Menu

الترسيمُ اللبنانيّ – الإسرائيليّ وتداعياته

سركيس أبو زيد

نشر هذا المقال في العدد 44 من مجلة الهدف الإلكترونية

عملَ الوسيطُ الأميركيّ أموس هوكشتاين بكلِّ ما عندَهُ من ضغطٍ وسرعةٍ من أجل تأكيد الرغبة الأمريكيّة في توقيع الاتفاق قبل الانتخابات الإسرائيليّة، وقبل انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون؛ لأنّه إذا لم يحصل ذلك، ستضيع فرصة سانحة يصعب أن تتكرّر، وسيؤدّي ذلك إلى تعريض الاستقرار للخطر في البحر الأبيض المتوسّط والمنطقة.

التزامنُ الحاصل بين انتخاباتٍ رئاسيّةٍ لبنانيّةٍ وانتخاباتٍ عامةٍ إسرائيليّةٍ وانتخاباتٍ نصفيّةٍ أميركيّة، شكّل دافعًا في تسريع إنجاز اتفاق ترسيم الحدود، وفي الدخول الأميركي المباشر على الخط بشكل فوري وقوي قبل أن ينشغل الإسرائيليون في انتخاباتهم ولا تعود لديهم أي جهة تملك صلاحية التوقيع، وقبل أن ينغمس الأميركيون في انتخابات الكونغرس وسط منافسة شديدة بين الحزب الديمقراطي والجمهوري، فينعدم بعدها اهتمامهم بالملف اللبناني- الإسرائيلي ويتحولون الى أولويات دولية أولها حرب أوكرانيا التي تشهد تطورات سريعة وخطيرة، وحتى على المستوى اللبناني فإن مرحلة ما بعد 31 تشرين تبدو غامضة ومحفوفة بالمخاطر إذا حصل فراغ رئاسي ولم تُشكّل حكومة جديدة، ولم يعد هناك من سلطة تفاوض توقع على الاتفاق.

فالفكرة السائدة عند الأميركيين وغيرهم أن الاتفاق إما أن يوقع قبل نهاية شهر تشرين الأول، وإما أن يضيع في متاهات التأجيل والتأخير، وهذا بالفعل ما حصل، حيث عمل هوكشتاين على اتصالات مفتوحة مع كل الأطراف مؤكداً التزام واشنطن بالتوصل الى حل واتفاق مستدام.

أبعاد استراتيجية للاتفاق

 يمكن اختصارها في نقطتين أساسيتين:

  1. هذا أول اتفاق خطي بين لبنان و"إسرائيل" منذ اتفاق الهدنة العام - 1949 الذي ما زال ساري المفعول واتفاق 17 أيار الذي"سقط". صحيح أن اتفاق الترسيم ليس "اتفاق تطبيع" وليس خطوة أولى على طريق "اتفاق سلام"، ولكن نتيجته هو أن هذا الاتفاق يهدئ الصراع بين لبنان و"إسرائيل"، ويرسّخ حال الهدوء على الحدود البحرية والبرية، وعلى قاعدة "السلام الاقتصادي"، وكل ذلك بعلم وضوء أخضر من القوى الفاعلة في لبنان والمنطقة.
  2.  اتفاق الترسيم الحدودي يعيد خلط أوراق الداخل اللبناني في مجالين:
  • الأول اقتصادي مع دخول لبنان نادي الدول النفطية وتحسن تصنيفه الدولي وظهور بارقة أمل اقتصادية، وبدء العد العكسي للخروج من الأزمة والصعود من القعر. وفي موازاة الضمانة الأميركية للاتفاق سيكون تخفيف للضغوط الخارجية ولحال العزلة الدولية المفروضة على لبنان.
  •  أما المجال الثاني، فإنه سياسي إذا ما قررت الأطراف التي شاركت في إنجاز الاتفاق الاستثمار داخلياً، والدخول في لعبة موازين القوى، باعتبارها الطرف الذي ساهم في صنعه وولادته، وفي تحصيل حقوق لبنان وفرصة الاستفادة من ثروته البحرية. وهذا التوجه على قاعدة مقايضة "التقديمات" الحدودية الإيجابية بالمكاسب الداخلية السياسية، يبدأ من الاستحقاق الرئاسي ورئاسة الحكومة لاتخاذ قرارات إصلاحية وإدارة الحكم واقتسام النفوذ.

