تستحوذُ المنطقةُ العربيّةُ دورًا مهمًّا في السياسة العالميّة، نظرًا إلى موقعها الجيواستراتيجي المميّز، وتقاطعها مع الأجندات السياسيّة لدولٍ أوروبيّةٍ غربيّةٍ عديدة، وتجد هذه الدول في "المنح والمساعدات" هامشًا لترويج صورتها "داعمًا إنسانيًّا محبًّا للسّلام"، إلى جانب ما يمكنُ أن توفّره هذه "المعونات" من مجالٍ للتدخّلات السياسيّة، إذ تستخدمُ المعونة الإنسانيّة – أحيانًا - وسيلة للضغط على أحد أطراف النزاع للقبول بتسويةٍ تفاوضيّة، كما هو الحال في الملفين الفلسطيني والسوري.
بالرغم من أن التنمية والانتقال من الحرب إلى السلام، تمثّلُ أهدافًا رئيسيّةً "للاستجابة الإنسانيّة"، إلا أنّه يلاحظُ أن هذه الاستجابة تحوّلت إلى وبالٍ في بعض الأمثلة، بدلًا من مساهمتها في التعافي والإنعاش للمجتمعات المتأثرة بالأزمات. ويبدو أن الاصطفافات السياسيّة في المنطقة تجاهَ الصّراع الروسيّ - الأوكراني ستقرّر توجّهات الدعم الإنساني المقدم من الجهات الفاعلة في الغرب، نظراً إلى السياسة العالمية المتداخلة في أزمات المنطقة العربية، وتعرضها المستمر للتدخلات الإقليمية والدولية.
مصاعب وإشكاليات مركبة
ثمة إشكالية كبيرة في الحالة العربية، مطلوب فهمها فلسطينياً، والمساهمة في معالجتها، وإيلاؤها الاهتمام والحرص والحكمة، وتبدأ هذه الإشكالية من حقيقة تعرض عدد من الدول العربية لتدمير فعلي لأسباب شتى، بدءاً من سورية والعراق ولبنان واليمن وليبيا و السودان وتونس، فضلاً عن مشكلات كبيرة في دول أخرى، الأمر الذي أدى موضوعياً إلى ضعف كبير في الحالة العربية عكس نفسه سلباً –بطبيعة الحال- على كيفية تعامل مختلف الأطراف في عالمنا مع الواقع العربي وقضاياه، وبينها القضية الفلسطينية.
عنصر آخر من المشكلة تمثل في بروز ونمو ظاهرة "الإسلام فوبيا" وحرص الكثير من الجهات المعادية على تضخيمها وإعطائها معاني سلبية بشكل مقصود، وصولاً إلى العداء للإسلام خاصة والشرق عامة! لقد سبّب هذا الأمر كثيراً من الصعوبات والمشكلات للحالة العربية داخلياً وخارجياً، وترافق مع موجات الهجرة غير المشروعة من مجتمعات عربية اتجاه أوروبا تحديداً، وهو ما أدى إلى تعاظم الرفض والعداء للعرب والمسلمين، وترتب عليه خسارة كبيرة للقضية الفلسطينية التي باتت قطاعات واسعة من المجتمعات الغربية تربطها ب "الإرهاب واللجوء"، بدلاً من ربطها بالقضايا العادلة لحركات التحرر الوطني والديمقراطي في العالم.
وما زاد الطين بلة، هو العنصر الثالث للمشكلة، المتمثل في تدهور الأوضاع الداخلية في عدد من الدول العربية، والذي قوبل بإجراءات قمعية، فضلاً عن ظهور خلافات حادة بين بعض الدول العربية، أو معظمها، وبين بعضها الآخر واستقطاب أخرى في محاور إقليمية وفي محاور مضادة، علاوة على ذلك هناك التداخل العنيف واستخدام السلاح والمال والتنكيل والتآمر السياسي من جانب بعض الدول في مواجهة دول أخرى قائمة أو منهارة من دون أن يكون لذلك كله نتائج حقيقية غير التدمير.
