يُطلق على الوطنِ العربيّ من حيث الموقع الجغرافي والمساحة الممتد عليها مُسمّى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وله من المقوّمات الرياديّة ما يؤهّل إلى الزعامة الدوليّة بل والعالميّة أيضًا، كيف لا؟!
والمساحةُ واحدةُ التمحور مترامية الأطراف، وكذلك الديانة سائدة الاعتناق قابلة بالآخر بالإضافة إلى اللغة والتاريخ والثقافة، كما وأن أعرافه القبلية مُتكاملة القواعد ومتجانسة في المضمون ولنا في هذا (العُرف القبلي وتكامله العربي) كتاب قيد الإعداد يبحث في حالتي اليمن والأردن بمراجعة مختصي الأحكام الاجتماعية من كلا البلدين، وإذا ما أشرنا إلى ما يتمتع به الوطن العربي من مميزات وخصائص سنجد أنه:
- مهبط جميع المعتقدات السماوية الثلاث (يهودية - مسيحية - إسلامية)
- متوسط الموقع الجغرافي عالمياً ومتحكّم في الممرات البحرية وطريق التجارة العالمية
- متنوع التضاريس والأتربة الزراعية والفصائل الحيوانية والنباتية
- متعدد المناخ الشبه صحراوي والمتوسط والاستوائي والمداري
- جم الثروات المعدنية ومصادر المياه الطبيعية
ولهذه المميزات والخصائص طمعت قوى النفوذ الدولية، فحيكت المؤامرات وزرعت المشاكل والأحداث المتشعبة، ما أبقى المنطقة في حالة الاستنزاف العشوائي للثروات ووضع استهلاكي مُلفت مُنذ عدّة عقود، لتتململ الجماهير بطريقة الاعتصامات وتسيل الدماء ويحل الدمار للكم الهائل من البُنى التحتية والمصالح الحيوية وهذا ما قد يعتبره البعض كمخاض سياسي صعب.
وبالإشارة إلى فحوى الأهم، مما كان أو هو كائن، وما زال من المشاكل والأحداث، نورد في سياق المقال وبشكل مقتضب:
القضية الفلسطينية شوكة الميزان في قاموس المكانة التاريخية عند المؤرخون العرب والتي بخصوصها تمكن الشعب الفلسطيني وإلى جانبه الجماهير العربية من الصمود والنضال الطويل على درب المقاومة متعددة المهام، وفق نصوص القانون الدولي وخيار السياسة النشطة وتحرّكاتها المفضية إلى إبراز عنفوان المحافظة على جوهر العدالة القانونية للقضية، وإحراز الخطوات المتقدّمة نحو التحرير من بطش المغتصب الصهيوني، رغم شتات الأغلبية من أبناء هذا الشعب في أصقاع المعمورة، ليس من شيء، وإنما من مشروعية الحق وما يتطلبه الحال الأسري والاجتماعي من عودة ولمّ الافتراق القسري.
وعلى كلٍّ لم يكتفِ المتآمرون من شغل الأمة العربيّة في قضيّةٍ واحدةٍ، بل زعزعوا الأوضاع بأكثر من مشكلةٍ وأحدثوا في الأمور ما يخل بالسكينة العامة ويقلق الأمن الإقليمي، وفي هذا المعنى يتبين أن كلّ عشر سنوات تستفزّ قوى النفوذ والهيمنة الدولية، من حفيظة الدول العربية، بخصمٍ ما وتعبّر عن ذلك إعلاميًّا بمصطلحٍ يلفت الجميع ويثير القلق، فمن بعبع الإلحاد، مثلًا عن طريق الاشتراكيّة، إلى بعبع النظام البعثي في العراق المُحاك ضده ابتداء من حرب الثماني سنوات ثم عاصفة الصحراء، إلى تنظيم القاعدة ومصطلح محاربة الإرهاب، تلى ذلك محاربة داعش حالياً، وهكذا دواليك، ليس هذا فحسب بل اُستغل بلورة عوامل الأوضاع المعيشية في صورة حقوق وتكون مطلع العقد الثاني من القرن الحالي، جُملة الأحداث العربية، بحقيقة إنها داخلية الدوافع فعلاً خارجية التأثير، تم لبعضها الحلول أو التهدئة وما زال منها الأحداث اليمنية والسورية، بالإضافة إلى القلاقل العراقية والليبية، متراوحة إجرائياً، فيما بين الآمال الجماهيرية والإهمال الرسمي.