وقد تُرجم الاتفاق عبر اجتماع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي مع وزير الطاقة في حكومة تصريف الأعمال وليد فياض، ووفد قيادي من شركة "توتال" الفرنسية، وخلال الاجتماع طلب ميقاتي من ممثلي شركة "توتال" المباشرة بالإجراءات التنفيذية للتنقيب في المياه اللبنانية فوراً؛ تليها التحضيرات اللوجستية، وبدء بناء البنية التحتية، ومن ضمنها يبدأ حفر آبار الإنتاج التي منها يتم استخراج الغاز، وهذه العملية ستستغرق ما بين 7 الى 8 سنوات قبل البدء بضخ الغاز، وتؤكد المعلومات أن "إسرائيل" مستفيدة اليوم من حاجة أوروبا الملحة للغاز بعد خلافها مع روسيا إلا أنها ستظل بحاجة الى الغاز أقله لـ 30 عاماً المستقبلية. وفي حال العثور على النفط والغاز، يدخل لبنان في نادي الدول المنتجة للنفط والغاز مما يرفع تصنيفه الاقتصادي العالمي.

تأثير الاتفاق على الانتخابات الإسرائيلية

اعتقد بعض الخبراء الإسرائيليين أن توقيع الاتفاقية البحرية سيساعد بالتأكيد رئيس الوزراء يائير لبيد على تحسين صورته في انتخابات الأول من تشرين الثاني 2022، كما وسوف تخلق فرصة لليمين لتمييز نفسه عن اليسار في "إسرائيل"، بينما توقع أخرون أن يكون حجم إقبال الناخبين العامل الأكبر في تحديد فرص نتنياهو بالفوز، أكثر من أي شيء مرتبط بالصفقة.

في النتيجة، لم يتمكن لبيد من تسخير الاتفاق لرفع أسهمه في الانتخابات الإسرائيلية، مما أدى إلى خسارته أمام تقدم نتنياهو، ما طرح سؤال سياسي هو: كيف سيتم التعامل مع الاتفاق من قبل الحكومة الجديدة؟

تداعيات الاتفاق على المستوى الاقتصادي-الأمني  

مما لا شك فيه أن اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان و"إسرائيل" هو "حدث وتطور مهم" ومعطى جيوسياسي جديد، فما بعده ليس مثل ما قبله، فهو اتفاق بين لبنان و"إسرائيل"، وعملياً يمكن أن يقال عنه إنه اتفاق وبطريقة غير مباشرة بين أميركا )إسرائيل( و إيران )حزب الله(، هذا الاتفاق ظاهره وعنوانه اقتصادي وعمقه أمني، وعند الحديث عن نتائجه وتداعياته، يجري التركيز على المجالين الاقتصادي والأمني:

  1.  إنجاز الاتفاق سيسمح لـ"إسرائيل" بتحقيق ازدهار اقتصادي والبدء ببيع الغاز لأوروبا كجزء من غاز الشرق الأوسط المطلوب للتعويض عن الغاز الروسي، وأن باستطاعة "إسرائيل" أن تستفيد فوراً من ضمان الأمن لاستثمار ثروتها النفطية والغازية ودخول سوق الطاقة، في وقت أمام لبنان سنوات لكي يبدأ في هذه العملية.

  اندفع لبنان إلى هذا الاتفاق تحت وطأة الأزمة الاقتصادية أولاً، والحاجة الى موارد مالية ذاتية، والرئيس الأميركي جو بايدن في اتصاله مع الرئيس عون ركّز على هذه الناحية، آملا في أن تُحدث هذه الاتفاقية" تغييراً جيداً في حياة الشعب اللبناني"، ومعتبراً أنها تُشكل "فرصة لاستعادة الاستثمارات الأجنبية والخارجية للبنان، وهذا سيساعدكم على تعزيز فرص استغلال واستكشاف النفط والغاز في بلادكم لتحسين حياة الملايين من شعبكم".

  1.  في التداعيات الأمنية، جرى التركيز على أن هذا الاتفاق سوف ينهي النزاع الحدودي بين البلدين، بحيث لا تعود الحدود مصدراً لتوتر أو شرارة لحرب، فإذا كان القرار 1701 أرسى هدنة طويلة ومفتوحة على قاعدة وقف إطلاق النار، فإن اتفاق الترسيم يعلن بشكل أو بآخر إنهاء حال الحرب مع الإبقاء على حال العداء مع "إسرائيل"، وبالتالي، فإنه يرسي استقراراً أمنياً حدودياً مستداماً، سيكون الأساس والشرط في أي ازدهار اقتصادي واستثمار غازي ونفطي في البحر، وما جرى من إقفال لملف النزاع البحري ينسحب على ملف النزاع البري ويؤثر إيجاباً عليه.

تاثير الاتفاق على انتخاب الرئيس في لبنان

يضاف على التداعيات الاقتصادية والأمنية في لبنان، "التداعيات السياسية"، والمقصود بها تحديداً مدى انعكاس وتأثير اتفاق الترسيم على المعادلة وميزان القوى السياسي، بدءاً من الاستحقاق الرئاسي الحالي، وكيف سيُعمل على استثماره في الداخل.

