. 
ويرى أصحاب هذا الطرح أن الحل لهذه المشكلة هو الاعتراف بالآخر، وبتعبير أدق الاعتراف المتبادل بين الجميع، ولن يتحقق ذلك إلا بتطبيق فعلي للمفهوم الحقيقي لمبدأ المواطنة الذي لا يتلخص فقط كما يعتقد البعض في المساواة في الحقوق والواجبات بين كل مواطني الدولة، بل باحترام خصوصية كل فرد في الأمة، ولا نقول جماعة، فمعناه بإمكان أي فرد في الأمة أن يعتقد ويمارس ما يريده سواء في مجال الأصول أو اللسان أو الدين وغيره بشرط ولائه للأمة والدولة فقط وقيامه بواجباته الوطنية دون أي تأثير لما يمكن تسميته بالهوية الفردية لكل شخص، كما عليه أيضا الاعتراف بالهوية الفردية للمواطن الآخر، أي كل مواطن يحترم، ويعترف بالآخر، وتتحول الهوية إلى مسألة فردية سواء في الأصول أو اللسان أو الدين والمعتقد، ولا يحق لأي مواطن السعي لفرض هويته الخاصة على الآخرين، فبهذا الشكل يتحقق الاعتراف بالذات، كما يقع في أمريكا اليوم، فتنتهي بذلك الحروب الدينية واللغوية والإثنية وغيرها، لأن الجميع معترف بهم، فينصرف الإنسان لإثبات ذاته بالمجالات العملية والاقتصادية وغيرها كما في الغرب، فتنتهي الحروب عندنا، لتفسح المجال لحروب سلمية وبناءة بالتدافع والتنافس لإثبات الذات وتحقيق الاعتراف في مجالات إيجابية كالعلم والاقتصاد وغيرها.      
ونشير بأن بيان أول نوفمبر1954 في الجزائر نادي تقريبا إلى هذا المفهوم من المواطنة عندما يقول حول الدولة الوطنية التي ستتأسس بعد استرجاع الاستقلال بأنها "تحترم كل الحريات الأساسية دون أي تمييز عرقي او ديني"، وهو المبدأ الذي طبق في الجزائر سواء أثناء الثورة التحريرية أو بعد استرجاع الاستقلال، فلا تدخل أي اعتبارات أخرى مثلا في تولي المناصب لا اللسان ولا الأصل، ولا حتى العقيدة وطريقة ممارسة الدين أو فهمه وتأويله له من أي مواطن كان، فالأولوية هو الولاء للدولة والأمة الجزائريتين فقط لا غير، لكن فيما بعد بدأت تظهر بوادر لتيارات أيديولوجية خطيرة تريد إدخال عوامل أخرى في ذلك، مما سيؤدي إلى تهميش وإقصاء شرائح واسعة من المجتمع، وهو ما سيهدد ليس فقط الدولة الوطنية، بل أيضا أسسها ووحدتها وتماسكها.
فبناء على ذلك كله علينا الترويج بقوة لهذا المبدأ الذي ورد في بيان أول نوفمبر1954 بصفته البيان التأسيسي للدولة الوطنية، ولا يكفي ذلك، بل علينا الاهتمام بترسيخ مبدأ المواطنة بكل مفاهيمه ومستوياته في المدرسة، وكذلك إيجاد شرعية دينية لها بإعادة قراءة النصوص الدينية وتأويلها بشكل تعطي قوة لهذا المبدأ من خلال خطاب ديني متجدد كما فعل الإصلاحيون من محمد عبده إلى بن باديس للترويج للأفكار الجديدة المعاصرة وإبراز مدى شرعيتها الدينية والملائمة معها وعدم مناقضتها له، لأن اليوم يعد المسجد والخطاب الديني إضافة إلى المدرسة ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي الناتجة عن تكنولوجيات الاتصال الجديدة من أبرز الأدوات للترويج وغرس مبدأ المواطنة إلى جانب الوطنية اللذان يعدان عاملان أساسيان لبناء الدولة والأمة والحفاظ على تماسكها ووحدتها، كما يجب أن تلعب كل هذه الأدوات التي ذكرناها دورا أساسيا في الدعوة الى المشاركة السياسية والجمعوية وغيرها بصفتها أيضا من أبرز مظاهر الممارسة المواطنية.    