هذه الصورة القاتمة والإشكالية الفظيعة، شجعت الإدارة الأمريكية لطرح رؤى جديدة للشرق الأوسط، مستغلة الوضع القائم لتحقيق مكاسب كبرى لها و "لإسرائيل" ـحليفتها في المنطقةـ، سواء كانت سياسية أم اقتصادية.
فلسطينياً: تبنت الإدارة الأمريكية استراتيجية غيرت عبرها القواعد الثابتة المدعومة بتوافق دولي لحل الصراع العربي – الإسرائيلي، وإلى تمكين "إسرائيل" من الاستمرار في التوسع الاستيطاني الكولونيالي، وهو ما استدعى انكار الحقوق الوطنية والقومية المشروعة، بل الوجود الوطني الفلسطيني برمته.
عربياً: الاستراتيجية الأخرى التي تبنتها الإدارة الأمريكية هدفت إلى تغيير طبيعة العلاقات العربية – الإسرائيلية ومحاولة بناء تحالفات بين الجانبين، بعيداً عن القضية الفلسطينية، الأمر الذي تطلب استبدال فكرة "إسرائيل هي الخطر الرئيسي" بفكرة "إيران هي الخطر الرئيسي"، وأن كثيراً من الدول العربية تحتاج إلى الولايات المتحدة و "إسرائيل"، من أجل ضمان أمنها في مواجهة "الخطر الإيراني"، وجرى فعلاً تنفيذ بعض الخطوات في هذا المجال، منها فتح باب التطبيع على مصراعيه وبناء تحالف اقتصادي عسكري في المنطقة يضم "إسرائيل" والولايات المتحدة، والتي كان أكثرها وضوحاً ما سمي "باتفاقية إبراهام وورشة البحرين الاقتصادية"!
واقع الحال العربي قاتم للغاية، وهو يحتاج إلى حكمة، لكن أيضاً إلى شجاعة، من أجل معالجته وتغييره، وهذا الأمر يتطلب -ضمن أمور أخرى- حواراً صريحاً ومفتوحاً مع جميع القوى والأحزاب والحركات الوطنية والقومية والديمقراطية العربية والصديقة بعيداً عن المزايدات والمغالطات في وسائل التواصل الاجتماعي، ويتطلب الأمر بداية توضيح طبيعة الخطر الصهيوني باعتباره الخطر الرئيسي دون غيره.
يبدأ الأمر بتأكيد أن القضية الفلسطينية - بأهميتها الوطنية والقومية والإنسانية- ستتضرر بشكل كبير من أي خطوة غير محسوبة وغير مبررة في الاتجاه الذي تحاول الإدارة الأمريكية دفع الأمور نحوه، وعلى أحزاب وحركات التحرر الوطني والديمقراطي، الوفاء لانتماءاتها والتزاماتها المبدئية، بالرغم من الواقع الفلسطيني الذي نُقِرّ بسوئه، والذي قد يكون سبباً في تراخي الموقف القومي والأممي.
إن تضرر المصالح الوطنية للشعب الفلسطيني ستشطب كثيراً من الأعراف وقواعد العمل في المنطقة، وسيكون لها تبعاتها على الجميع، لكن هذا ليس الجانب الوحيد لطبيعة الخطر الصهيوني - والذي ينبغي أن يستوعب جيداً- بل إنها العقلية التوسعية والعنصرية، فيما بعد فلسطين، كتلك الممارسات الإسرائيلية التي تهدد الجولان السوري والجنوب اللبناني وسيناء المصرية ولاحقاً الأردن..
والخلاصة هي أنه لن يكون ممكناً -في أية محطة- لأي دولة عربية خليجية إقامة علاقات طبيعية اقتصادية أو سياسية مع "إسرائيل".. فحتى النموذج الأمريكي المسيطر يمكن اعتباره "جنة" مقارنة بالسلوك العنصري الاستعلائي "لإسرائيل"، فالخليج بالنسبة لها عبارة عن "كنز لا صاحب له"، وهو ينتظر القدرات والإبداعات الصهيونية.
