Menu

ما سرُّ اهتمامِ الولاياتِ المتّحدة بترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وفلسطين المحتلّة؟

جمال واكيم

نشر هذا المقال في العدد 44 من مجلة الهدف الإلكترونية

قد يتساءلُ البعضُ: لماذا تهتمُّ الدّولُ الغربيّةُ على غير عادتها بالتدخّل لحلحلة أزمة الطّاقة وموضوع ترسيم الحدود بين لبنان والكيان الصهيونيّ؟ فلقد اعتدنا في السابق أن نجدَ تبنّيًا غربيًّا كاملًا لوجهات النظر الإسرائيليّة، وهو ما لم يشذَّ عنه الغربيّون هذه المرّة، لكنّ الفارق في هذهِ المرّة هو في كون القوى الغربيّة تدخّلت في حلّ الأزمة بما أعطى لبنان مكاسبَ لأوّل مرّة عبرَ الوسيط الغربي، وهو الأميركيّ عاموس هوكشتاين. طبعًا لم يحصل لبنان على حقّه الكامل المتمثّل بالخطّ 29، إلّا أنّ الكيان الصهيوني كان ينوي تجاهل حقوق لبنان بالكامل، لكن بالمحصّلة فإنّ لبنان ثبت حقّه في الخطّ 23 وكامل حقل قانا، إضافةً إلى ترسيم الحدود البحريّة انطلاقًا من النّقطة "ب1".

تكمنُ الإجابةُ عن هذا الموضوع في الأزمة الأوكرانيّة التي اندلعتْ في شباط فبراير الماضي بعدما استبق الروس عمليّةً عسكريّةً أوكرانيّةً مدعومةً من الولايات المتّحدة وحلف الناتو كانت مقرّرةً في 28 شباط/ فبراير 2022، وبدأوا عمليّةً عسكريّةً خاصّةً في 26 شباط فبراير، أجهضت المحاولة الغربيّة ونقلت المعركة إلى أراضي الخصم. بنتيجة هذه العمليّة فإنّ الولايات المتّحدة وحلفاءها الغربيين فرضوا عقوباتٍ اقتصاديّةً على روسيا. كانت روسيا تتحسب لهذا الأمر بأن شكّلت صندوقًا سياديًّا من نحو 700 مليار دولار لحماية نفسها من تداعيات العقوبات التي كانت تنتظرها. كذلك فإنّها لجأت إلى فرض شراء نفطها وغازها بالروبل الروسي لا باليورو أو الدولار لدعم عملتها التي استعادت قيمتها السابقة على بدء الأعمال العسكريّة في أوكرانيا، بعدما كانت هذه العملة قد تراجعت في مقابل الدولار واليورو.

هنا لا بدّ لنا أن نشيرَ إلى الهدف الأميركي من إشعال الأزمة في أوكرانيا. لقد كانت الولايات المتّحدة تسعى لأن تحوّل أوكرانيا لقاعدةٍ متقدّمةٍ لها في شرق أوروبا على الحدود مع روسيا، لتنطلق بعدها لتهديد القلب الروسي المتمثّل بموسكو، ولإثارة ثوراتٍ وانتفاضاتٍ بين الإثنيّات والأقليّات الدينيّة في موسكو، التي تتركّزُ في منطقتي القوقاز ووسط آسيا، مثل: الكيبتشاك والإنغوش والشيشان والتتار والشركس وغيرهم. وترى الولايات المتّحدة في أن هذا من شأنه أن يقسم روسيا الى مئات الدويلات الصغيرة التي ستسهل السيطرة عليها واستغلال الموارد الهائلة في روسيا غير المستغلة بشكلٍ كامل، علمًا أنّ هذه الأخيرة تقدر مساحتها ب 17 مليون كيلومترا مربّعًا، وهي غنيّةٌ بالموارد الطبيعيّة من غازٍ ونفطٍ وذهبٍ وألماسٍ وكوبالت ويورانيوم وغيرها من المعادن النفيسة التي كان مقدّرًا أن تصبح تحت سيطرة الرأسمالية الغربيّة لو نجح المخطّطُ بالانطلاق من أوكرانيا لتقسيم روسيا.

لم تنجح الولاياتُ المتّحدةُ بضرب العمق الروسي انطلاقًا من أوكرانيا، لكنّها بإثارة القلاقل في هذا البلد ودفع روسيا للتدخّل عسكريًّا فيه، فإنّها نجحت في استدراج موسكو إلى حربٍ طويلة. كذلك فإنّها نجحت في إحداث شرخٍ بين روسيا من جهة وأوروبا من جهة أخرى ما قد يؤدّي إلى عزل روسيا في البر الأوراسي، وهذا هدفٌ استراتيجيٌّ أميركيٌّ قديمٌ عبّر عنه عددٌ كبيرٌ من المفكّرين الأميركيّين على رأسهم مستشار الأمن القوميّ الأميركي الراحل زبغنيو بريجنسكي في كتابه رقعة الشطرنج الكبرى. كذلك فإنّ الولايات المتّحدة بهذه الخطوة جعلت أوروبا تعتمد عليها بالكامل لتحقيق أمنها في مواجهة ما تعدّه خطرًا روسيًّا عليها. كذلك فإنّه كان في بال صنّاع القرار في الولايات المتحدة الحصول على جائزة أخرى تتمثل بالاستيلاء على حصة روسيا من النفط والغاز في السوق الأوروبية.