3- المشاركة السياسية والجمعوية كأبرز مظهر من مظاهر الممارسة المواطنية
ذكرنا من قبل أن القيام بالواجبات على أكمل وجه واحترام كل مواطن للآخر والاعتراف به تعد من أبرز مظاهر الإيمان بمبدأ المواطنة وممارساتها، لكن هناك مظهر هام آخر هو المشاركة السياسية الذي له علاقة وطيدة أيضا بالممارسة المواطنية، فالمواطنة تنبثق عنها ممارسات وسلوكيات على المواطن الالتزام بها، ومنها المشاركة السياسية مثلا في كل الاستحقاقات الانتخابية والاهتمام بالشأن العام ومراقبة المنتخبين الممثلين للمواطنين في كل المؤسسات والهيئات والمجالس الوطنية والمحلية، كما يجب المساهمة في المجتمع المدني والانخراط فيه لخدمة الصالح العام، وهي من أرقى الممارسات المواطنية لأنها ستساهم في عملية البناء والتنمية ومساعدة الدولة في ذلك، فلا نفهم كيف كان الجزائري يتطوع، ويتبرع بأمواله أثناء العهد الاستعماري لبناء المدراس الحرة سواء التابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين أو حزب الشعب الجزائري دون الحديث عن النوادي الثقافية التي ساهم الجزائري في بنائها، لكن نجده اليوم يعتمد على الدولة في كل شيء، ولو أننا نلاحظ ظهور بعض البوادر من بعض التنظيمات المحلية والجمعيات والمجتمع المدني للقيام بهذا الدور المنوط بها، وقد ظهر ذلك بجلاء أثناء كوفيد19، كما أيضا من الممارسات المواطنية هو احترام كل المواطنين مهما كانت آراءهم ومعتقداتهم وألسنتهم أو أصولهم، فيجب أن تصدر لتنفيذ ذلك قوانين تحمي كل مواطن من أي اعتداء من مواطن آخر ضد حقوقه المواطنية أو شخصه، ولهذا سنت الكثير من الدول قوانين ضد العنصرية والكراهية، ومنها الجزائر بموجب قانون جانفي2000.      
فلنشر أنه عادة ما يشتكي الكثير من ضعف المشاركة السياسية، ومنها العزوف الانتخابي، لكن نعتقد أن ذلك هي ظاهرة عالمية، وليست خاصة ببعض الدول فقط، ويعود إلى المأزق الذي وصلته الديمقراطية التمثيلية في العقود الأخيرة في نظرنا، ونعتقد بأن هناك تعبير شعبي عميق على المأزق الذي وصلت إليه الديمقراطية في الغرب، فهذا النظام الديمقراطي الغربي نشأ في 1789 في فرنسا وفي1787 في أمريكا بعد وضع دستورها، وقد جاء ذلك كله كنتيجة لأفكار التنويريين، وعلى رأسهم جون جاك روسو الذي وضع مبدأ "سيادة الأمة" عبر انتخاب ممثليها في الهيئة التشريعية، لكن عندما جاءت فرنسا وأوروبا ثم دول أخرى في العالم إلى تطبيق هذا المبدأ استندت على دوائر انتخابية على أساس جغرافي، لتجد الكثير من الشرائح الاجتماعية والمهنية غير ممثلة في هذه الهيئة، ولم تجد من يدافع عن مصالحها، فتطورت هذه الديمقراطية حتى تحولت الدولة في يد فئة صغيرة وهي الطبقة البرجوازية، وهو ما يفسر لنا ضعف نسب الانتخابات التشريعية في هذه الديمقراطيات، لأن الناخب لا يشعر بأي تغيير فعلي وإيجابي للوضع، وهو ما أدى إلى تفكك هذا العقد الذي