قد يتساءلُ البعضُ: لماذا تهتمُّ الدّولُ الغربيّةُ على غير عادتها بالتدخّل لحلحلة أزمة الطّاقة وموضوع ترسيم الحدود بين لبنان والكيان الصهيونيّ؟ فلقد اعتدنا في السابق أن نجدَ تبنّيًا غربيًّا كاملًا لوجهات النظر الإسرائيليّة، وهو ما لم يشذَّ عنه الغربيّون هذه المرّة، لكنّ الفارق في هذهِ المرّة هو في كون القوى الغربيّة تدخّلت في حلّ الأزمة بما أعطى لبنان مكاسبَ لأوّل مرّة عبرَ الوسيط الغربي، وهو الأميركيّ عاموس هوكشتاين. طبعًا لم يحصل لبنان على حقّه الكامل المتمثّل بالخطّ 29، إلّا أنّ الكيان الصهيوني كان ينوي تجاهل حقوق لبنان بالكامل، لكن بالمحصّلة فإنّ لبنان ثبت حقّه في الخطّ 23 وكامل حقل قانا، إضافةً إلى ترسيم الحدود البحريّة انطلاقًا من النّقطة "ب1".
تكمنُ الإجابةُ عن هذا الموضوع في الأزمة الأوكرانيّة التي اندلعتْ في شباط فبراير الماضي بعدما استبق الروس عمليّةً عسكريّةً أوكرانيّةً مدعومةً من الولايات المتّحدة وحلف الناتو كانت مقرّرةً في 28 شباط/ فبراير 2022، وبدأوا عمليّةً عسكريّةً خاصّةً في 26 شباط فبراير، أجهضت المحاولة الغربيّة ونقلت المعركة إلى أراضي الخصم. بنتيجة هذه العمليّة فإنّ الولايات المتّحدة وحلفاءها الغربيين فرضوا عقوباتٍ اقتصاديّةً على روسيا. كانت روسيا تتحسب لهذا الأمر بأن شكّلت صندوقًا سياديًّا من نحو 700 مليار دولار لحماية نفسها من تداعيات العقوبات التي كانت تنتظرها. كذلك فإنّها لجأت إلى فرض شراء نفطها وغازها بالروبل الروسي لا باليورو أو الدولار لدعم عملتها التي استعادت قيمتها السابقة على بدء الأعمال العسكريّة في أوكرانيا، بعدما كانت هذه العملة قد تراجعت في مقابل الدولار واليورو.
هنا لا بدّ لنا أن نشيرَ إلى الهدف الأميركي من إشعال الأزمة في أوكرانيا. لقد كانت الولايات المتّحدة تسعى لأن تحوّل أوكرانيا لقاعدةٍ متقدّمةٍ لها في شرق أوروبا على الحدود مع روسيا، لتنطلق بعدها لتهديد القلب الروسي المتمثّل بموسكو، ولإثارة ثوراتٍ وانتفاضاتٍ بين الإثنيّات والأقليّات الدينيّة في موسكو، التي تتركّزُ في منطقتي القوقاز ووسط آسيا، مثل: الكيبتشاك والإنغوش والشيشان والتتار والشركس وغيرهم. وترى الولايات المتّحدة في أن هذا من شأنه أن يقسم روسيا الى مئات الدويلات الصغيرة التي ستسهل السيطرة عليها واستغلال الموارد الهائلة في روسيا غير المستغلة بشكلٍ كامل، علمًا أنّ هذه الأخيرة تقدر مساحتها ب 17 مليون كيلومترا مربّعًا، وهي غنيّةٌ بالموارد الطبيعيّة من غازٍ ونفطٍ وذهبٍ وألماسٍ وكوبالت ويورانيوم وغيرها من المعادن النفيسة التي كان مقدّرًا أن تصبح تحت سيطرة الرأسمالية الغربيّة لو نجح المخطّطُ بالانطلاق من أوكرانيا لتقسيم روسيا.
لم تنجح الولاياتُ المتّحدةُ بضرب العمق الروسي انطلاقًا من أوكرانيا، لكنّها بإثارة القلاقل في هذا البلد ودفع روسيا للتدخّل عسكريًّا فيه، فإنّها نجحت في استدراج موسكو إلى حربٍ طويلة. كذلك فإنّها نجحت في إحداث شرخٍ بين روسيا من جهة وأوروبا من جهة أخرى ما قد يؤدّي إلى عزل روسيا في البر الأوراسي، وهذا هدفٌ استراتيجيٌّ أميركيٌّ قديمٌ عبّر عنه عددٌ كبيرٌ من المفكّرين الأميركيّين على رأسهم مستشار الأمن القوميّ الأميركي الراحل زبغنيو بريجنسكي في كتابه رقعة الشطرنج الكبرى. كذلك فإنّ الولايات المتّحدة بهذه الخطوة جعلت أوروبا تعتمد عليها بالكامل لتحقيق أمنها في مواجهة ما تعدّه خطرًا روسيًّا عليها. كذلك فإنّه كان في بال صنّاع القرار في الولايات المتحدة الحصول على جائزة أخرى تتمثل بالاستيلاء على حصة روسيا من النفط والغاز في السوق الأوروبية.
وكانت الولايات المتحدة قد ضغطت على الدول الأوروبية وعلى رأسها ألمانيا لوقف العمل بنورد ستريم 2. وقد أعلنت روسيا عن قطع امدادات الطاقة عبر أنبوب يامال ما أدى إلى قلق أوروبي كبير، تبعه الإعلان عن القيام بأعمال صيانة في الخط الذي يمر عبر أوكرانيا. وكانت الطامة الكبرى في حادث التفجير الذي تعرض له خط نور ستريم واحد والذي أعلن عدد كبير من المسؤولين الأوروبيين على رأسهم المفوضية الأوروبية بأنه عمل تخريبي مدبر. كل هذا وأوروبا على أعتاب فصل الشتاء وهي تعتمد على النفط والغاز الروسي للتدفئة وفي قطاع النقل وفي الاستخدام المنزلي للطهو.
وقد بدأ انقطاع امدادت النفط والغاز بالتأثير على الأوروبيين بشكل كبير. فلقد تضاعفت أكلاف الطاقة أكان للتدفئة أم النقل أم الطهو ما جعل الأوروبيين يغيرون من أنماط استهلاكهم وحياتهم. ومن الأمثلة على ذلك لجوء العائلات البريطانية إلى تغيير أنماطها الاستهلاكية والغذائية للتوفير في استهلاك الغاز. وقد بدأت هذه العائلات بالاستغناء عن المأكولات التي تحتاج إلى تحميص أو شيٍ للتوفير في استخدام الغاز المنزلي. وقد أعلن واحد من كل أربعة بريطانيين بأنه بدأ بالاستغناء عن التحميص والاستعاضة بالقلي لإعداد وجبات الطعام، فيما أعلن خمس البريطانيين بأنهم بدأوا بالتقليل من بعض وجبات الطعام وفقا للتقرير السنوي ل "غود فود نايشن" (أمة الطعام السليم). وأعلن 20 بالمئة أنهم استغنوا عن إشعال الأفران في منازلهم، فيما أعلن 23 بالمئة آخرون أنهم خففوا من استعمال أفرانهم في الطهي. وفي تقرير آخر في جريدة الاندبندنت، فلقد تمت الإشارة إلى أن ثلث المدرسين الثانويين باتوا يعانون من أوضاع اقتصادية صعبة تجعلهم حتى لا يستطيعون سد حاجاتهم من الطعام.