مسألة الخطر الإيراني لا يمكن أن تكون بديلاً عن الخطر الاسرائيلي، في جميع الأحوال، ليس ممكناً تجيير الأمن القومي العربي لجهات أجنبية، ولا سيما إذا لم يكن لدى هذه الجهات أي سبب خاص لها لتتولى هذه المسؤولية، فالولايات المتحدة وحتى إسرائيل، لن تذهبا إلى حرب مع إيران لمصلحة العرب، إذ ليس لديهما أي سبب لفعل ذلك، بل على العكس هناك سبب لعدم القيام به، وهو استمرار ابتزاز تلك الدول العربية وحتى استنزافها مالياً وبأشكال مختلفة، حتى إذا حدثت مواجهة نتيجة خطأ ما لدى أي طرف، فإن الجانبين سيعملان على إبقائه في إطاره المحدد.
تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية
بدأت انعكاسات الأزمة الأوكرانية في الظهور على الساحة الفلسطينية، عندما أعلنت وكالة الأمم المتحدة "الأونروا" عن نيتها نقل جزء من خدماتها المقدمة للاجئين الفلسطينيين إلى منظمات دولية أخرى، بسبب نقص التمويل الذي تعاني منه، في خطوة وصفت بأنها تصفية لقضية اللاجئين، التي تتصدر قائمة قضايا "الحل النهائي" بين "إسرائيل والسلطة"، فضلاً عن اعتبار بعضهم هذه التصريحات واحدة من آثار الأزمة الأوكرانية، والتي تنذر بتداعيات مستقبلية أخرى على توجهات المانحين الدوليين المرتبطة بتقليص التمويل للاستجابة لأزمات المنطقة العربية المتفاقمة، ولا يمكن تفادي وطأتها على اللاجئين و المتضررين من الأزمات، وهناك توقعات بأن تقليص التمويل سيكون تدريجياً على المنطقة العربية، وبالتحديد على "الاستجابة الإنسانية" لكل من الأزمتين الفلسطينية والسورية، منعاً للمفاجأة التي قد تحصل للمستفيدين من المنح الخارجية وزيادة السخط الشعبي العربي على الدول الغربية المانحة، ومع ذلك، هناك فرصة تلوح في الأفق لزيادة التعاون العربي – العربي في هذا المجال، وتحديداً من دول مجلس التعاون الخليجي المانحة، لدعم مشاريع التنمية المستدامة وإعادة الإعمار ومساعدة اللاجئين والنازحين بشكل مستدام، وهي فرصة قد تفتح المجال للتفكير في تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية وفي أزمات أخرى، مثل أزمة الغذاء والطاقة والتغير المناخي وغيرها من الأزمات التي تهدد المنطقة وزيادة التعاون العربي بشأنها.
على المستوى الوطني، يجب البدء بالتفكير في الاستثمار بقدرات المجتمعات ال قطر ية، بما في ذلك القطاع الخاص، ودعمه لتأسيس قواعد للتنمية في المجتمعات العربية، بدلاً من المنح والمعونات الخارجية بشكل كامل، وتمكين قدرتها على التعافي والانتعاش وتخلصها من ممارسات المانحين المدفوعة بقوالب وخطط جاهزة وتصورات نمطية لا تتناسب مع حال المجتمعات العربية المتأثرة بالأزمات والنزاعات وسياقها وثقافتها.
إن الحالة العربية -بعيداً عن المسألة الإسرائيلية- تتطلب مقاربة شاملة، بما في ذلك معالجة الأوضاع الداخلية في هذه الدول، وتحديد نمط علاقات صحي بينها، ومنها إعادة تنظيم العمل العربي المشترك ليصبح ذا مردود إيجابي لجميع المشاركين فيه، وليكون في قدرته بالتالي أن يشكل خيمة بديلة من الخيمة المهترئة -إن وجدت- التي توفرها السياسات الصهيوأمريكية تجاه المنطقة. واستراتيجياً، لا بد من العودة إلى التمسك بمركزية القضية الفلسطينية ومركزية الخطر الاسرائيلي الأساسي في المنطقة.