وكانت الولايات المتحدة قد ضغطت على الدول الأوروبية وعلى رأسها ألمانيا لوقف العمل بنورد ستريم 2. وقد أعلنت روسيا عن قطع امدادات الطاقة عبر أنبوب يامال ما أدى إلى قلق أوروبي كبير، تبعه الإعلان عن القيام بأعمال صيانة في الخط الذي يمر عبر أوكرانيا. وكانت الطامة الكبرى في حادث التفجير الذي تعرض له خط نور ستريم واحد والذي أعلن عدد كبير من المسؤولين الأوروبيين على رأسهم المفوضية الأوروبية بأنه عمل تخريبي مدبر. كل هذا وأوروبا على أعتاب فصل الشتاء وهي تعتمد على النفط والغاز الروسي للتدفئة وفي قطاع النقل وفي الاستخدام المنزلي للطهو.

وقد بدأ انقطاع امدادت النفط والغاز بالتأثير على الأوروبيين بشكل كبير. فلقد تضاعفت أكلاف الطاقة أكان للتدفئة أم النقل أم الطهو ما جعل الأوروبيين يغيرون من أنماط استهلاكهم وحياتهم. ومن الأمثلة على ذلك لجوء العائلات البريطانية إلى تغيير أنماطها الاستهلاكية والغذائية للتوفير في استهلاك الغاز. وقد بدأت هذه العائلات بالاستغناء عن المأكولات التي تحتاج إلى تحميص أو شيٍ للتوفير في استخدام الغاز المنزلي. وقد أعلن واحد من كل أربعة بريطانيين بأنه بدأ بالاستغناء عن التحميص والاستعاضة بالقلي لإعداد وجبات الطعام، فيما أعلن خمس البريطانيين بأنهم بدأوا بالتقليل من بعض وجبات الطعام وفقا للتقرير السنوي ل "غود فود نايشن" (أمة الطعام السليم). وأعلن 20 بالمئة أنهم استغنوا عن إشعال الأفران في منازلهم، فيما أعلن 23 بالمئة آخرون أنهم خففوا من استعمال أفرانهم في الطهي. وفي تقرير آخر في جريدة الاندبندنت، فلقد تمت الإشارة إلى أن ثلث المدرسين الثانويين باتوا يعانون من أوضاع اقتصادية صعبة تجعلهم حتى لا يستطيعون سد حاجاتهم من الطعام.

إضافة إلى ذلك، فإن ارتفاع أسعار النفط والغاز دفع ببريطانيا إلى الاعتماد أكثر على إنتاج الطاقة النووية عبر زيادة الإنتاج من محطاتها النووية المتقادمة. لكن المشكلة تكمن في أن هذا له أكلاف أخرى من نوع آخر. فهنالك كلفة التخلص من النفايات النووية الناجمة عن عملية الإنتاج والتي تقدر بنحو 260 مليار باوند، إضافة إلى الأكلاف غير المباشرة المتمثلة بالتلوث البيئي الكبير الذي ينتج عن هذه المحطات، والمخاطر الكبرى على المناطق السكنية القريبة من هذه المفاعلات.

ولم تثمر جهود الدول الأوروبية حتى الآن في إيجاد بدائل عن الغاز والنفط الروسيين. ففي جولة له في أواخر شهر أيلول سبتمبر في الخليج، لم يتمكن المستشار الألماني أولف شولتز إلا من تأمين شحنة نفط واحدة من الغاز من دولة الإمارات العربية المتحدة. ويبلغ حجم الشحنة التي سيتم تسليمها من قبل شركة أبو ظبي الوطنية للنفط 137 ألف مترا مكعبا في بدايات العام 2023. ولا يسد هذا احتياجات ألمانيا إلا لفترة وجيزة جدا، علما أن هنالك صعوبة كبيرة لدى الأوروبيين في إيجاد أسواق بديلة للطاقة أكان ذلك في ما يتعلق بالجزائر التي رفضت زيادة توريداتها من الغاز لأوروبا، أو حتى قطر وإيران (في حال تم رفع العقوبات عنها). فالجدير ذكره أن الغاز يباع بعقود آجلة على مدى عشر أو عشرين سنة، وبالتالي فإنه يتعذر على أوروبا اللجوء إلى الدول المنتجة لسد احتياجاتها.

هذا يزيد من أهمية النفط والغاز في شرق المتوسط، أكان ذلك الذي يتواجد في المياه الإقليمية اللبنانية أو في المياه الإقليمية لفلسطين المحتلة. إذ أن الغاز في هاتين المنطقتين لا يزال بكرا غير مرتبط بعقود آجلة وبالتالي يمكن لأوروبا الاعتماد عليه لسد جزء من احتياجاتها، وخصوصا النفط والغاز الذي يسيطر عليه الكيان الصهيوني الذي لم يكن من الممكن استخراجه من دون التوصل لاتفاق مع لبنان، خصوصا بعد تهديد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بأن حزب الله سيستهدف كامل منصات الإنتاج في المياه الإقليمية لفلسطين المحتلة ما لم يتم الاتفاق مع لبنان على ترسيم حدوده البحرية وفقا لشروطه. وبالتالي فإن مجرد التهديد هذا كان يدفع الشركات الأوروبية والعالمية إلى عدم المجيء للاستثمار في نفط وغاز شرق المتوسط في ظل التهديدات هذه التي تحول المنطقة إلى ساحة نزاع تكون مكلفة بالنسبة للشركات خصوصا لجهة التأمين.