تحدث عنه روسو، وهو ما يتطلب تفكيرا جديا في نظام سياسي آخر أو عملية تطوير هذه الديمقراطية كي تكون ممثلة فعلا لكل شرائح وفئات المجتمع المهنية، فقد قلنا في كتبنا والكثير من مقالاتنا أن الديمقراطية في الغرب هي في مأزق، بسبب انحصارها في الطبقة البرجوازية، فلا تحقق عدالة اجتماعية بأتم معنى الكلمة، وطرحنا نظاما بديلا مبني على عدة أسس ومبادئ وآليات وميكانيزمات أهمها تمثيل كل شرائح المجتمع المهنية في الهيئة التشريعية بتبني دوائر انتخابية على أساس خريطة اجتماعية مهنية بدل ما تكون على أساس خريطة جغرافية، وقد شرحنا ذلك بشكل مستفيض في الكثير من كتبنا ومقالاتنا، ومنها "النظام البديل للاستبداد-تنظيم جديد للدولة والاقتصاد والمجتمع-"، وكذلك "ربيع جزائري لمواجهة دمار عربي-دراسة استشرافية".    
قلنا في عدة مقالات أنه من الضروري للنقابات العمالية بكل شرائحها العودة إلى طرح المشكلة الجوهرية للمسألة الاجتماعية لحلها من الجذور لكن بطرح آخر، فعليها أن تطرح الحل الجذري للمشكلة بتشكيل ما نسميه البرلمان الاجتماعي بدل البرلمان السياسي الموجود اليوم في الأنظمة الديمقراطية، فيصبح التمثيل في البرلمان المنتخب على أساس شرائح المجتمع وفئاته المهنية كلها بدل التمثيل على أساس دوائر انتخابية يمكن أن تكون الكثير من الفئات المهنية وشرائح المجتمع غير ممثلة في البرلمان، والذي يمكن مثلا أن تسيطر عليه فئات مهنية فقط مع انعدام التمثيل لفئات أخرى عديدة، فيجب على كل الشرائح والفئات المهنية بما فيهم البطالين ورجال المال وغيرهم أن يكونوا ممثلين في البرلمان، وذلك باعتماد كل شريحة مهنية واجتماعية كدائرة انتخابية، ويكون عدد ممثليها في البرلمان حسب العدد المنتم إلى هذه الشريحة أو الفئة الاجتماعية والعمالية رغم ذلك إلا أنه غير كاف ومضمون خدمة كل المجتمع إلا إذا أمتلك كل ممثلي شريحة أو فئة مهنية واجتماعية حق الفيتو في كل مشروع قانون يخصها، ويمكن ان تتفاوض مع السلطة التنفيذية في حالة ضرورة الحفاظ على توازنات، أما إذا تعلق القانون بمصالح عدة شرائح، فيتم التفاوض حوله بتنازلات فيما بينها لحفظ مصالح الجميع، وبهذا الشكل يتم نقل الصراعات الاجتماعية التي تشل الحركة الاقتصادية بفعل الإضرابات إلى مبنى البرلمان، لكن هذا لا يكفي لتحقيق مصالح كل شريحة مهنية واجتماعية إلا إذا بقيت مصالح ممثليها المنتخبة في البرلمان مرتبطة ارتباطا وثيقا بمصالح شريحتها الاجتماعية، مما يجعلها حتى ولو أهتمت فقط بالدفاع عن مصلحتها الاجتماعية الخاصة، فإنها ستحقق بذلك حتما مصلحة الشريحة الاجتماعية التي تمثلها، ولا يتم ذلك إلا بإلغاء كل الامتيازات لهؤلاء الممثلين بحكم تواجدهم بالبرلمان باستثناء الحصانة التي يجب ان تنحصر فقط في العمل السياسي وحرية النقد والتعبير والممارسة، وليس توسيعها إلى المسائل الجنائية، خاصة الاقتصادية منها.   