ففي الشأن اليمني يُعتبر لجوء (الحوثيين) كسلطه أمر واقع في العاصمة اليمنية صنعاء إلى لغة القوة قبل قوة اللغة السياسية وحوارها البنّاء، حالة معززة من نبرة الصراع وإطالة الحرب، إن لم تتم التنازلات الإيجابية ومن قبل كل الأطراف، لغرض وقف نزيف الدم والحفاظ على ما تبقى من البنية التحتية، ممتعضة جل الجماهير اليمنية، فيما يُستشعر عقلياً وفلسفياً من التدخلات الخارجية بأجندتها في الشأن الفكري، وخصوصاً المذهبي منه، على حساب المصلحة العامة للبلد دون مراعاة للأبجديات الدولية، فيما يتعلّق بالعلاقات الثنائية.
وبالنسبة للشأن السوري فهو ومن وصف الخبراء الإستراتيجيين، يُعتبر معقد التحليل سهل الحلول في حال ما أن يتفق جميع الفرقاء المحركين للوضع على قاعدة التآخي ونبذ التدخلات المؤدلجة خارجياً التي منها وبها وفي إطار الحالتين اليمنية والسورية، انقسمت النُخب الثقافية والجماهيرية وتشعّبت الخطابات الرنّانة عربيًّا، وهذا مما يُنذر بفتح الخلافات الأثنية وسلبية النتائج المقلقة، من خشية أن يتساير الحال على بقية القضايا والأحداث البسيطة في الوطن العربي ولربما تمتد المعضلة - تحذير مما يُلاحظ أحيانًا - إلى القضيّة الفلسطينيّة، إن عجز العدو الصهيوني عن المواجهة كون ورقة الخلافات الفكرية فيما بين أصحاب الهم الواحد، من حيث الأجدرية تعتبر له العُملة المربحة.
وبالعودة إلى عنوان المقال وحيثياته الختامية يتضح منطقياً بأن أي حرب بديهياً، تنتهي في نهاية المطاف على طريقتي، إما التفاوض وإصلاح الأمور السياسية والاجتماعية، وكذلك الاقتصادية وما إليها من المترتبات المؤسسية أو الاستسلام وهزيمة أحد الطرفين وهذا غير مُجدي، من حيث الأسس البنّاءة كون ثقافة الغالب والمغرب لن تبني الأوطان وخصوصاً، حالما تكون الحرب على الشكل الأهلي أو على الشبه منه.
فعند الملاحظة البسيطة دون التحليل الاستراتيجي للأحداث الدائرة على مستوى الساحة العربية راهناً، يتجلّى بأن أهدافها - أي الأحداث - مُبهمة المعاني العامة وصورتها الإعلامية مُتشعّبة - وهذا ما لا ترغب قوى التأثير الخارجي في إنهائه - وإن وجهة نظر القيادات المتزعّمة للصراع ضيّقة الأطرّ الوطنية والتقارب في ضوء برامجها شاق التفاوض، إن لم تضغط قاعدة الجماهير عليهم أو تتألّب - أي القاعدة الجماهيرية - حول البديل الوطني المهتم بالمصلحة العامة ويقبل بالكل، اللهم إلّا إذا كانت هناك من وسيلة خلف الكواليس يحيكها المؤثّرون تهدف إلى وقف الاقتتال الميداني وترك الأسباب الأساسية للمشكلة دون المعالجة الجذرية، كي يبقى التماحك مستمر وتبقى الشعوب مُنهكة، وهنا يُقال بأنه عندما تُستجمع قوى الخير ويتحقق الوعي السياسي للأمة كما تمتعت بذلك مُسبقاً حتماً، وليس إمكاناً ستُحجّم الأدوار العبثية ويُحد من المطامع الخارجية، إن لم تتوقف.
بيد إن في نهاية المطاف ومن الحقيقة السائدة نعم ستتوقف الحرب أيما تكون وسيكون التفاهم والحلول المقنعة التي لا بد منها، وذلك من شاهد تجربة، بل تجارب تاريخية مؤكدة، وإن توجّس البعض الخيفة.