وهنا نجد رأيين مختلفين:

  • فهناك من لا يرى تلازماً وترابطاً بين ملفي الترسيم والرئاسة، وبمعنى استبعاد إعطاء ثمن سياسي للقوى التي شاركت في إنجاز الاتفاق مقابل تسهيل الاتفاق، مع استبعاد وجود خلفيات استراتيجية وسياسية خلف اتفاق الترسيم، والمسألة مصلحة مشتركة بين البلدين ليس أكثر. ويستند أصحاب هذا الرأي الى الموقف الدولي الواضح تجاه لبنان، والذي حدده البيان الثلاثي المشترك (الأميركي الفرنسي السعودي) الصادر عن وزراء خارجية الدول الثلاث من نيويورك، والذي أصرّ على رئيس يمكنه توحيد اللبنانيين ويعمل مع حكومة تنفذ القرارات الدولية 1559 و 1680 و 1701 التي تتناول سلاح الحزب، وشدد على مرجعية اتفاق الطائف، وترجمت الدول الثلاث بيانها الأخير بإبلاغ من يلزم من حلفائها وأصدقائها اللبنانيين أن وصول رئيس للجمهورية صديق لحزب الله يعني ببساطة أن لا مساعدات مالية للبنان على الإطلاق.
  • وهناك من يرى أثراً مباشراً للترسيم على الرئاسة، ويعتبر أن حزب الله سيتصرف على أنه صاحب الفضل في هذا الإنجاز الذي لم يكن ليتحقق لولا مسيّراته التي دفعت "إسرائيل" إلى المسارعة للاتفاق والولايات المتحدة الى تكثيف الضغوط، ولولا الضوء الأخضر الذي أعطاه الحزب للدولة اللبنانية التي يقول إنه يقف وراءها وبالتالي، فإن الحزب سيرتد إلى الداخل للمطالبة بثمن سياسي حدده في تغيير مسار المعادلة الرئاسية وتسهيل حصوله على رئيس يثق به ويرتاح ويطمئن إليه، كما أن الأطراف اللبنانية الأخرى المشاركة في هذا الاتفاق تطالب بحصة وهي (جبران باسيل – نبيه بري – نجيب ميقاتي).

قوة لبنان تحصن حقوقه

نجحت الشرعية اللبنانية وحكومة لبيد وإدارة بايدن بإنجاز الاتفاق في موعده، وبعد التوقيع عليه في الناقورة أصبح بمثابة أمر واقع سبق الاستحقاقات الدستورية في لبنان (نهاية عهد عون) وفي الكيان المؤقت (انتخابات النيابية) وفي أميركا انتخابات النصفية.

بعد إنجاز هذه المرحلة وبعد حصول اتمام الاستحقاقات اللبنانية والإسرائيلية والأميركية، ينتظر المراقبون ردات الفعل وكيفية التعامل معها، فقد دخل الاتفاق في مرحلة اختبار جديدة تشكل امتحاناً لجميع الأطراف المشاركة، وخاصة قدرة إدارة بايدن باحترام تعهداتها مع ترك الباب مفتوحاً أمام المفاجآت والتطورات.

باختصار هناك ثلاث مستويات لتقييم هذا الاتفاق:

  1.  على المستوى المبدأي كل فريق تنازل عن جانب من مطالبه المبدأية لإنجاح مشروعه في الترسيم وهو تحدٍ جديد يواجه الإدارة في الجهات المعنية، خاصة العهد الجديد في لبنان والحكومة الجديدة في "إسرائيل" والإدارة المتجددة في أميركا.
  2. على المستوى السياسي السؤال المطروح وما زال من دون جواب هو: كيف ستتعامل القوى السياسية في الحكم وفي المعارضة في الجهات الثلاث المعنية؟
  3.  كيف ستتحكم موازين القوى الفعلية في الجهات الثلاث والتي تتحكم بمصير الاتفاق وتطبيقه والتعايش معه؟

ختاماً، في لبنان حوار وتباين بين اتجاه مبدأي رفض الاتفاق نظرياً، واتجاه واقعي وافق على الممكن المتاح نسبة إلى واقع لبنان المأزوم الذي يواجه أزمة اقتصادية مالية، والاتفاق قد يساعده للخروج من معاناته الاقتصادية وتحدياته السياسية الوجودية.

والخلاصة المركزية العملية في لبنان هو أنه مطلوب من القوى الحية، تجاوز أزماته حتى يستعيد قوته ودوره لتحصين حقوقه وتحسينها من خلال تعميق معادلة القوة التي يمتلكها، وهي تكامل الدولة والمقاومة والشعب، وعلى هذا الأساس يتقرر مصير الترسيم ومستقبل لبنان.