لكن يجب أن نضع في ذهننا إمكانية شراء هؤلاء النواب الممثلين للشرائح الاجتماعية من أصحاب المال أو من السلطة التنفيذية، وهو ما يتطلب تفعيل ميكانيزمات عملية لمبدأ "من أين لك هذا؟"، ويطبق على الجميع، وهو المبدأ الذي كثيرا ما يردد أنه جاء به الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، لكنه ما يستغربه الباحث والمتتبع للخطاب السياسي في دول منطقتنا هو تغييب أي ذكر لهذا المبدأ منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهو مبدأ مطبق بصرامة في الكثير من دول الغرب التي وضعت له ميكانيزمات تطبيقه، فهو مبدأ كفيل بمحاربة الأموال المشبوهة.    
نعتقد أن أمام مأزق الديمقراطية اليوم وتزايد العزوف الانتخابي وضعف المشاركة السياسية في الكثير من الدول سيجعل العالم يتجه إلى تطوير الأنظمة الديمقراطية، ما سيدفعها إلى هذا التغيير هو تغير قوى الإنتاج التي بدورها ستغير الذهنيات، فاليوم ثورة الاتصالات وبروز طبقة جديدة هي المتعلمين أو ما سماها هربرت ماركيوز "ذوي الياقات البيضاء" في ستينيات القرن الماضي، والذين فشلوا في تطوير هذا النظام في أوروبا أثناء أحداث1968 ، خاصة في فرنسا ضد دوغول الذين كانوا قاعدتها آنذاك، خاصة الطلاب والمثقفين، لكن التغيرات الكبيرة لقوى الإنتاج اليوم، خاصة تكنولوجيا الاتصالات سيؤدي حتما إلى تغيير شكل الدولة والذهنيات، فكما كانت الثورة الصناعية وراء ميلاد طبقة برجوازية وإنشاء الأنظمة الديمقراطية الحالية في أوروبا، فإن التطورات التكنولوجية الأخيرة ستدفع بدورها إلى تغيير شكل الدول والذهنيات وغيرها، وقد أشار إلى ذلك بقوة الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه في مقالته "السلطة الجديدةّ" التي نشرها مباشرة بعد وصول ماكرون إلى السلطة في مجلة ميديوم "
mediume" التي يديرها محاولا القول أن فرنسا الكاثوليكية تحولت اليوم إلى الذهنيات التي أنتجتها البروتستانتية، خاصة الكالفينية منها، وحاول بذلك تفسير وصول ماكرون إلى السلطة، لكن غابت عن دوبرييه بأن تغييرات قوى الإنتاج هي التي دفعت الفرنسيين إلى ذهنية بروتستانتية دون شعور منهم بذلك رغم أن أغلبيتهم كاثوليك أو لا يهتمون بالدين أصلا، ونذهب نفس المنحى بالقول أن قوى الإنتاج الجديدة ستغير حتما النظام السياسي للدولة سواء في فرنسا أو دول أخرى في الغرب، أما نحن مواطنو شمال أفريقيا والشرق الأوسط فلا نمتلك أصلا قوى إنتاج صناعية التي تعد البنية التحتية التي ستغير البنية الفوقية نحو دولة ديمقراطية وذهنيات خالية من العصبيات الخلدونية، وتؤمن بالقيم الديمقراطية والحداثية ومبدأ المواطنة وغيرها، ولا يمكن لنا الوصول حتى إلى ديمقراطية على الشكل الأوروبي إلا إذا وضعنا قاعدة صناعية وعلمية وثقافية صلبة، وبتعبير آخر المرور بما نسميه "رأسمالية وطنية" تتجه إلى الاستثمار في القطاعات الصناعية والبحث العلمي، لتضع لنا بنية تحتية كفيلة بتغيير البنية الفوقية المتمثلة في شكل الدولة والذهنيات وغيرها.